إذا ما رغبنا، وأردنا، وقصدنا أن نعزّز السلوك الإيجابي لدينا، ولدى فلذات الأكباد، وفي وجدانيات نقية نمتلكها؛ فإن خير بوابة تؤدي المهمة النبيلة، تتمثل في تعضيد مقومات التقوى، من خلال تقوية العلاقة بين العبد، وربه-عزوجل-؛ إذ تتحول الممارسة، وما يرتبط بها من أداءات تفصيلية منضبطة، تعبر عن صفاء، ونقاء، وطهارة، وبراءة، وشفافية القلوب، ولا ريب أن حياتنا حينئذٍ تستقيم طرائقها، وتنير بالمحبة، والود، والألفة، والتضافر، والتكافل؛ لذا فقد جاءت فريضة الصوم، وما يلازمها من صور الطاعات؛ لتؤكد على ملامح بنية تربوية رمضانية، موجهة نحو التحكم، والسيطرة على التصرفات، ومن ثم تصبح حياة الفرد أكثر اكتمالًا، وأكثر انسجامًا مع القيم العليا، التي تهذّب الروح، وتسمو بالوجدان.
لدينا فطرة تشكل طبيعتنا البشرية، وتبرهن عن صورة الغريزة الإنسانية، ونزعتها، وما يتعلق بها من دوافع، سواءً كانت باطنة، أم ظاهرة؛ لذا يتوجب أن يكون هناك قيمًا، توجه مقصدنا، وتجعل الضمير في حالة من اليقظة، والقلوب واعية متقبلة لطيب السلوك، ورافضة لما يخالفه؛ ومن ثم فقد جاءت ملامح التربية الرمضانية بحرفية التدريب العملي على صناعة الوعي الرقيب، قطعًا على كل ما يتفرد به الفرد؛ فباتت مثوبة الفريضة من الله -تعالى-، دون حسابات خاصة، أو معادلات تنبؤية، ولتكن هذه التربية العملية مدرسة حقيقية؛ لتنمية النفس، وتوجيهها نحو الاستقامة، والفضيلة.
كفُّ النفس؛ كي يعتاد الإنسان على التحكم في دوافعه، وانفعالاته من ملامح التربية الرمضانية؛ حيث يتوافر علاج للغضب، عبر بوابة الحصول على الجائزة، غير منقوصة؛ لذا يأتي تفعيل الحلم في أولويات العبد الصابر، المحتسب؛ حينئذٍ لا يفتح باب الاندفاع، أو التسرع، أو ينفلت وراء دوافع النفس الأمَّارة بالسوء؛ عندئذٍ تهدأ التوترات، ويتبدد الغيظ، ويذوب الاستياء؛ فلا ترصد احتدام في الموقف بالقول، أو الفعل؛ فهناك قناعة تسكن القلب بأن الصبر مرآة للنفس، وأن ضبط الانفعال طريق إلى الرضا، والسكينة، فيثمر سلوكٌ راقٍ، يرضي الله-عزوجل-، ويصلح حال الإنسان في الدنيا، والآخرة، ويجعل العلاقات الاجتماعية أكثر هدوءًا وتناغمًا؛ حيث يختفي الصدام، ويغدو الاحترام المتبادل أساس التفاعل اليومي.
الملامح التربوية الرمضانية ترسّخ فكرًا إيجابيًا، يعزز خلقًا عمليًا، قائما على الصدق، والأمانة، والإتقان، واحترام حقوق الآخرين، عبر بوابة الممارسة اليومية، وهذا من قبيل الوظيفة، لا التنظير، وشجن الحديث؛ فعندما ترى من يتحمل المسؤولية، ويتقن العمل، ويشارك، ويتعاون في إنجاز مهام تعاونية، ويعضّد الروابط مع الآخرين؛ فإن الحياة حينئذٍ تصبح أكثر انسجامًا؛ حيث يسود في أجوائها السلم، والسلام، والتعايش، ويغدو المجتمع أكثر ترابطًا، وتماسكًا، كما يُرسّخ في النفوس معنى الالتزام، والمسؤولية تجاه الآخرين.
تعديل السلوك له معايير رئيسة يأتي في مقدمتها التدريج في تغيير العادات، والممارسات، عبر قناعات يستلهمها الإنسان؛ لذا يأتي رمضان؛ ليحوّل الامتناع المؤقت؛ لاستقامة مفعمة بالرضا، حتى بعد انقضاء الشهر الكريم، ويغدو الملمح التربوي واضحًا في سياج قيم نبيلة، تعبر عن البذل، والعطاء، والكرم، وثقافة الشراكة المؤكدة على معاني التكافل، التي تزيل الفوارق، وتحدّ من التمييز، وتعزّز روح المحبة، والتآخي، ويرسّخ الاستقرار المجتمعي، ويصون سياج الأمن، والأمان، ويجعل العلاقات الإنسانية قائمة على التفاهم، والتعاون، والرحمة المتبادلة.
منظومة التربية الرمضانية تبدو ملامحها في صحة متكاملة، نراها في جسد يمتلك المناعة، ونفس متمسكة بسياج التقوى، ونشاهدها في انضباط للانفعال، ناهيك عن غياب لممارسات، غير قويمة، ممن اعتادوا عليها في غير هذا الشهر الفضيل؛ لذا يعد رمضان نقطة؛ لانطلاق نحو الإصلاح الحقيقي للذات، وليس محطة مؤقتة، تهذّب النفوس؛ كي تتناغم مع طبيعة شعائره؛ كونه يطهّر القلوب من الرياء، ويصون الأبدان من أمراض عصيّة، ويقي اللسان من الوقوع في الزلل، ويغرس في النفوس قيم الصبر، والتحمل، والمثابرة، واليقين بالله- تعالى-، لتستمر آثار هذا الشهر الكريم في حياة الإنسان على مدار العام كله.
_
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر