في مشهد روحاني وإنساني لافت، تزامن هذا العام أيضًا صوم شهر رمضان المبارك للمسلمين مع الصوم الكبير للأقباط الأرثوذكس، ليعيش المصريون أيامًا استثنائية يجتمع فيها الصوم تحت سماء وطن واحد.
فقد بدأ الأقباط صومهم الأربعيني المقدس، المعروف بـ"الصوم الكبير"، يوم الإثنين 16 فبراير 2026، بينما استقبل المسلمون أول أيام شهر رمضان اليوم الخميس 19 فبراير 2026، ليبدأ موسم روحي مزدوج يعكس خصوصية المجتمع المصري وتماسك نسيجه الوطني.
هذا التزامن لم يمر مرور الكرام، بل حمل في طياته رسائل إنسانية ووطنية عميقة، عبر عنها القمص ميصائيل رشدي، كاهن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بسوهاج، في تصريحات لـ"اليوم السابع".
القمص ميصائيل رشدي: ليس مجرد تقارب مواعيد.. بل مشهد إنساني ووطني
قال القمص ميصائيل رشدي إن تزامن الصوم الكبير للأقباط مع صوم رمضان للمسلمين هذا العام ليس مجرد تقارب في المواعيد، بل هو مشهد إنساني ووطني له دلالات عميقة، يعبر عن روح مصر التي تجمع أبناءها في تنوعٍ متكامل.
وأضاف أن الصوم في جوهره قيمة إنسانية قبل أن يكون ممارسة دينية؛ هو تدريب على ضبط النفس، ومراجعة الضمير، وتقديم الخير للآخر. في الصوم الكبير يعيش الأقباط رحلة توبة واستعداد لفرح القيامة، حيث يتعلم الإنسان أن يسمو فوق شهواته ويقترب بقلبه من الله، وأن يترجم ذلك محبةً وعطاءً وغفرانًا. وفي رمضان يتدرب المسلمون على الصبر والتقوى، ويجتهدون في أعمال البر والرحمة وصلة الأرحام، مؤكدًا أن اجتماع الصومين في زمن واحد يكشف عن مبادئ أخلاقية مشتركة يحتاجها المجتمع كله.
أولًا: ضبط النفس.. رسالة مشتركة
وأوضح القمص ميصائيل رشدي أن "الصوم يعلم الإنسان أن يكون سيدًا لرغباته لا عبدًا لها. وفي زمن التوترات والضغوط، نحن أحوج ما نكون إلى نفوس هادئة منضبطة، تعرف كيف تختار الخير وتبتعد عن الإساءة".
ثانيًا: الرحمة والعطاء.. الصوم الذي يخرج من الذات إلى الآخر
وأضاف: "الصوم الحقيقي لا يكتمل إلا بالاهتمام بالمحتاج. الامتناع عن الطعام يذكرنا بمن يفتقده، فيتحول الصوم إلى مشاركة وجدانية وعمل إيجابي يخفف آلام الآخرين".
ثالثًا: الاحترام المتبادل.. فرصة لترسيخ ثقافة التقدير
وأشار القمص إلى أن "تزامن الصومين فرصة لنمو ثقافة التقدير المتبادل، واحترام مشاعر الصائمين، وإعلاء لغة الحوار الهادئ بعيدًا عن أي تعصب أو استعلاء. فالوطن يتسع للجميع، والاختلاف لا يفسد للمحبة قضية".
رابعًا: المواطنة الصادقة.. الانتماء الديني يعمق الوطني
وشدد القمص ميصائيل رشدي على أن "مصر التي عاشت قرونًا طويلة بروح الوحدة الوطنية، ترى في مثل هذه المناسبات تأكيدًا عمليًا أن الانتماء الديني يعمّق الانتماء الوطني ولا يتعارض معه. فالصائم الحقيقي هو إنسان صالح في بيته، وأمين في عمله، ومخلص لوطنه".
وتابع: "إن تزامن الصومين يذكرنا أن المجتمع القوي ليس الذي يخلو من التنوع، بل الذي يحسن إدارته بروح الاحترام والتعاون. وكلما ارتقى الإنسان أخلاقيًا وسلوكيًا، انعكس ذلك على استقرار وطنه وتقدمه".
ولفت: "ليكن هذا التزامن موسمًا لتجديد القيم: صدقًا في الكلمة، وأمانة في العمل، ورحمة في المعاملة، ومحبة صادقة بين أبناء الوطن الواحد. فحين يسمو الإنسان روحيًا، يزدهر المجتمع كله".
الصوم الكبير.. ثلاثة أصوام في رحلة واحدة
وتستقبل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الصوم الأربعيني المقدس بوصفه أطول وأقدس فترات الصيام في العام القبطي، إذ بدأ يوم الإثنين 16 فبراير 2026، ويستمر 55 يومًا حتى عيد القيامة المجيد في 12 أبريل المقبل.
يشمل الصوم الكبير ثلاثة أصوام رئيسية:
- أسبوع الاستعداد، وهو تمهيد روحي للأربعين المقدسة.
- الأربعون المقدسة، التي صامها السيد المسيح صومًا انقطاعيًا.
- أسبوع الآلام، الذي كان في العصر الرسولي صومًا مستقلًا بذاته.
ويمتد الصوم من «أحد الكنوز» حتى «أحد القيامة»، في مسار روحي متدرج يهيئ الأقباط لعبور الفرح من خلال الجهاد، ومن التوبة إلى القيامة.
مصر الصائمة.. صورة تتجدد كل عام
مشهد تزامن رمضان والصوم الكبير يعيد إلى الأذهان صورة "مصر الصائمة" التي يعيش فيها أبناء الوطن حالة من التقارب الروحي، حيث تتشابه قيم الصبر والتقوى وضبط النفس والرحمة والعطاء.