محمد جمال

شروقٌ من الشرق.. زعماء الغرب فى قبضة التنين

الأربعاء، 25 فبراير 2026 09:18 م


لم تعد العاصمة الصينية مجرد محطة دبلوماسية في جدول أعمال الزعماء الغربيين، بل تحولت في مطلع عام 2026 إلى "قبلة الإنقاذ" وملاذ الاضطرار. فبينما كانت الطائرة الرئاسية الألمانية تحط فى مطار بكين، كان المشهد يختصر حكاية نظام دولي يتشقق من الداخل؛ حيث لم يعد "الولاء للأطلسي" يكفي لسداد فاتورة الانهيارات الاقتصادية أو مواجهة أعاصير الحمائية التي تهب من البيت الأبيض.

خلف الأبواب المغلقة في برلين، باريس، ولندن، لم يعد القلق مجرد تكهنات، بل واقعاً فرضته ولاية ثانية للرئيس دونالد ترامب، اتسمت بشراسة غير مسبوقة في رفع شعار "أمريكا أولاً". الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن لم تفرق بين عدو وصديق، مما وضع القارة العجوز وحلفاء أمريكا التقليديين في كندا وأستراليا أمام خيار مرّ: إما الغرق في الركود خلف الأسوار الأمريكية، أو البحث عن شريان حياة في السوق الآسيوية الضخمة.

هذا "التيه الإستراتيجي" الذي تعيشه أوروبا ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو صراع بقاء. فالزعماء الذين هبوا نحو بكين لا يبحثون عن صور تذكارية مع شي جين بينغ، بل يطاردون "واقعية سياسية" جديدة تؤمن بأن الاقتصاد لا يُبنى على العواطف التاريخية، بل على سلاسل التوريد وتدفقات التجارة.

تعد زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس تجسيداً لهذا التحول الإجباري. فألمانيا، قلب أوروبا الصناعي، تجد نفسها اليوم بين مطرقة المنافسة الصينية الكاسحة وسندان الضغوط الأمريكية الخانقة. عندما اصطحب ميرتس معه رؤساء كبرى شركات السيارات، كان يدرك أن "فولكسفاغن" و"بي إم دبليو" لم تعد تنافس على الرفاهية، بل تنافس من أجل الوجود في ظل الهيمنة الصينية على تقنيات المستقبل.

الأرقام لا تكذب؛ فالعجز التجاري الألماني مع الصين سجل قفزات مرعبة، بينما تراجعت مكانة الولايات المتحدة كشريك تجاري أول لصالح التنين الصيني. هذا الواقع دفع برلين للعب أوراقها بذكاء: تقديم تنازلات في ملفات التقنية مقابل ضمانات صينية بعدم خنق الصناعة الألمانية أو حجب المعادن النادرة التي تمثل عصب التحول الأخضر.

لم تكن برلين وحدها في هذا المضمار؛ ففرنسا بقيادة ماكرون ما زالت تحلم بـ"سيادة أوروبية" لا ترهن قرارها لإشارة من واشنطن. أما بريطانيا "ستارمر"، فهي تحاول لملمة جراح "البريكست" عبر بوابة بكين، في محاولة لإيجاد توازن شبه مستحيل بين متطلبات الأمن القومي والضرورات المعيشية.

المفارقة الكبرى تكمن في أن الصين، التي طالما اتُهمت بانتهاك قواعد التجارة، باتت اليوم تقدم نفسها للعالم كحارس لـ"التعددية" و"التبادل الحر". لقد نجحت بكين في استغلال "الفوضى" التي أحدثتها سياسات واشنطن لتظهر بمظهر الشريك الرصين الذي يمكن التنبؤ بخطواته، مما أحدث شروخاً عميقة في جدار التحالفات الغربية التي ظلت متماسكة لعقود.

تحت غطاء الاتفاقيات التجارية، تدور حرب صامتة على "نفط القرن الحادي والعشرين": الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة. الغرب يدرك أن فك الارتباط بالصين هو "انتحار اقتصادي" وليس مجرد خيار سياسي. لذا، نجد دولاً مثل هولندا وكندا تحاول صياغة اتفاقيات تضمن لها البقاء في السوق الصينية، حتى لو أغضب ذلك "الحليف الأكبر" في واشنطن.

الصين، من جانبها، تستخدم سلاح "المغناطيس"؛ فهي لا تحتاج لتهديد الحلفاء، بل يكفي أن تفتح أبواب سوقها الاستهلاكية المليارية لتجعلهم يتسابقون لخطب ودها. هذا الإغراء الاقتصادي نجح في تحييد الكثير من الضغوط الأمريكية الرامية لعزل بكين تكنولوجياً.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تستطيع هذه الدول الصمود أمام "غضب البيت الأبيض"؟ ترامب لا يتردد في التلويح بالعقوبات ضد كندا أو لندن إذا ما تجاوزت الخطوط الحمراء. لكن الإصرار الغربي على زيارة بكين يعكس قناعة مفادها أن مظلة الحماية الأمريكية لم تعد مجانية، بل أصبح ثمنها باهظاً جداً لدرجة لا تستطيع الاقتصادات المنهكة تحملها.

نحن نشهد اليوم تشكل نظام "متعدد الأقطاب" بامتياز، حيث لم يعد العالم ينقسم إلى معسكرين مغلقين. بل أصبحنا نرى دولاً غربية تلعب في المنطقة الرمادية، تؤمن أمنها مع الناتو وتؤمن خبزها مع الصين.

إن "موسم الهجرة إلى الشرق" ليس خيانة للحليف الأمريكي بقدر ما هو إعلان لوفاة "القطبية الواحدة"، لقد اختار زعماء الغرب أن يكونوا "واقعيين" بدلاً من أن يكونوا "تابعين"، مدركين أن الطريق إلى استقرار بلادهم في عام 2026 لم يعد يمر بالضرورة عبر واشنطن، بل يبدأ من سور الصين العظيم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة