دعاء إبراهيم: أتجسد شخصياتى.. ووصول «فوق رأسى سحابة» إلى القائمة القصيرة للبوكر «حلم قديم».. الرواية موجعة وكتبتها تحت وطأة الألم.. ناقشت موضوعًا شائكًا لكنه ضرورة.. ويزعجني تصنيف الأدب الجاد باعتباره جريئا فقط

الجمعة، 13 فبراير 2026 07:00 م
دعاء إبراهيم: أتجسد شخصياتى.. ووصول «فوق رأسى سحابة» إلى القائمة القصيرة للبوكر «حلم قديم».. الرواية موجعة وكتبتها تحت وطأة الألم.. ناقشت موضوعًا شائكًا لكنه ضرورة.. ويزعجني تصنيف الأدب الجاد باعتباره جريئا فقط دعاء إبراهيم

حاورها: أحمد إبراهيم الشريف

هناك روايات، عندما تبدأ في قراءتها، لا تستطيع أن تفلتها أبدًا، وبعدما تنتهي منها تظل مسكونًا بها، تحاول الإجابة عن أسئلتها، لكن لا إجابات سهلة، ومن ذلك رواية "فوق رأسي سحابة" للكاتبة والمبدعة دعاء إبراهيم، الصادرة عن دار العين للنشر والتوزيع، والتي تنافس في القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية "البوكر"، وهي رواية مكتوبة بقدر كبير من الوعي الفني والجمالي والإنساني، لذا أجرينا هذا الحوار في محاولة للاقتراب أكثر من عالم "نهى" ورحلته ما بين مصر واليابان، والسير معها خطوة خطوة في طريقها فإلى نص الحوار.

رواية "فوق رأسي سحابة" في القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية "البوكر".. ما الذي يمثله ذلك؟

وجود الرواية في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) يمثل لي حلمًا قديمًا، لقد رأيت ذلك في رأسي من قبل، كنت أعلم أن طريقي غير ممهد، ربما لأنني أحاول أن أزرع بذرة رواياتي بعيدًا عن المألوف أو الشائع، وكنت أعلم أنني قد أجد صعوبة في تقبل القارئ العادي للرواية التي تمثلني، أو للفن الذي أنتمي إليه، وأن هذا الطريق يحتاج إلى صبر واجتهاد وإخلاص، وأن عليه أن يمضي أبعد من الجوائز، فالجوائز محطات، لكن طريق الكتابة خط ممتد، قصير بقِصر العمر، وطويل بطول الأبدية.

أنا دائمًا مشغول بسؤال الفن.. فما مفهومك لفن الرواية؟

الفن، بالنسبة إلي، هو المطرقة التي تدك رأسي، كما قال كافكا في مقولته الشهيرة: "إذا كان الكتاب الذي نقرؤه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا، فلماذا نقرأ إذن؟"، أريد من الفن أن يربكني، أن يطرح الأسئلة، أن يجعلني أفكر في معنى الأشياء، وأن يمنحها بُعدًا آخر وزاوية أعمق.

الرواية مشبعة بألم كثيف.. كيف احتملتِ هذا الثقل النفسي أثناء الكتابة؟

الحقيقة أنني لا أود القول إنني عانيت في كتابة هذه الرواية، لأن لفظة "المعاناة" كثيرًا ما تستهلك من قبل الكُتاب للدلالة على أهمية ما نكتب، والطبيعي أن عملية الكتابة لا تعتمد على الخيال أو الإلهام فقط، فهي عمل كأي عمل آخر، يتطلب البحث والمعايشة والتفكير والتحرير وإعادة الكتابة والحذف والإضافة،
لكن ما يخص هذه الرواية، بالنسبة إلي دون غيرها، هو وقعها الشديد على نفسي، فالحالة النفسية المركبة للبطلة، والتي حاولت الاقتراب منها قدر المستطاع، تسببت لي في بعض أعراض القلق، مثل آلام الرقبة والصداع والتوتر، وخصوصًا أثناء كتابة مشاهد الاعتداء الجسدي ومشاهد الزنزانة.

متى شعرتِ أن الألم في النص تجاوز الانفعال الذاتي، وصار خبرة إنسانية قابلة للمشاركة؟

أعتقد أنه منذ بداية الشروع في كتابة النص لم يكن الألم انفعالًا ذاتيًا، لأنني لا أكون أنا حين أكتب، ولكي أتمكن من الكتابة لا بد أن أتجسد تلك الشخصية.
الفن، بالنسبة إليّ، ليس دعوة للبكاء، بل هو القدرة على صياغة المشاعر الإنسانية في قالب فني قادر على إعادة تعريف الأشياء ومنحها بُعدًا آخر، قد يكون فلسفيًا أو شاعريًا أو معرفيًا، وهكذا، من خلال الألم، تولد أسئلة عن معنى الشفاء، وعن الشرف واللاشرف، وعن الضحية والجلاد، وهكذا.

شخصية "نهى" تثير التعاطف رغم ما ترتكبه.. هل قصدتِ اختبار الحدود بين التعاطف والحكم الأخلاقي؟

شخصية نهى شخصية إشكالية، بعض القراء تعاطفوا معها، والبعض الآخر لم يفعل، كنت أعلم أثناء الكتابة أن مثل هذه الشخصية قد تطرح سؤال التعاطف والحكم الأخلاقي، والحقيقة أنني غير معنية بإجابة الأسئلة، بل بطرحها، حاولت أن أسير طوال السرد على الشعرة الفاصلة بين وصف مشاعر البطلة والبعد عن الابتزاز العاطفي للقارئ، وبين وصف الأفعال الإجرامية التي تقوم بها الشخصية دون شيطنتها.

وأعتقد أنني امتلكت بعض الشجاعة في لحظات ما أثناء الكتابة، وخاصة في مشهد قتل الطفل، واخترت وقتها أن أكتب مشهدًا قد يمثل ضغطًا أخلاقيًا كبيرًا على القراء. لم يكن ذلك سهلًا، لكنه بالنسبة لي كان الأعلى فنيًا.

ففي النهاية، ليس ضروريًا أن نتعاطف مع الشخصيات الروائية؛ يسعنا فقط أن نراهم بصورتهم الإنسانية المعقدة والمتناقضة، الخيرة والشريرة، بعيدًا عن كل الملصقات التي نُلصق بها البشر: هذا شرير، هذا قاتل، هذا لص... إلى آخره، متناسين أنه قبل أي شيء إنسان.

بين مصر واليابان.. ما الذي يمثله المكان في كتابات دعاء إبراهيم؟

تدور الرواية في مكانين: مصر واليابان. والحقيقة أن حضور المكان في أعمالي ليس بارزًا؛ لا أهتم بوصف الأمكنة داخل أعمالي بقدر اهتمامي بأثر المكان في الأشخاص. فالجغرافيا هي القدر.

استدعاء قابيل بدا عميق الدلالة.. هل كان هدفه ربط الجريمة الأولى بقلق الإنسان المعاصر؟

استدعاء قابيل كان له أكثر من هدف: الربط بين الجريمة الأولى وما تلاها من جرائم، ومحاولة التنقيب في فطرة الإنسان، والتساؤل حول العلاقة المعقدة بين الحب والقتل، وأعتقد أن هناك آفاقًا أوسع يمكن لكل شخص أن يراها من خلال هذا الاستدعاء.

الرواية لا تمنح مفاتيحها دفعة واحدة.. لماذا اخترتِ بناءً سرديًا قائمًا على الكشف المتدرج؟

اعتماد بناء سردي قائم على الكشف المتدرج هو سمة أسلوبية في معظم أعمالي، ربما لأنني أتعامل في رواياتي مع النفس البشرية وصدمات الطفولة. وأعتقد أن أي شخص تعرض لصدمة شديدة في الطفولة لن يسردها بشكل سلس في مشهد واحد، وكأنه يتحدث عن حدث عابر؛ فالصدمة دومًا ما تحاصره بفلاش باك، وأفكار، ومشاهد خاطفة تبرق في الذاكرة في لحظات سريعة ثم تختفي.

قد يبدو كلامي علميًا، لكنني حين أكتب لا أفكر بهذه الطريقة العلمية، بقدر ما أحاول أن أتلبس هذه الشخصية وأتجسدها لأفهم كيف ستعبر عن نفسها. فأنا أظن أنه لا يمكن لنهى أن تسرد ما حدث لها من اعتداء في مشهد واحد دون تدرج.

المرأة في الرواية تبدو تحت ضغط دائم.. هل هذه رؤية للواقع أم اختيار جمالي واع؟

قد تبدو المرأة في الرواية تحت ضغط مجتمعي وأسري، واختياري لذلك جاء اعتمادًا على الواقع، وعلى تزايد نسب الاعتداءات التي تتعرض لها النساء حول العالم، وهو أيضًا اختيار فني واع؛ فهذه هي المرة الأولى في أعمالي التي أجعل فيها الشخصية الرئيسية فتاة، ولذلك فكرت في مناقشة قضية الاعتداء الجنسي داخل الأسرة الواحدة، وهو الأكثر شيوعًا للأسف.

لكن الوعي الفني لم يضعها في قالب الضحية طوال الوقت؛ على العكس، جعلها تجمع بين الضحية والجلاد بشكل معقد يستحيل فصله، ويحتاج إلى إعادة فهم وتفكيك.
وعلى الرغم من المفارقة بين الضحية والجلاد، فإنها ليست بعيدة عن الواقع؛ فأغلب القتلة المتسلسلين عاشوا طفولة بائسة وتعرضوا لانتهاكات فظيعة. وأعتقد أن أحد مهام الأدب هو قدرته على الكشف؛ فالحياة دومًا تمنحنا مشاهد متفرقة، مثل مشهد قاتل داخل زنزانة بالبدلة الحمراء، لكن الأدب وحده هو ما يجعلنا نراه بصورة حقيقية وقريبة للغاية.

حملت الرواية درجات من الكشف للإنسان وللقيم، ربما يراها البعض جرأة.. هل أرقك ذلك الفهم؟

تصنيف الأعمال الأدبية على أنها جريئة يزعجني للغاية، كيف يمكن أن نصف عملًا بالجرأة ونحن نعيش في عالم مفتوح بهذا الشكل، إلا إذا أردنا - بكامل رغبتنا - أن نغمض أعيننا عما يدور حولنا!

تقييم أي عمل فني ينبغي أن يخضع لقدرته على تحقيق هدفه بصورة فنية جيدة، حتى لو كان هذا الهدف هو التعبير عن القبح؛ فعبر الفن وحده يمكن التعبير عن القبح بصورة جمالية لا تخلو من جمال. القبح الذي ننفر منه داخل العمل الفني له غرض جمالي لا يمكن إنكاره، ولا يكتمل العمل من دونه، لذلك دومًا ما أقول لأصدقائي: إن كل ما هو جميل في هذه الحياة يحمل لمسة فنية، وحتى القبح داخل الفن يحمل صفة جمالية. وهذا هو سحر الفن.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة