لم تكن مشاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في أجواء شهر رمضان المبارك وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى عقود طويلة، عكست خلالها صورة حية للوحدة الوطنية المصرية، حيث تتلاقى روحانيات الصوم الكبير لدى المسيحيين مع أجواء الصوم الإسلامي في مشهد فريد يعبّر عن “نسيج واحد” يجمع أبناء الوطن.
منذ عهد قداسة البابا كيرلس السادس، مرورًا بعصر البابا شنودة الثالث، وصولًا إلى الحاضر، تحولت موائد الإفطار الرمضانية في الكنائس إلى تقليد سنوي يعكس قيم المحبة والتآخي، ويؤكد أن الأعياد والمواسم الروحية في مصر تتجاوز حدود الطوائف لتصبح مناسبات وطنية جامعة.
البداية من الكاتدرائية.. تقليد سنوي منذ 1986
شهد عام 1986 انطلاق أول مائدة إفطار رمضانية رسمية داخل مقر الكاتدرائية المرقسية في عهد البابا شنودة الثالث، لتتحول المبادرة سريعًا إلى تقليد سنوي يحضره رجال دين مسلمين ومسيحيين، إلى جانب شخصيات عامة ومسؤولين ومواطنين من مختلف الفئات.
ولم تتوقف المبادرة عند القاهرة، بل امتدت إلى كنائس وإيبارشيات الجمهورية، كما انتقلت إلى كنائس المهجر، حيث كانت تُنظم موائد إفطار يُدعى إليها سفراء ودبلوماسيون وأبناء الجاليات المصرية بالخارج، في رسالة تؤكد أن روح رمضان المصرية عابرة للحدود.
وكان البابا شنودة الثالث قد أشار في إحدى كلماته خلال رمضان 2002 إلى أن “مصر نسيج واحد يستحيل تفتيته”، وهي العبارة التي تحولت إلى شعار يتردد في كل مناسبة مشابهة.
جذور أقدم.. من شبرا إلى الأزهر
رغم أن مائدة الكاتدرائية اكتسبت شهرة واسعة، فإن أولى موائد الإفطار الكنسية تعود إلى عام 1969 بكنيسة مار جرجس في منطقة شبرا، برعاية القمص صليب متى ساويرس، الذي شدد آنذاك على أن المصريين، مسلمين ومسيحيين، شركاء في الوطن والمصير.
كما لا يمكن إغفال الدور التاريخي للقمص سرجيوس، خطيب ثورة 1919، الذي نظم موائد الرحمن داخل الجامع الأزهر، وعاش فيه قرابة 90 يومًا، بينها شهر رمضان كاملًا، داعمًا لفقراء مصر، ومؤكدًا بوحدة الصف في مواجهة الاحتلال.
زينة رمضان على أسوار الكنائس
لم تقتصر المشاركة على موائد الإفطار، بل امتدت إلى مظاهر الاحتفال بالشهر الكريم، حيث أصبحت زينة رمضان والفوانيس مشهدًا معتادًا على أسوار الكنائس في عدد من المحافظات.
ففي محافظة سوهاج، استعدت كنيسة قرية كوم أشقاو التابعة لمركز طما، بالتعاون مع مسجد “الصفا” المقابل لها، لتعليق فانوس رمضان على واجهة الكنيسة، في صورة عكست روح التعاون بين الجيران. وأكد أهالي المحافظة أن تعليق الزينة يهدف إلى إدخال البهجة على الجميع، كبارًا وصغارًا، دون تفرقة.
وفي الغردقة، يحرص القمص يؤانس أديب، وكيل مطرانية الأقباط الكاثوليك بالبحر الأحمر، سنويًا على تعليق الأنوار والفوانيس بمقر الكنيسة، مؤكدًا أن الشعب المصري يشارك بعضه البعض في جميع المناسبات.
مبادرات اجتماعية.. كراتين وصكوك إطعام
وفي الإسكندرية، وزعت كنيسة العذراء مريم والبابا كيرلس السادس بمنطقة الزوايدة شرق المدينة، نحو 250 كرتونة مستلزمات رمضانية على الأسر الأولى بالرعاية بحي المنتزه ثان، في إطار دورها المجتمعي خلال الشهر الكريم.
كما امتدت المشاركة إلى التبرع بصكوك “إطعام صائم” التي أطلقتها وزارة الأوقاف المصرية، في تأكيد على تكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية في خدمة المجتمع.
مائدة الزيتون.. التقارب عبر الطعام
وفي عام 2018، نظمت كنيسة الزيتون للأقباط الكاثوليك مائدة إفطار جمعت أبناء الحي، في تجربة بدأت خارج الكنيسة لخدمة البائعين الجائلين والمارة وقت الإفطار، قبل أن تُنقل لاحقًا إلى قاعات الكنيسة لإتاحة مساحة أكبر للتعارف والتقارب.
وأكد الأب أغسطنيوس موريس، راعي الكنيسة، أن شهر رمضان يمثل فرصة لإعلان قيم الحب والرحمة والصداقة، وأن اجتماع ممثلي الكنائس مع القيادات السياسية والمسؤولين على مائدة واحدة يجسد نموذجًا عمليًا للوحدة الوطنية.
قصر الدوبارة.. إفطار المحبة الوطنية
تعد كنيسة قصر الدوبارة، الواقعة بشارع الشيخ ريحان قرب ميدان التحرير، من أبرز الكنائس التي تنظم سنويًا مائدة رمضانية تحت شعار “مائدة إفطار المحبة الوطنية”.
ويشرف على تنظيم المائدة شباب وفتيات الكنيسة، حيث يتولون إعداد الطعام وتجهيز المقاعد ودعوة المارة قبل أذان المغرب بوقت كافٍ. وتؤكد القائمات على المبادرة أن الهدف هو ترسيخ وحدة الصف، وإبراز أن المسلمين والمسيحيين عنصران أساسيان في الأمة المصرية.
إفطار في مسجد بحضور أقباط
وفي عام 2017، استضاف مسجد الأليلي بالشرابية مأدبة إفطار تحت اسم “مبادرة السلام”، بحضور رجال دين مسلمين ومسيحيين، من بينهم القس نادي لبيب، والقس مرقس راعي كنيسة القديسة تريزا، إلى جانب قيادات تنفيذية وبرلمانية.
وجاءت المبادرة بفكرة من القس أيمن سامي، راعي الكنيسة الإنجيلية بالشرابية آنذاك، بهدف تعزيز التواصل بين القيادات الدينية والتنفيذية والشعبية، ومناقشة مشكلات الحي في إطار من التعاون.
روح واحدة في زمن صومين
يتزامن شهر رمضان في بعض الأعوام مع فترة الصوم الكبير لدى الكنيسة القبطية، ما يخلق حالة روحية خاصة يعيشها المصريون معًا. ففي الشوارع التي تتزين بالفوانيس، وعلى موائد الإفطار التي تجمع الجيران، تتجسد معاني الصوم كقيمة إنسانية مشتركة تقوم على الرحمة والعطاء والتقشف.
وعلى مدار عقود، أثبتت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ومعها مختلف الطوائف المسيحية في مصر، أن المشاركة في رمضان ليست مجرد مظاهر احتفالية، بل التزام وطني يعكس عمق الروابط الاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد.