على مدار ثلاثة أيام، تحولت قرية تونس بمحافظة الفيوم إلى لوحة فنية مفتوحة، امتزجت فيها ألوان الخزف والفخار برائحة الطبيعة وجمال بحيرة قارون، مع انطلاق فعاليات مهرجان تونس السنوي للخزف والفخار والحرف اليدوية، خلال الفترة من 5 إلى 7 نوفمبر الجاري، بمشاركة 44 عارضًا وعارضة، في احتفالية تجمع الفنانين والحرفيين ومحبي الفنون والتراث من مختلف المحافظات والدول.
ولم يكن المهرجان مجرد معرض لعرض المنتجات اليدوية، لكنه تحول إلى كرنفال فني وسياحي ينتشر في شوارع القرية وورشها، ويقدم للزائرين تجربة مختلفة تجمع بين مشاهدة مراحل صناعة الخزف والفخار، والتعرف على الحرف التراثية، والاستمتاع بالطبيعة والهدوء الذي تتميز به القرية الواقعة على ضفاف بحيرة قارون، والتي نجحت على مدار سنوات في صناعة هوية سياحية وفنية خاصة بها.
ملتقى الفنانين والشعراء
وقال الدكتور هاني يونس، أستاذ الإرشاد السياحي بكلية السياحة والفنادق بجامعة الفيوم، في تصريحات خاصة لليوم السابع، إن قرية تونس ومهرجانها السنوي للخزف والفخار يمثلان ملتقى للفنون والاسترخاء، حيث يمنح المهرجان الزائرين فرصة للاستمتاع بأجواء القرية وطبيعتها المميزة، مؤكدًا أن المهرجان أسهم في تحويل القرية إلى مقصد للشعراء والفنانين من مختلف دول العالم.
وأضاف أن قرية تونس كانت دائمًا ملتقى للفنانين والشعراء منذ نشأتها، حيث اعتادت استقبال عدد من كبار الشعراء، من بينهم عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب، وكذلك الفنانة السويسرية إيفلين بوري، التي زارت القرية وعشقت الحياة الريفية بها، ولفت انتباهها لعب الأطفال بالطين، فقررت الإقامة في القرية، واشترت منزلًا بها، وبدأت في إنشاء مدرسة لتدريب الأطفال على صناعة الخزف باستخدام الطين، لتكون المنتجات معبرة عن أفكارهم وإبداعاتهم.
وأكد يونس أن الأطفال الذين تولت إيفلين بوري تدريبهم أصبحوا فيما بعد من كبار الفنانين بالقرية، مشيرًا إلى أن منتجاتهم الفنية كانت تعبر عن الحيوانات والبحيرة والمشاهد الطبيعية والأجواء المحيطة بقرية تونس، وهو ما أسهم في تحويل منازل القرية إلى بيوت فنية، يضم كل منها فنانًا أو أكثر من العاملين في مجال الخزف والفخار.
وأوضح أنه منذ نحو 14 عامًا بدأ الفنانون والخزافون بقرية تونس التفكير في تنظيم مهرجان سنوي للخزف والفخار، لتصبح القرية مع الوقت مقصدًا للفنانين والأجانب، وتتكون لها هوية بصرية وسياحية مميزة.
وأشار إلى أن القرية أصبحت تضم الفنادق البيئية والمطاعم البيئية والمزارع العضوية، إلى جانب متحف الكاريكاتير الذي يعد الأول من نوعه في الشرق الأوسط، ومسارات للدراجات وأنشطة ركوب المراكب، فضلًا عن إتاحة فرص لمشاهدة النجوم والكواكب والطيور، بما يجعل زيارة القرية تجربة سياحية متكاملة.
ولفت يونس إلى أن نسب الإشغال بالفنادق في القرية تصل إلى 100% خلال فترة إقامة المهرجان، موضحًا أن الفعاليات تحولت إلى كرنفال شعبي للحرف اليدوية، لا يقتصر على الخزف والفخار، لكنه يفتح المجال أمام أصحاب الحرف الأخرى بالمحافظة لعرض منتجاتهم وتسويقها، مثل صناعة الخوص والسجاد والكليم.
وأكد أن المهرجان يمثل فرصة مهمة للترويج للحرف اليدوية بمحافظة الفيوم، وتشجيع السياحة، وتعريف الزائرين بتنوع المنتجات التراثية التي تشتهر بها القرى والمراكز المختلفة.
وأوضح أستاذ الإرشاد السياحي أن كلية السياحة والفنادق بجامعة الفيوم ساهمت في تنظيم المهرجان بالتعاون مع هيئة تنشيط السياحة بالمحافظة، كما نظمت رحلات للطلاب للتعرف بصورة عملية على آليات الترويج السياحي للمحافظة، وكيفية استثمار المقومات البيئية والثقافية في جذب الزائرين.
ولفت إلى أن قرية تونس أصبحت «براند» مميزًا لمحافظة الفيوم، مطالبًا بوضع جدول سنوي ثابت ومعلن للمهرجانات التي تستضيفها المحافظة، حتى يتمكن السائحون من مختلف دول العالم من ترتيب زياراتهم وفق مواعيد الفعاليات، ومن بينها مهرجان النباتات الطبية والعطرية، ومهرجان الفيوم الدولي للسينما لأفلام البيئة، ومهرجان الخيول، بالإضافة إلى مهرجان تونس للخزف والفخار.
44 عارضًا وعارضة
وشهدت الدورة الجديدة من المهرجان مشاركة 44 عارضًا وعارضة، تنوعت معروضاتهم بين الخزف والفخار ومنتجات النخيل والسجاد اليدوي والمشغولات الشمعية والمنحوتات الخشبية واللوحات الزيتية والتطريز والتريكو والصابون الحيوي، إلى جانب مجموعة من الحرف اليدوية التي تعكس ثراء التراث الشعبي بمحافظة الفيوم.
وتوزعت الفعاليات في شوارع القرية، بما أتاح للزائرين التجول بين المعارض والورش الفنية، ومشاهدة الحرفيين أثناء العمل، فضلًا عن تنظيم ورش حية لصناعة الخوص والسجاد والرسم، وجولات سياحية شملت متحف الكاريكاتير وأبراج الحمام، إلى جانب الاحتفالات الفنية التي قدمتها فرق أكاديمية الفنون، في أجواء تعكس تنوع الفنون والثقافات.
المحافظ: أيقونة الجمال
وأكد الدكتور محمد هانئ غنيم، محافظ الفيوم، خلال افتتاح المهرجان، أن قرية تونس ليست ملكًا لمحافظة الفيوم فقط، لكنها أصبحت أيقونة للجمال والسياحة البيئية في مصر، مشيرًا إلى أن القرية تمثل نموذجًا متميزًا للتكامل بين الفن والطبيعة والتراث.
وأوضح المحافظ أن الفيوم تتميز بصناعة الفخار في أكثر من موقع، وليس في قرية تونس وحدها، مستشهدًا بقرية النزلة التي تعد من أبرز مراكز صناعة الفخار، وتتميز باستخدام طرق تقليدية في التصنيع، وتمتد جذورها إلى عصور تاريخية سحيقة.
وأشار إلى أن المهرجان يمثل إحدى الفعاليات المهمة التي تسلط الضوء على فنون الخزف والفخار والحرف اليدوية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية للمحافظة، مؤكدًا أهمية الحفاظ على هذه الحرف وتطويرها ودعم العاملين بها وفتح آفاق أوسع لتسويق منتجاتهم، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا مستدامًا لأصحابها.
وأضاف أن المحافظة تولي اهتمامًا بالفعاليات التي تجمع بين البعد الثقافي والمردود السياحي والاقتصادي، لما لها من دور في الترويج للمقومات التي تتميز بها الفيوم، ودعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، خاصة المشروعات القائمة على الحرف التراثية والصناعات الإبداعية.
تنشيط السياحة والحرف اليدوية
ومن جانبه، أوضح الدكتور معتز أحمد عبد الفتاح، مدير عام السياحة بمحافظة الفيوم، أن المهرجان شهد مشاركة 44 عارضًا وعارضة، منهم 24 عارضًا يمثلون الإدارة العامة لتنشيط السياحة، و20 عارضًا يمثلون عددًا من الجهات، من بينها وزارة التنمية المحلية والبيئة، وغرفة صناعة الحرف اليدوية، وهيئة تنمية الصعيد، وجهاز تنمية المشروعات، والمجلس القومي للمرأة، والجمعيات الأهلية.
وأضاف أن الفعاليات لم تقتصر على عرض المنتجات، لكنها تضمنت جولات سياحية بين معارض الحرف اليدوية، وزيارة متحف الكاريكاتير وأبراج الحمام، وورشًا حية لصناعة الخوص والسجاد والرسم، بهدف تعريف الزائرين بالحرف التقليدية ومراحل إنتاجها، وإتاحة الفرصة للحرفيين لتسويق منتجاتهم والتواصل المباشر مع الجمهور.
وبين ألوان الخزف والفخار، وحكايات الفنانين والحرفيين، وجمال الطبيعة على ضفاف بحيرة قارون، تواصل قرية تونس تقديم نفسها باعتبارها واحدة من أبرز الوجهات السياحية والفنية بمحافظة الفيوم، حيث لا يقتصر مهرجانها على الاحتفاء بالحرف التراثية، بل يقدم نموذجًا لكيفية تحويل الفن والموروث الشعبي إلى مصدر للجذب السياحي وفرص العمل والتنمية الاقتصادية.

الاطفال بجانب أسرهم

المحافظ يتحدث مع العارضين

حرف متعددة بالمهرجان

منتجات أخري بجانب الفخار

منتجات مختلفة من الخزف والفخار

مهرجان تونس للفخار

يوم الحرف اليدوية