غالباً ما تبدأ الحقيقة بهدوء، لكنها تنتهي بضجيج لا يتحمله أصحاب السرديات المزيفة، لطالما اختبأت القوى المحركة خلف ستائر من الأوهام المنسوجة بعناية، محتمية بـ رؤوس تدير المشهد من العتمة، لكن ماذا يحدث حين تنهار تلك الستائر فجأة؟ في هذه المواجهة، لا تسقط الأقنعة فحسب، بل يتهاوى معها إرث كامل من التضليل، لنقف وجهاً لوجه أمام رأس الأفعى في معركة لم تكن الحقيقة فيها خياراً، بل كانت قدراً لا مفر منه.
من هذه الزاوية يأتي مسلسل "رأس الأفعى" إخراج محمد بكير، بوصفه عملاً درامياً مستوحى من وقائع حقيقية، اعتمد عليها المؤلف هاني سرحان وشاركته نسمة سمير الكتابة، متناولا سلسلة من المطاردات والأحداث المتشابكة التي تقودها مجموعة من ضباط الأمن الوطني لتعقب عناصر جماعة الإخوان المصنفة إرهابية وكشف مخططاتها، ينتمي المسلسل للدراما الوطنية التي أنتجتها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في السنوات الأخيرة، والتي لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تسعى إلى إعادة ضبط رواية التاريخ الحديث، خصوصًا في مرحلة شهدت صراعاً حاداً على الوعي وعلى تفسير ما جرى.
يكتسب اسم "رأس الأفعى" دلالته الرمزية من عمق الأحداث التي يعرضها المسلسل. فالتسمية ليست عشوائية أو مجرد صدفة عابرة، بل هو تجسيد رمزي مستوحى من صلب التقارير الأمنية والملفات القضائية التي ارتبطت باسم محمود عزت القيادي في جماعة الإخوان، فالتسمية تعكس الدور المحوري الذي لعبه في قيادة جماعة الإخوان، وتشير بوضوح إلى الثقل الذي تمثله شخصيته كأحد أبرز الرؤوس المدبرة داخل التنظيم. يحمل العنوان إشارة مباشرة للعملية الاستخباراتية المعقدة التي نجحت في محاصرته وتقديمه للعدالة، ليدفع ثمن الأحكام القضائية النهائية الصادرة بحقه.
كما يرمز المسلسل من خلال هذا الاسم إلى معركة الدولة ضد "رأس الفتنة"، والضربة القاصمة التي وُجهت لمنبع الفكر المتطرف ومحاولات التضليل.
إذن استطاع العمل أن يمزج بذكاء بين التوثيق التاريخي للحدث الواقعي وبين الحبكة الدرامية، ليحول "رأس الأفعى" من مجرد مسمى أمني إلى أيقونة تختزل صراعاً طويلاً بين الاستقرار والإرهاب.
أهمية "رأس الأفعى" لا تنبع فقط من موضوعه، بل من توقيته أيضًا. ففي ظل استمرار حضور السرديات المتضاربة عبر المنصات الرقمية، يطرح العمل مقاربة درامية تحاول تفكيك خطاب الجماعة بعيدًا عن الصورة الدعائية التي روّجتها لنفسها عبر لجانها الإلكترونية. لا يتعامل المسلسل مع الأحداث باعتبارها وقائع أمنية بحتة، بل يربطها بسياق اجتماعي وسياسي أوسع، كاشفًا كيف تتشكل الشبكات التنظيمية، وكيف تُستغل الثغرات، وكيف يُعاد إنتاج الخطاب الأيديولوجي لاستقطاب عناصر جديدة. بهذا المعنى، لا يبدو العمل مجرد دراما بوليسية تدور في منطقة الأكشن والحركة، بل وثيقة فنية تشتبك مع حقائق الواقع، وتستعيد سردية الدولة في مواجهة محاولات التزييف، عبر بناء درامي متماسك يوازن بين التشويق والتحليل.
تكمن قوة المسلسل في قدرته على تحويل الصراع الأمني إلى صراع وعي ثقافي. فبدل الاكتفاء بعرض المواجهات والمطاردات، يمنح المشاهد مفاتيح لفهم البنية الفكرية والتنظيمية التي تحرك تلك الجماعة، كاشفًا آليات العمل السري وخطاب المظلومية الذي يُعاد تدويره لاستقطاب الشباب. هنا تتجلى وظيفة الدراما الوطنية بوصفها أداة لتشكيل وعي نقدي، لا عبر التلقين أو الخطاب المباشر، بل عبر عرض الوقائع في قالب تشويقي يسمح برؤية الصورة الكاملة، ويعزز قدرة المتلقي على التمييز بين الرواية الموثقة والسرديات الدعائية.
على مستوى الأداء التمثيلي، يقدّم أمير كرارة شخصية ضابط الأمن الوطني بأسلوب قائم على الحضور الجسدي القوي والنبرة الواثقة، مع إضافة بعد إنساني يظهر في لحظات التردد والضغط النفسي الناتج عن ثقل المسؤولية. يعتمد كرارة على الانفعال المدروس، فيترك للكاميرا التقاط الصراع الداخلي عبر نظراته وحركته المحدودة، ما يمنح الشخصية مصداقية ويجنبها فخ المبالغة.
إلى جواره، يقدّم شريف منير أداءً واعياً بطبيعة شخصية محمود عزت، قوة أدائه تكمن في التفاصيل الدقيقة: نبرة صوت محسوبة، ونظرات تعكس خبرة طويلة وجهداً مبذولاً في التقمص لتقديم شخصية واقعية ومقنعة. كما يبرز أحمد غزي بأداء يميل إلى العفوية، مانحًا الشخصية طاقة شبابية وحيوية تتناسب مع طبيعة الأحداث المتسارعة، بينما تقدم كارولين عزمي حضورًا متماسكًا بعيدًا عن التنميط، فتجسد شخصية فاعلة داخل الحدث. أما محمود البزاوي ومراد مكرم، فيضيفان ثقلًا تمثيليًا واضحًا، يعتمد البزاوي على تعبيرات وجه دقيقة، بينما يوظف مراد مكرم إيقاعًا حواريًا منضبطًا ولغة جسد محسوبة تمنح الشخصية بعدًا واقعيًا بعيدًا عن المباشرة، أما ماجدة زكي تجسد أم ضابط الأمن الوطني "مراد" بحزم ودفء، شخصية تدعم ابنها بينما يعايش أعتى المواجهات.
يوظف محمد بكير كاميرا محمولة في مشاهد المطاردات لإضفاء طابع شبه تسجيلي يعزز الإحساس بالواقعية، هنا يظهر دور مدير التصوير ماركو ميشيل، واستخدام إضاءة تميل إلى التباين بين الظلال والضوء في إحالة رمزية إلى الصراع بين ما يُدار في الخفاء وما يُكشف إلى العلن. مونتاج أحمد حمدي يحافظ على توتر متصاعد من خلال تقاطع خطوط السرد بين الضباط والعناصر الإرهابية، دون إرباك أو إطالة غير مبررة.
الموسيقى التصويرية التي وضعها ياسر عبد الرحمن تأتي داعمة لهذا التوتر، بإيقاعات متسارعة في مشاهد الحركة ونغمات منخفضة في لحظات التخطيط والترقب. أما موسيقاه في تتر المسلسل الذي يغنيه علي الحجار "يا مصر يا بلادي"، والتي كتبها طارق ثابت، فيحمل طابعًا وطنيًا مشوبًا بقلق تحذيري، كأنه يلخص فكرة المواجهة المستمرة مع “رأس الأفعى” الذي يحاول إعادة التشكل. صوت الحجار يضفي بعدًا وجدانيًا يربط بين الدراما والذاكرة الجمعية.
التفاعل الجماهيري الواسع مع العمل يعكس اهتمامًا حقيقيًا بفهم ما جرى بعيدًا عن الروايات الأحادية. فالمسلسل، عبر بنيته المحكمة وأدائه المتماسك ورؤيته الإخراجية الواضحة، يسهم في تصحيح مفاهيم مغلوطة، ويعزز ثقافة النقد لدى الشباب، مؤكدًا أن الدراما الوطنية قادرة على أن تكون مساحة لإعادة قراءة التاريخ الحديث بوعي ومسؤولية، ومواجهة الأفكار المتطرفة بسلاح السرد المتقن والواقعية الفنية.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026