العملية القائمة على نظريات علمية في مجال الأسرة، الهادفة إلى تنظيم صور العلاقات بين الأفراد، والمستندة إلى إعادة هندسة التفاعلات، والمحددة للأدوار، والمهام، والمؤكدة على تعظيم الروابط، وتدعيم الأواصر، وتنمية أطر المحبة، والمحفزة على أشكال الاندماج الاجتماعي، المثمر، والمؤثر، والحيوي، والمعززة للوجدانيات في تمثيلاتها القيمية النبيلة، تشير إلى ماهية الإرشاد الأسري، وهنا نقف على عتبة مهمة في التعامل مع الإنسان في إطار ما يقدم له من نصيحة، أو توجيه؛ حيث الحفاظ على كرامته، وآداميته، والوصول به إلى برّ الطمأنينة، حتى يستطيع أن يعيد توازنه، ويواصل مسيرة حياته بقوامة.
التوجيه الفكري الآني تجاه ثقافة الإرشاد الأسري، تتمثل في التحول من التدخل العلاجي إلى الوقائي؛ لنضمن بناءً متماسكا، ينتج عنه استقرار، وطمأنينة، وتفاهمات، تتوالد في إطار التعاملات اليومية، وفي ظل الظروف، والتحديات المستجدة، وهذا من وجهة نظري يقوم على توعية مستدامة تستند إلى تعميق المعارف الصحيحة في أذهان من تقدم له الخدمة؛ ثم يتم ربطها بصورة وظيفية بالممارسات، والأداءات الصادرة منه، أو من غيره، حتى يصل إلى حد القناعة؛ ومن ثم يصبح الجدار الأسري محصنًا من أي خدوش، قد تضير به، وبناءً عليه من كل العوالق المهددة لبنيان العائلة.
أعتقد أن الإرشاد الأسري يعضد المناعة النفسية لدى منتسبي الكيان الصغير؛ لتصبح صلبة، وقادرة على دحر كل محاولات النيل منها، سواءً أكان ذلك من الخارج، أو الداخل، ولو بغير قصد، وهنا فإننا لا نخشى على المَنْظُومَة العائلية من الأزمات، بل، نثق في الشراكة الفاعلة تجاه حل المشكلات، والتغلب على الصعوبات، والعزيمة نحو تحقيق غايات، يخطط لها في إطار استراتيجي مستقبلي، يقوم على تكامل الفكرة، ومنطقيتها، ويستند إلى الدعم الشامل، باعتبار تحمل المسؤولية، بات يقع على عاتق الجميع دون استثناء، وهذا ما يؤكد ضرورة توزيع الأدوار، وتعظيم القدرات، عبر إتاحة الفرصة من أجل استثمارها.
نوقن بأن ثقافة الإرشاد الأسري، لا تنفك عن سلسلة من القيم المفعمة بمعرفة عميقة، تشمل في سياقها مفاهيم كبرى، تترجمها ممارسات، أو مهارات وظيفية، تساعد في تحويل مشاعر الإنسان من إطار السلبية إلى واحة الإيجابية، وتحثه على تبني لغة الحوار البناء، وتجعله يتقبل ماهية الاختلاف، والتباين في الرأي، وهذا يرسخ لدينا فاعلية هذه الاستراتيجية في تفكيك العقد، وتحويل المشكلة من صيغتها المركبة إلى شكل مبسط، له معان مفهومة، ومغزى يستند إلى مبرر؛ ومن ثم يتم التعاطي معها في ظل أفكار ملهمة، ولا أغالي إذا ما قلت إن العادة على تناول كل ما يحير الأذهان داخل الأسرة بوفق المعالجة السابقة؛ فالنتيجة المرتقبة نرصدها في أن المشورة ، أو المؤازرة، أو الأخذ بيد المجتمع الصغير، يصبح أسلوبًا للحياة، وليس مجرد وصفات يزول أثرها بمرور الوقت.
في خضم التغيرات الجارفة نحن في أشد الحاجة؛ لترسيخ ثقافة الإرشاد الأسري؛ إذ تحصن مجتمعنا الصغير، والكبير من سلبيات الانفتاح، ومتلون الغزو الثقافي؛ لتوظف تلكما الاستراتيجية في تنقية الأذهان من شوائب، تسكب عبر الفضاء المنفلت، ناهيك عن أنها ذات أثر فاعل في القضاء على صور الخلاف المؤدية إلى تآكل، أو هدم هذا البنيان العظيم، وبالتالي تنمو مقدرتنا على تعزيز ماهية الحب، وترسيخ فلسفة الاعتذار، وتوطين صور التعاون، وتعضيد توظيف المائدة المستديرة؛ ومن ثم تتقلص الفجوات، ويزداد صمام الأمان؛ فيستلهم كل فرد أن له دور، وقدر، وقيمة وأن تفاعله يشكل ضرورة داخل الوطن الصغير، والكبير على السواء.
هندسة البيئات الأسرية في إطارها القويم، مرهون بوعي مجتمعي تجاه الإيمان بأهمية ثقافة الإرشاد؛ فما نريده أن تتخلص مجتمعاتنا من ميراث مشكلة، باتت مكررة، وعقيمة، وتؤدي حتمًا إلى تقويض مسيرة التنمية، والإنتاج، بل، قد تخلق الأجيال مشوهة فكريًا، ووجدانيًا؛ لذا دعونا نهرول إلى طريق السلامة، ونعزز العاطفة، وعلاقتنا الاجتماعية في ضوء منهجية علمية رصينة، تقوم على نظرية، تشمل في سياقها معرفة، وممارسة، تؤديان إلى تغذية الوجدان بمشرب من قيم السكينة، والمحبة، والتآلف، والتراحم، والتكافل، والتماسك من أجل البقاء الداعم لصور المستقبل، المزهر.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.