لم تكن شعارات الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي التي رفعتها جماعة الإخوان مجرد عبارات سياسية تستهدف التأكيد على قدرتها على تمثيل مختلف فئات المجتمع، بل تطرح تساؤلات أعمق حول طبيعة نظرتها إلى الآخرين، وحدود قبولها بالاختلاف، ومدى استعدادها للتعامل مع أصحاب الأفكار والمعتقدات والتوجهات السياسية المخالفة باعتبارهم شركاء متساوين في الوطن. فبينما قدمت الجماعة نفسها باعتبارها مشروعًا جامعًا يتجاوز الانقسامات، تكشف قراءة أدبياتها ومواقف قياداتها عن تصور تنظيمي يضع درجات متفاوتة للقبول والقرب، وفقًا لموقف الفرد من الجماعة ومدى توافقه مع مشروعها.
وفي هذا السياق، يفتح الباحث في شؤون الحركات المتطرفة إبراهيم ربيع لـ" اليوم السابع" ملف مفهوم "الصفوة المحترمة" داخل البناء الفكري والتنظيمي للإخوان، باعتباره مدخلًا لفهم الطريقة التي تنظر بها الجماعة إلى المجتمع، والتمييز بين أعضائها، والمتعاطفين معها، والشخصيات العامة التي يمكن استقطابها، وبين القوى التي تحتفظ باستقلاليتها أو تعارض توجهاتها.
وتتمثل الإشكالية الأساسية في الفجوة بين ادعاء تمثيل المجتمع بأكمله، وبين تصور تنظيمي لا يتعامل بالضرورة مع جميع مكوناته على قدم المساواة، وإنما يضع الانتماء والولاء والتوافق الفكري ضمن معايير تحديد موقع الفرد من المشروع الإخواني.
لجنة الصفوة.. استقطاب الشخصيات بدلًا من الاعتراف باستقلالها
ويكشف إبراهيم ربيع، استنادًا إلى تجربته السابقة داخل التنظيم، جانبًا مهمًا من هذه الرؤية، موضحًا أنه كان عضوًا في لجنة "الصفوة والرموز"، التي كانت تستقبل رموز المجتمع في المجالات الرياضية والفنية والمالية والاجتماعية، وتعمل على استمالة هذه الشخصيات إلى التنظيم وأفكاره.
وقال ربيع، في إن لجنة الرموز والشخصيات العامة كانت مهمتها استمالة المنتمين إلى هذه الشريحة من المجتمع إلى التنظيم وأفكاره، وهو ما يطرح تساؤلًا حول طبيعة العلاقة التي أرادت الجماعة تأسيسها مع النخب المجتمعية: هل كانت تسعى إلى شراكة حقيقية قائمة على استقلال الرأي وتبادل الأفكار، أم إلى توسيع دائرة التأثير التنظيمي من خلال استقطاب أصحاب المكانة والنفوذ؟
وأضاف ربيع، في شهادته عن تجربته داخل الجماعة، أنه كان يتساءل عن أهمية وجود تنظيم حديدي في عمل مدني وسياسي واجتماعي ودعوي، دون أن يتلقى إجابات أو نقاشًا حول هذه التساؤلات. وتكشف هذه الشهادة عن إشكالية تتجاوز مجرد استقطاب الشخصيات العامة، لتصل إلى طبيعة العلاقة بين التنظيم والمجتمع، وحدود السماح بالعمل المستقل خارج إطاره.
الأقباط.. شركاء في الوطن أم خارج حسابات التمكين؟
وتظهر إشكالية "الآخر" بصورة أكثر وضوحًا عند تناول موقف الجماعة من الأقباط، فبينما رفعت قيادات إخوانية شعارات المواطنة والمساواة، ظلت مسألة الحقوق السياسية الكاملة لغير المسلمين محل خلاف داخل الخطاب التنظيمي.
ويستشهد ربيع في تحليله لأدبيات الجماعة بما تضمنته كتابات حسن البنا وسيد قطب من تصورات حول العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وما ارتبط بها من مفاهيم تاريخية مثل "أهل الذمة" و"الولاء والبراء"، معتبرًا أن استمرار حضور هذه التصورات في الوعي التنظيمي يطرح تعارضًا مع مفهوم المواطنة الحديثة القائمة على المساواة الكاملة بين المواطنين. حيث رصدت تصريحات قيادات الجماعة خلال الفترة من 1981 إلى 2013، وكشفت عن تباين واضح بين المواقف المعلنة بشأن المواطنة وبين تصورات بعض القيادات حول الحقوق السياسية للأقباط. حيث ابرز تصريحات المرشد السابق مصطفى مشهور عام 1997 بشأن الجزية، وكذلك مسودة البرنامج السياسي للحزب عام 2007، التي أثارت جدلًا بسبب عدم إقرارها بحق الأقباط والمرأة في تولي رئاسة الجمهورية.
وتكشف هذه الوقائع، وفق القراءة التي يطرحها ربيع، أن اختبار الشعارات الجامعة لا يكون بمجرد إعلان احترام الاختلاف، وإنما بمدى الاعتراف بحق المختلف في المشاركة الكاملة في إدارة الدولة وصناعة القرار دون قيود عقائدية أو تنظيمية.
المرأة.. حضور اجتماعي وقيود على المشاركة السياسية
ولا تتوقف حدود الاختلاف عند الانتماء الديني، وإنما تمتد إلى المرأة، التي تعاملت معها الجماعة في كثير من أطروحاتها باعتبارها عنصرًا أساسيًا في البناء الاجتماعي والأسري، بينما أثارت مشاركتها السياسية وحقها في تولي المناصب العليا خلافات داخلية.
وأشار ربيع إلى أن الجماعة أصدرت عام 1994 بيانًا بشأن التعددية السياسية وحقوق المرأة والأقباط، كما تضمنت مبادرة الإصلاح السياسي عام 2004 اعترافًا بالحقوق السياسية للنساء والأقباط، بما في ذلك المشاركة في الانتخابات البرلمانية والمحلية.
لكن هذا المسار شهد تراجعًا مع مسودة البرنامج السياسي عام 2007، التي لم تمنح المرأة والأقباط حق الترشح لرئاسة الجمهورية، كما اتجه الخطاب المتعلق بالمرأة إلى التركيز على دورها الأسري والاجتماعي بدلًا من حسم مسألة مساواتها السياسية.
وهنا تتضح المفارقة التي يلفت إليها ربيع في قراءته للبنية التنظيمية؛ فقبول وجود المرأة داخل المجتمع أو الاستفادة من دورها في الأنشطة الاجتماعية والدعوية لا يعني بالضرورة الاعتراف بحقها في المشاركة المتكافئة في مراكز صناعة القرار.
القوى السياسية.. تحالفات مرحلية واختبار الاستقلال
أما التيارات السياسية والمدنية، فتقدم تجربة الجماعة معها نموذجًا آخر لفهم حدود قبول الآخر. فقد شاركت الإخوان في تحالفات انتخابية وسياسية مع قوى ليبرالية ويسارية خلال ثمانينيات القرن الماضي، كما خاضت تجارب للتنسيق مع أطراف سياسية مختلفة، وهو ما عكس قدرتها على التعامل مع التعددية باعتبارها واقعًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، هذا ما أكده ربيع؛ خاصة أن التحولات في خطاب الجماعة بشأن التعددية ارتبطت أيضًا بحسابات توسيع القاعدة الانتخابية وتحسين الصورة أمام القوى السياسية والغرب، وأن الحفاظ على تماسك القاعدة التنظيمية المحافظة ظل عاملًا مؤثرًا في مواقفها من بعض قضايا الحقوق والمواطنة.
وهنا طرح ربيع إشكالية الفصل بين التحالف السياسي القائم على الاعتراف المتبادل بالاستقلال والاختلاف، وبين التعامل مع القوى الأخرى باعتبارها أدوات يمكن الاستفادة منها لتوسيع النفوذ التنظيمي. فالشراكة السياسية الحقيقية لا تعني أن يتخلى الطرف الآخر عن أفكاره أو استقلال قراره، وإنما تقوم على قبول حقه في الاختلاف والمنافسة وتداول السلطة، وهي معايير تضع أي مشروع سياسي أمام اختبار جدي لمدى التزامه بالتعددية.
المجتمع ليس درجات.. من يملك حق تعريف الآخر؟
إن تفكيك مفهوم "الصفوة المحترمة" لا يتعلق بمجرد لجنة داخل الهيكل التنظيمي، وإنما يكشف جانبًا من طريقة تفكير الجماعة في المجتمع وتقسيم شرائحه وفقًا لمدى قربها من مشروعها. فالأقباط ليسوا مجرد كتلة تحتاج إلى تطمينات، والمرأة ليست مجرد قوة اجتماعية يمكن توظيف دورها دون الاعتراف بكامل حقوقها، والقوى المدنية ليست تحالفات مؤقتة تتحدد قيمتها بمدى فائدتها السياسية، كما أن الشخصيات العامة لا تفقد استقلالها بمجرد دخولها دائرة التواصل مع التنظيم.
وتبقى النقطة الجوهرية التي تكشفها شهادة إبراهيم ربيع أن ادعاء تمثيل المجتمع بأكمله لا يكتسب مصداقيته من اتساع دائرة المستقطبين أو تعدد التحالفات، وإنما من الاعتراف بأن المجتمع أكبر من أي تنظيم، وأن حق الاختلاف لا ينبغي أن يكون مشروطًا بالولاء أو الانضمام أو التوافق مع مشروع سياسي بعينه.
فالمواطنة لا تعرف درجات، والوحدة الوطنية لا تعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة، والتعددية لا تتحقق بمجرد استيعاب المختلف داخل مشروع التنظيم، وإنما تبدأ من الاعتراف بحقه في أن يظل مختلفًا ومستقلًا، دون أن ينتقص ذلك من مكانته أو حقوقه أو دوره في المجتمع.