أحد أبرز النتائج التى عززتها انتخابات التجديد النصفي الأمريكي هو أن المكانة المقدسة التى كانت تحظى بها إسرائيل فى السياسة الأمريكية لم تعد قائمة، وبات السياسيون على اختلاف توجهاتهم أكثر انتقاداً لعلاقة واشنطن وتل أبيب، فى الوقت الذى يشير فيه البعض إلى أن هذا التغيير الذى يحدث فى أروقة واشنطن قادر على أن يوحد المعارضة فى تل أبيب حول هدف إزاحة نتنياهو من المشهد السياسي الذى يهيمن عليه منذ عقدين.
تقول وكالة أسوشيتد برس إن انتخابات التجديد النصفي التي أُجريت يوم الثلاثاء، أظهرت تنامي الإحباط من إسرائيل لدى طرفي السياسة الأمريكية، الجمهوريين والديمقراطيين.
فقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إمكانية التوقف عن تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل بنهاية هذا العام، بينما فاز مرشح يُعد من أشد منتقدي إسرائيل بمقعد حاسم في مجلس الشيوخ. كما أرجع نائب الرئيس، جيه دي فانس، جزءاً من الهزيمة الساحقة التي مني بها الجمهوريون في انتخابات الكونجرس إلى طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وطالب بتغيير هذه العلاقة.
وترى أسوشيتد برس أن الشرخ الناجم عن الحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة، والحرب التي خاضتها تل أبيب مع واشنطن ضد إيران، قد أسفرا عن تقويض الدعم الأمريكي لإسرائيل من جانب الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، وهو الدعم الذي ظل راسخاً لعقود. فالديمقراطيون منقسمون بشدة حول إسرائيل، بينما يتزايد انتقاد الجمهوريين لتصرفاتها.
وفي إسرائيل، يتهم معارضو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إياه بسوء إدارة العلاقات مع واشنطن، الحليف الأقرب. غير أن الانقسام أعمق من ذلك بكثير، وفقاً لأسوشيتد برس، ومن المرجح أن يستمر حتى في حال تشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي.
انتقادات إسرائيل تتصاعد على اليسار واليمين الأمريكي
فعلى الجانب اليساري، بات الأمريكيون ينظرون بشكل متزايد إلى إسرائيل باعتبارها دولة منبوذة دولياً، وذلك بسبب الحرب في غزة والتوسع الاستيطاني العنيف في الضفة الغربية المحتلة. أما على الجانب اليميني، فيرى البعض أن إسرائيل قوضت شعار ترامب أمريكا أولاً، متهمين إياها بجر الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة وغير ضرورية مع إيران.
ونقلت أسوشيتد برس عن مايكل أورين، المؤرخ والسفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، قوله إن تحولاً جوهرياً قد حدث، مشيراً إلى أن الدعوة إلى قطع المساعدات العسكرية ليست سوى البداية.
تحذيرات من تداعيات وقف المساعدات الأمريكية
ومن جانبه، قال مايكل سينج، المدير الإداري في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن قطع المساعدات الأمريكية سيضع الإسرائيليين بلا شك في حالة من الارتباك، كما سيمثل تغييراً جوهرياً أحادي الجانب في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
من ناحية أخرى، يبدو أن نتائج الانتخابات فى أمريكا قادرة على أن تؤثر بشكل أو بآخر على شكل الحكومة القادمة فى إسرائيل. حيث قالت صحيفة جارديان البريطانية إن الفوز الكاسح للديمقراطيين في انتخابات الكونجرس الأمريكي قد يسهل بشكل كبير على المعارضة الإسرائيلية المشتتة تجاوز انقساماتها الداخلية العميقة وتشكيل حكومة ائتلافية؛ إذ يزداد بذلك الإلحاح على الإطاحة ببنيامين نتنياهو، الذي ربط مصيره بشكل وثيق بالجمهوريين والرئيس دونالد ترامب.
وتابعت الصحيفة قائلة إنه في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تقيّم نتائج الانتخابات الأمريكية، ساد شعور بأن هذه النتائج تشير إلى تحول طويل الأمد في سياسة واشنطن، مما سيجعل مهمة أي زعيم إسرائيلي جديد أكثر صعوبة بكثير.
رهان نتنياهو على الجمهوريين أثار مخاوف المعارضة الإسرائيلية
وتقدم الولايات المتحدة لإسرائيل دعماً عسكرياً ودبلوماسياً حيوياً، وكان تعزيز العلاقات مع الحزبين الديمقراطي والجمهوري حجر الزاوية في السياسة الخارجية الإسرائيلية لعقود. غير أن نتنياهو نسف هذا الالتزام، مفضلاً الرهان على الجمهوريين بشكل عام، وعلى ترامب بشكل خاص.
لكن المعارضة الإسرائيلية طالما انتقدت قراره، واعتبرته غير مدروس. والآن، تحذر من أنه بات ينطوي على مخاطر حقيقية.
يقول يائير لابيد، وهو سياسي بارز في المعارضة، في إشارة إلى المشرعين الديمقراطيين الجدد: هؤلاء الأشخاص ليسوا ضد إسرائيل، بل هم في الأساس ضد نتنياهو؛ فبالنسبة لهم، أي شيء يرتبط به يُعدّ أمراً ساماً.
ويحث لابيد بلاده على إعادة بناء الجسور. ويضيف: من الأسهل الصراخ بأن أمريكا ضاعت، لأنك إذا اعتبرتها ضائعة، فلن تضطر لبذل أي جهد. لكن هذا غير صحيح على الإطلاق.
لابيد يطرح خطة لإعادة بناء الثقة مع واشنطن
وطرح لابيد خطة لـإعادة بناء الثقة مع الولايات المتحدة. لكن جارديان تقول إن هذه الخطة ساهمت في إبراز حجم المشكلة أكثر من طمأنة الإسرائيليين.
فقد قوبل اقتراحه بقيام مسؤولين في حكومة جديدة محتملة بحملة دبلوماسية واسعة النطاق في الولايات المتحدة، بانتقاد سريع وحاد من براد لاندر، عضو الكونجرس المنتخب عن نيويورك.
وكان لاندر، وهو ديمقراطي يهودي يصف نفسه بأنه صهيوني ليبرالي، قد احتُجز في الضفة الغربية المحتلة الشهر الماضي أثناء انضمامه إلى فلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون.
وفي رد مباشر، كتب لاندر: "يا سيد لابيد، بصفتي شخصاً فاز بمقعد في الكونجرس الليلة الماضية ويهتم بإسرائيل، أقول لك: أنت لا تستمع لما يقوله الناخبون الأمريكيون، سواء كانوا يهوداً أو غير يهود".
وتابع: "نحن لا نتوق إلى جولات دعائية صاخبة، بل نتوق لرؤية احترام للقانون الدولي وحقوق الإنسان".
وفي معرض نقاشه مع لابيد، سلط لاندر الضوء أيضاً على اعتقال الصحفي عابد أبو شحادة، وهو مواطن فلسطيني في إسرائيل، باعتباره مثالاً على انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي. وأشار إلى وجود صلة مباشرة بين هذه الحالة وما وصفه بـنظام الاحتجاز دون توجيه تهم، المستند إلى أدلة سرية والمصمم لترهيب الأفراد وقمع حرية التعبير، وهو نهج قال إن الناخبين الأمريكيين قد رفضوه.