عصام محمد عبد القادر

رمضان.. الألفة والاندماج الاجتماعي

الجمعة، 27 فبراير 2026 01:55 م


قال تعالى في محكم التنزيل (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)، هود: 61، ومن هذا الأمر الإلهي الجامع، المانع، ندرك أن الاستخلاف قائم على شراكة، وتعاون، وهذا لن يكون إلا في إطار وظيفي، تعبر عن دلالته فلسفة الألفة، والاندماج الاجتماعي؛ حيث يترجمها شهر رمضان الكريم، من خلال بوابة أيامه المعدودات؛ فترى القلوب لينة، وتجد العطاء ممتدًا، ومستدامًا، وتشهد تعبيرات، تؤكد على الرضا، والمحبة، وتغدو الروابط بين البشر في صورة مثالية؛ إذ يتخلى الجميع عن مشاغله، من أجل التجمّع على مائدة، مفعمة بالود، وتلبي الاحتياج المفتقد، وتخلق مناخًا، يشعر الجميع من خلاله بالسعادة، والبهجة.

شعورنا المؤقت بالجوع، والعطش، يحيي في نفوسنا التعاطف مع الفقراء، ويحفزّنا على العطاء بأجود ما لدينا؛ سعياً إلى نيل الأجر، وإرضاء الضمير، وفي هذه الأيام الكريمة، تتجلى أسمى صور التكافل، من خلال ممارسات إيجابية، تذيب الفوارق بين صاحب العوز، ومن لديه كفايته؛ إذ نشهد حالة، غير مسبوقة من التراحم، يبادر فيها الجميع بتقديم ما في وسعهم؛ تحقيقاً لمعادلة الطبيعة الإنسانية العاشقة للعدل، وترسيخاً لتكامل، يضمن قوة نسيجنا المجتمعي.

المائدة الرمضانية، سواءً امتدت في صورة مائدة الرحمن عامرة، تستقبل العابرين، أم اجتمعت في إطار أسرة صغيرة تحت سقف بيت دافئ، تظل نقطة التقاء، تتآلف عندها القلوب، وتلتئم الأرواح على نفحات الشهر الكريم؛ فحولها ينساب الحديث عذبًا، ممزوجًا بروحانيات رمضان، وتغمر الجالسين سكينة اللقاء، وحرارة المودة، فتذوب الفوارق بين قريب، وبعيد، وبين معروف، وغريب، ليحلّ محلها التراحم، والإيثار، والاحتواء، وهناك يتقاسم الجميع زادهم، بمحبة صادقة، وكرمٍ أصيل، في مشهد إنساني بديع الصورة، تبرهن عن أسمى معاني التلاحم، والاندماج، وتتأكد فيه حقيقة أن رمضان لا يجمع الأجساد حول الطعام فحسب، بل يؤلّف القلوب على مائدة القيم، والمودة، والصفاء.

في شهر المودة، والتكافل، تتجلى يقظة الضمير الجمعي في أبهى صورها؛ إذ يحرص الجميع، دون استثناء، على مدِّ يد العون، عبر بوابات شرعية أصيلة، فيبادر الصائم بإخراج زكاة الفطر، ويجتهد في تفطير الصائمين بأية صورة من صور الإحسان؛ ابتغاء مرضاة الله- عزوجل-، وحبًّا في الخيرات، وتعزيزًا لقيمة المسؤولية الجماعية، وهنا أرى أن مؤشرًات دلالته على برهان نمو ثقافة المبادرة القائمة على فلسفة الإيجابية الفاعلة؛ حيث لا ينتظر الفرد غيره ليبدأ، بل يسابق إلى العطاء بروح واعية، وشعور حيٍّ بالآخر، وهذا المشهد الرمضانيّ البهيّ، يؤكد يقظة ضمير الأمة، وتراحمها؛ ليشعر بعضها ببعض شعور الجسد الواحد، ويظل شعارها الضمني أن الألفة باقية في قلوب عامرة بالإيمان، والتقوى، وأن التكافل ليس سلوكًا عابرًا أو مؤقتًا، بل منهج حياة، يتجدد كلما أقبل رمضان بنفحاته المباركة، وبعد انقضاء أيامه الكريمة.

الوِصال في هذا الشهر الكريم صورةٌ رئيسةٌ للألفة، والاندماج المجتمعيّ؛ إذ تتجسد في صلة الأرحام، التي تعبّر عن صفاء النفوس، وتدحض صور الجفاء، والقطيعة، وتفتح أبواب التصالح، بعد طول انغلاق؛ فهي تعزّز العلاقات القائمة على المحبة، والوِئام، وتشيع صور الإحسان بين الناس، حتى تغدو الروابط الإنسانية أكثر رسوخًا، ودفئًا، ومن ثمّ يمثل هذا الشهر المبارك فرصة سانحة لكل من أراد أن يطوي صفحة خلاف، أو يقدم اعتذارًا صادقًا لمن آذاه، أو تسبب له في ضيق، أو غضب، أو اختلف معه في شأن من شؤون الحياة؛ فما أجمل! أن تتآلف القلوب داخل سياج السِّلم، والمحبة، والوئام؛ لتتكون لبنات بناءٍ مجتمعيٍّ، جامع، قوامه الصفح، والتراحم، وأساسه المودة، والتقوى.

في ظلال هذه النفحات الربانية، التي أعادت للقلوب صفاءها، وأحيت فينا معنى الجسد الواحد، تآلفًا، وتراحمًا، نرفع أكفَّ الضراعة إلى العلي القدير أن يتقبّل من الصائمين صيامهم، ومن القائمين قيامهم، وأن يبارك في سعيهم، ويجعل عملهم مبرورًا وذنبهم مغفورًا وأجرهم موفورًا، وأن يديم على الأمة روح التكافل، والمحبة؛ كما لا يغيب عن وجداننا في هذه الأجواء الإيمانية أرواحٌ غالية، شاركتنا الدعاء، والألفة ثم انتقلت إلى جوار ربٍّ كريم، فاللهم أنزل عليهم واسع رحمتك، ونوّر قبورهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك، ودار كرامتك، إنك سميعٌ مجيبٌ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة