تخيل أن تبلغ الـ21 عاما من عمرك، بينما لم يغادر جسدك الفراش منذ أن كنت في الثامنة عشرة، وتمر أجمل سنوات شبابك بين الألم والعجز، دون أن تتمكن من الوقوف أو استعادة تفاصيل حياتك التي انتزعت منك في لحظة واحدة، تلك حكاية رغد السحار، الشابة التي لم تترك لها الحرب فرصة لتعيش شبابها، بعدما حول قصف منزل عائلتها حياتها إلى رحلة طويلة من الوجع والانتظار.
قصف منزل السحار
في 18 أكتوبر 2023، تعرض منزل عائلة السحار في مدينة غزة للقصف، ففقدت الأسرة أمها تحت الأنقاض، فيما أُصيب جميع أبنائها، وكانت رغد، التي لم تكن تتجاوز الثامنة عشرة آنذاك، صاحبة الإصابة الأشد خطورة، لتبدأ منذ ذلك اليوم معاناة صحية وإنسانية امتدت على مدار ثلاث سنوات.
اليوم، تبلغ رغد 21 عاما، لكن السنوات الثلاث الماضية لم تكن سنوات عادية في حياة شابة يفترض أن تكون في مقتبل العمر، حيث لا تزال ملازمة للفراش، وجسدها يحمل شظايا القصف وآثاره، وتحتاج حالتها إلى تدخلات طبية متخصصة، تشمل زراعة مفصل كامل للحوض، وزراعة مفصل في اليد، إلى جانب تأهيل الأعصاب في القدمين، أملا في استعادة جزء من قدرتها على الحركة.
رغد السحار
معاناة رغد
ولم تتوقف معاناتها عند الإصابات التي خلفها القصف، فقد أدت ملازمتها الطويلة للفراش إلى ظهور تقرحات مؤلمة في ظهرها، في ظل افتقارها حتى إلى فرشة طبية مناسبة تخفف عنها آلام الاستلقاء المستمر، وتساعد على حمايتها من مضاعفات حالتها الصحية.
أمام سرير ابنته، يستعيد والدها، الحاج إياد السحار، صورة رغد قبل الإصابة، حين كانت شابة مفعمة بالحيوية، تتحرك في أرجاء المنزل كالفراشة، قبل أن يتحول القصف إلى نقطة فاصلة بين حياة كانت تحلم بها وواقع يثقل جسدها بالألم.
مناشدة الأب
يقول الأب : "ابنتي عندما أُصيبت كان عمرها 18 سنة، كانت مثل الفراشة تطير في البيت، واليوم عمرها 21 عاما، ثلاث سنوات من العذاب والألم، لم تقم من فراشها، ولا أحد ينظر لحالتها، رغد كل يوم تموت".
لا يبدو وجع الأب مقتصرا على رؤية ابنته عاجزة عن الحركة، بل يمتد إلى شعوره بالعجز أمام احتياجاتها الطبية والإنسانية التي لا يستطيع توفيرها، فبعد أن فقدت رغد والدتها في القصف، أصبحت تواجه تداعيات إصاباتها في غياب الحنان الذي كانت تمثله الأم، فيما يقف والدها شاهدا على سنوات من الألم، يتمنى أن يرى ابنته تستعيد قدرتها على الحركة، ولو بخطوة واحدة.
ثلاث سنوات مرت، كبرت فيها رغد ثلاث سنوات، لكن حياتها بقيت معلقة عند لحظة الإصابة، لم تتمكن من عيش شبابها، ولا ممارسة أبسط تفاصيل الحياة التي اعتادها أقرانها، فيما تتواصل حاجتها إلى العلاج والرعاية الطبية المتخصصة.
اليوم، لا تحتاج رغد إلى كلمات المواساة وحدها، بل إلى فرصة حقيقية للعلاج، تشمل توفير فرشة طبية تخفف معاناتها اليومية، وإتاحة إمكانية سفرها لتلقي العلاج المتخصص خارج غزة، بما قد يساعدها على استعادة قدرتها على الحركة وتحسين جودة حياتها.
رغد السحار، التي دخلت الحرب فتاة في الثامنة عشرة، أصبحت في الحادية والعشرين، وما زالت تنتظر أن تنهض من فراشها. ثلاث سنوات من عمرها مضت، وما زال حلمها بسيطا، أن تتحرك، وأن تخف آلامها، وتعود إلى الحياة.