تحولت مياه الأمطار والسيول في شمال سيناء والوسط من مجرد خطر موسمي يهدد الأرواح والممتلكات، إلى ثروة قومية استراتيجية تعمل الدولة على تعظيم الاستفادة منها، عبر منظومة هندسية وتراثية متكاملة، تجمع بين السدود العملاقة والبحيرات الصناعية، وصولًا إلى "الهرابات" التي تمثل شريان الحياة الحقيقي للتجمعات البدوية في وسط وجنوب سيناء.
وتأتي هذه المنظومة في إطار خطة قومية تنفذها وزارة الموارد المائية والري لتأمين المدن والقرى من أخطار السيول، وتحقيق الأمن المائي والغذائي، وتثبيت السكان في مناطقهم عبر توفير مصادر مستدامة للمياه.
حجم المنشآت المنفذة
وفقًا لآخر بيانات رسمية صادرة عن وزارة الموارد المائية والري في أكتوبر 2026، بلغ إجمالي ما تم تنفيذه من منشآت للحماية من أخطار السيول وحصاد مياه الأمطار في محافظتي شمال وجنوب سيناء 561 منشأً متنوعًا، تشمل سدودًا وحواجز وقنوات صناعية وبحيرات وخزانات أرضية وأحواض تهدئة وجسورًا ومعابر ومفيضات.
وتهدف هذه المنشآت في الأساس إلى حماية المواطنين والمنشآت الحيوية والطرق من أخطار السيول، بالإضافة إلى حصاد مياه الأمطار وتجميعها في البحيرات الصناعية أمام سدود الحماية، ليتم استخدامها بمعرفة التجمعات البدوية في الشرب والزراعة.
ويخص محافظة شمال سيناء وحدها 50 منشأً من هذا الإجمالي، بسعة تخزينية إجمالية تبلغ نحو 14 مليون متر مكعب، وهو ما يعكس حجم الاهتمام بهذه المحافظة الحدودية وتأمين تجمعاتها السكنية.
توزيع منشآت الشمال
تتوزع منشآت شمال سيناء تفصيليًا لتشمل منظومة متكاملة للتعامل مع طبيعة الأودية المختلفة، حيث تضم عدد (2) حاجز بطول 7 كيلومترات، وعدد (3) سدود رئيسية، وعدد (4) حواجز إعاقة، وسدًا تحويليًا، وحاجز توجيه، وقناة صناعية، وبحيرة صناعية، وعدد (5) أحواض تهدئة، وعدد (27) خزانًا أرضيًا.
وتقدر السعة التخزينية لهذه المنشآت بنحو 12 مليون متر مكعب، مخصصة لتغذية الخزان الجوفي السطحي وخدمة التجمعات البدوية المنتشرة في الوديان. ومن أبرز هذه المنشآت على الإطلاق سد الروافعة الذي يعد أكبر سدود المحافظة، بالإضافة إلى سدود الجرافي وأم البارد، وبحيرة أولاد علي المقامة على وادي العريش أهم أودية المحافظة.
حصاد الموسم الماضي
شهد الموسم المائي الماضي 2025-2026 حصادًا جيدًا ومبشرًا مقارنة بسنوات الجفاف السابقة، وهو ما أكد جدوى هذه المشروعات. ففي مارس 2026، نجحت المنشآت في حجز نحو 500 ألف متر مكعب من مياه السيول، عقب موجة أمطار متوسطة إلى شديدة أدت إلى حدوث جريان سطحي قوي في عدد من الأودية بمركز الحسنة.
وشملت الأودية التي شهدت الجريان وادي الجايفي والجرور والسيسب والمويلح والعمرو والعدام والحامض، بالإضافة إلى منطقتي الحمة والمشبة. وفي فبراير 2024، ومع موجة أمطار غزيرة غير مسبوقة، امتلأت جميع "الهرابات" في قرى جنوب العريش والشيخ زويد ورفح عن آخرها، وهو ما وفر مخزونًا استراتيجيًا من المياه يكفي احتياجات الأهالي للشرب والزراعة لمدة عام كامل.
الهرابات سر البقاء
تظل "الهرابة" هي الاسم البدوي الأصيل للخزان الأرضي لتخزين مياه الأمطار، وهي تمثل نموذجًا للخبرة التراثية التي توارثها أبناء سيناء. والهرابة عبارة عن حفرة أسمنتية مربعة أو مستطيلة الشكل، تُبنى في باطن الأرض في منطقة منخفضة، ليجري إليها سيل المطر من جميع الجهات عبر مجارٍ ترابية بسيطة.
ورغم بساطة فكرتها، إلا أنها تمثل حلًا عبقريًا يتناسب مع طبيعة الصحراء، حيث تحافظ على المياه من التبخر وتحميها من التلوث.
مواصفات الهرابة واستخدامها
تُبنى الهرابة بمواصفات فنية دقيقة لضمان كفاءتها، حيث يتراوح عمقها بين 3 إلى 5 أمتار، وتتراوح سعتها التخزينية بين 100 إلى 300 متر مكعب. وهي مغطاة بالكامل بطبقة أسمنتية لمنع تسرب المياه إلى التربة ومنع تلوثها، ومزودة بفتحة علوية للسحب وفلتر بسيط لتنقية الشوائب والعوالق.
ويؤكد أهالي قرى الشلاق وجنوب الشيخ زويد أن "الهرابة" الواحدة تكفي أسرة بدوية كاملة لمدة عام كامل للشرب وإعداد الطعام وري المزروعات المنزلية، حيث يعتبرون مياه المطر هي الأصح والأفضل لخلوها من الأملاح. كما تستخدم مياهها في ري محصول الزيتون المزروع على مياه الأمطار، وهو المحصول الرئيسي والاستراتيجي في تلك القرى.
وقامت وزارة الزراعة بشمال سيناء بدعم بناء مئات الهرابات بتمويل من مشروعات التنمية المستدامة، خاصة أن أغلب مناطق البادية والقرى تعتمد على الزراعات البعلية.
خطة الموسم الحالي
بدأت وزارة الموارد المائية والري استعداداتها للموسم الحالي 2026-2027 مبكرًا، من خلال عدة محاور. بداية بالحصاد المبكر، حيث ساهمت الأمطار التي هطلت بمنطقة الكونتلا بمركز نخل خلال موجة 24-26 أكتوبر 2026 الحالية في ملء بعض خزانات حصاد المياه، مع تقديرات أولية بحجز مليون متر مكعب بوادي غلم، و12.4 مليون متر مكعب إجماليًا في جنوب سيناء والبحر الأحمر.
بالاضافة إلي أعمال الصيانة والتطهير لجميع البحيرات والسدود قبل نهاية نوفمبر لضمان جاهزيتها.
كما تم تنفيذ مشروعات جديدة تشمل 80 بحيرة جبلية جديدة في وسط سيناء، واستكمال 3 مآخذ مياه على ترعة الشيخ جابر لري 125 ألف فدان في منطقتي رابعة وبئر العبد ، عن طريق دعم الهرابات عبر خطة لإنشاء 100 هرابة جديدة في قرى الحسنة والقسيمة ونخل، بتمويل من مشروعات التجمعات التنموية الـ 16 التي تضم آبارًا جوفية وأراضي زراعية.
سيول الجنوب ووادي فيران ووادي الازارق جنوب رفح
في جنوب سيناء، كشف المهندس أحمد الصادق، رئيس قطاع المياه الجوفية بوزارة الموارد المائية والري، عن حجم الثروة المائية الهائلة التي تحملها السيول، موضحًا أن حجم السيول في وادي فيران وحده يتراوح بين 6 و8 ملايين متر مكعب خلال الأعوام المتوسطة، وقد يقفز إلى ما بين 10 و15 مليون متر مكعب في الأعوام الاستثنائية.
وأوضح أن معدلات الأمطار السنوية في منطقتي سانت كاترين ووادي فيران تتراوح بين 35 و65 ملليمترًا، بينما تصل إلى 100 ملليمتر فوق جبل كاترين، مشيرًا إلى أن وادي فيران يُعد من أكبر أودية جنوب سيناء بمساحة تقدر بنحو 4700 كيلومتر مربع.
وأكد أن مياه الأمطار تمثل ثروة بيئية، إذ يتسرب جزء منها لتغذية الخزان الجوفي، فيما تُخزَّن كميات أخرى في البحيرات والسدود لري النباتات، بينما تتجه كميات إلى خليج العقبة والبحر الأحمر للحفاظ على التوازن البيئي ومنع تداخل مياه البحر مع المياه الجوفية.
حصاد 15 مليون متر
نجحت منشآت الحماية وحصاد المياه في جنوب سيناء والبحر الأحمر خلال الموجة الأخيرة في حجز نحو 15 مليون متر مكعب من مياه السيول والأمطار، في إنجاز يعكس كفاءة المنظومة.
ومن أهم مواقع التخزين وادي وتير بنويبع، والذي يحتوي على أكثر من 40 موقعًا ما بين سدود إعاقة وتخزين وبحيرات صناعية، وحتى الآن استطاعت منشآت الحماية فيه حجز أكثر من 13 مليون متر مكعب من المياه رغم وعورة جغرافية الوادي، وتبلغ مساحة حوضه 3500 كم². وهو ما يؤكد أن المياه الآن في مكانها الصحيح، تحمي المناطق المحيطة وتعظم الاستفادة من كل قطرة مطر.
إستثمار مثالي لمياه السيول

الزيتون علي مياه الامطار يختلف عن غيره من حيث الجودة
السيول في وسط سيناء

المزارع السيناوي وإستغلال مياه الامطار في زارعة الطماطم وغيرها

جنوب رفح مياه السيول وتغيير ملامح الصحراء
جهود الدولة في إنشاء سدود لتيسير تدفق السيول
مياه السيول وكيفية إستغلالها بطريقة مثالية