-
أكثر من 80% من العمالة المنزلية حول العالم يعملون في "القطاع غير الرسمي".. يواجهون أجور متدنية وساعات عمل مفرطة
كشف موجز إحصائي حديث صادر عن منظمة العمل الدولية لعام 2026 بعنوان "واقع العمل المنزلي في عام 2025: بعد 15 عاما من الاتفاقية رقم 189" عن استمرار معاناة قطاع العمل المنزلي عالميا من عجز صارخ في شروط العمل اللائق، على الرغم من الدور المحوري والحيوي الذي يلعبه في دعم اقتصاد الرعاية ورعاية الأسر اليومية.
وأوضح التقرير الإحصائي، أن إجمالي عدد العمال المنزليين ممن تبلغ أسبابهم 15 عاما فما فوق ارتفع عالميا إلى 80.0 مليون عامل في عام 2025، مقارنة ب 75.6 مليونا في عام 2019، مسجلا زيادة قدرها 4.4 مليون عامل (بنسبة نمو بلغت 5.8%)، ورغم هذا النمو الملحوظ في الأعداد المطلقة، تظل نسبة التشغيل في هذا القطاع ثابتة نسبيا من إجمالي العمالة العالمية؛ حيث يمثل القطاع 2.2% من إجمالي التشغيل العالمي، و4.4% من مجموع الموظفين وأصحاب الأجور، وترجع منظمة العمل الدولية هذه الزيادة إلى النمو العام في معدلات التشغيل الشاملة عبر المناطق بدلا من كونها توسعا هيكليا خاضا بقطاع العمل المنزلي بذاته.
أولا: التوزيع الجغرافي والهيمنة النسوية المطلقة
تستحوذ منطقة آسيا والمحيط الهادئ على النصيب الأكبر من العمالة المنزلية حول العالم بإجمالي 40.2 مليون عامل (ما يعادل 50.2% من الإجمالي العالمي)، وتأتي الصين في الصدارة الإقليمية بنحو 22 مليون عامل منزلي، وتليها الأمريكتان بنسبة 20.1% (16.1 مليون عامل)، ثم إفريقيا بنسبة 17.2% (13.8 مليون عامل)، والدول العربية بنسبة 8.7% (7.0 مليون عامل)، وأخيرا منطقة أوروبا وآسيا الوسطى بنسبة 3.8% (3.0 مليون عامل)، وتسجل الدول العربية أعلى معدل كثافة وانتشار للقطاع على مستوى العالم؛ إذ تشكل العمالة المنزلية 14.1% من إجمالي الموظفين والمأجورين في المنطقة، وهي نسبة تتجاوز بكثير المتوسط العالمي.
ويظل قطاع العمل المنزلي محكوما بهيمنة نسائية واسعة النطاق؛ إذ تشكل النساء 77.2% من إجمالي القوة العاملة المنزلية بواقع 61.8 مليون امرأة، وتصل معدلات تأنيث القطاع إلى أوجها في أمريكا اللاتينية والكاريبي بنسبة (88.6%)، والأمريكتين (86.7%)، وأوروبا وآسيا الوسطى (80.9%)، وآسيا والمحيط الهادئ (80.4%)، وإفريقيا (75.1%)، وفي المقابل، تنفرد الدول العربية بكونها المنطقة الوحيدة التي يشكل فيها الرجال الأغلبية بنسبة 60.6% من القوة العاملة المنزلية، وهو ما يعود للتنوع المهني في هذه المنطقة ليشمل وظائف السائقين الخاصين، الحراس، والبساتنة، كما يعد هذا القطاع شريانا توظيفيا أساسيا للنساء؛ حيث يمثل 8.6% من إجمالي النساء العاملات بأجر في العالم، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 33.2% من العمالة النسائية في الدول العربية و18.2% في إفريقيا جنوب الصحراء.

إحصائية منظمة العمل الدولية
ثانيا: تفشي العمالة غير الرسمية وحرمان الحقوق
أكدت الأرقام الواردة في التقرير أن 83.1% من العمال المنزليين حول العالم — أي ما يفوق 4 من كل 5 عمال (نحو 66.5 مليون عامل) — يعملون في إطار القطاع غير الرسمي، وتجعلهم هذه الهشاشة القانونية مجردين من الحماية العمالية والتأمينات الاجتماعية المتعلقة بالتشغيل الرسمي، ورغم تسجيل أكثر من نصف الدول المستطلعة تحسنا طفيفا في خفض معدلات غير الرسمية، إلا أن ارتفاع المعدل العالمي يعكس تركز العمالة المنزلية في دول تعاني بطبيعتها من ارتفاع معدلات القطاع غير الرسمي.
وتصل معدلات غير الرسمية إلى مستويات شمولية شبه مطلقة في الدول العربية بنسبة (99.8%)، وتليها إفريقيا بنسبة (93.3%)، ثم آسيا والمحيط الهادئ بنسبة (85.4%)، والأمريكتين بنسبة (70.2%). بينما تسجل منطقة أوروبا وآسيا الوسطى أدنى معدل إقليمي، ورغم ذلك يظل أكثر من ثلث العمال المنزليين هناك (36.4%) يفتقرون للغطاء الرسمي، وبالمجمل، تتضاعف احتمالية العمل غير الرسمي بين العمال المنزليين بأكثر من مرتين مقارنة بالموظفين في القطاعات الأخرى.
ثالثا: الفجوة الأجرية والتطرف في ساعات العمل
تكشف البيانات عن اتساع الفجوة الأجرية والتباين الصارخ في ظروف العمل اليومية:
1. الفجوة الأجرية الممتدة: يتقاضى العامل المنزلي عالميا ما نسبته 53.3% فقط من متوسط الأجر الشهري الذي يتقاضاه باقي الموظفين غير المنزليين، وتتفاقم هذه الفجوة لدى العمال غير الرسميين ليصل متوسط أجورهم إلى 48.7%، وعلى الصعيد الجنساني، تعاني النساء العمالة المنزلية من تحيز أجرائي مضاعف، حيث يتقاضين 48.0% فقط من أجور القطاعات الأخرى، مقارنة بنسبة 65.8% للرجال، وبين عامي 2019 و2025، اتسعت الفجوة الأجرية النسبية عالميا بمقدار 2.6 نقطة مئوية؛ ليس بالضرورة بسبب انخفاض الأجور الاسمية للعمال المنزليين، بل لكون أجور القطاعات الأخرى نمت بمعدلات أسرع بكثير.
2. التطرف في أوقات العمل: يواجه العمال المنزليون حالة حادة من الاستقطاب في ساعات العمل؛ حيث يعمل 35.2% منهم أوقاتا مفرطة وطويلة جدا تبلغ 49 ساعة أو أكثر أسبوعيا (بما في ذلك 14.6% يعملون 60 ساعة فأكثر)، وتبرز الدول العربية بصورة استثنائية حيث يعمل 72.1% من العمال المنزليين فيها 49 ساعة فأكثر أسبوعيا (و54.6% يعملون 60 ساعة فأكثر)، وفي المقابل، يعمل 30.9% من العمال المنزليين لساعات قصيرة تقل عن 35 ساعة أسبوعيا (بينهم 11% يعملون أقل من 15 ساعة)، ويرتبط العمل لساعات قصيرة بالتجزئة والتعطل الجزئي وانخفاض المداخيل، بينما يرتبط العمل لساعات طويلة بغياب آليات تنظيم أوقات الراحة والإقامة في منازل أصحاب العمل.
رابعا: التوزيع العمري والتأهيل التعليمي
يظهر التقرير تفاوتا ديموجرافيا بارزا يعكس طبيعة سوق العمل في كل منطقة:
• تتسم القوة العاملة المنزلية في إفريقيا بفتوة عالية؛ حيث ينتمي 32.8% منهم للفئة العمرية الشابة (15-24 سنة)، مما يرفع مخاوف التسرب التعليمي وضعف القدرة التفاوضية، وبالمقابل، ترتفع نسبة كبار السن (55 سنة فما فوق) بين العمال المنزليين في أوروبا وآسيا الوسطى (26.9%) والأمريكتين (24.6%)، وهو ما يفرض تحديات جسيمة تتعلق والسلامة والصحة المهنية والمجهود البدني الشاق وضمان الرعاية التقاعدية.
• يظهر القطاع انخفاضا حادا في المستويات التعليمية الرسمية؛ إذ تبين أن 19.4% من العمال المنزليين لم يلتحقوا بالتعليم مطلقا، و33.3% أتموا التعليم الابتدائي فقط، بينما يحمل 41.5% شهادة ثانوية، ولا تتعدى نسبة الحاصلين على تعليم جامعي 3.9% (مقارنة ب 29.2% لدى بقية الموظفين في القطاعات الأخرى)، وأوضح التقرير أن عدم امتلاك شهادات أكاديمية لا يعكس قلة مهارة العمال، فالعمل المنزلي ورعاية الأفراد يتطلبان مهارات عمل وتنظيم وإشراف عالية مكتسبة بالخبرة، غير أنها تظل غير موثقة بشهادات رسمية ولا تنعكس في الأجور.
شددت منظمة العمل الدولية في نهاية التقرير على أن تحويل الاعتراف القانوني بكرامة العمل المنزلي إلى "عمل لائق" حقيقي يستوجب تدابير عملانية سريعة.،وفي مقدمة هذه التدابير: إلزامية العقود المكتوبة والمحددة للشروط بلغات يفهمها العمال، وتوسيع نطاق التفتيش العمالي ليتلاءم مع خصوصية المنازل، وتبسيط إجراءات التسجيل في التأمينات الاجتماعية لملائمة أنظمة العمل الجزئي ومتعدد أرباب العمل، فضلا عن إنشاء أطر رسمية لتقييم المهارات والاعتراف بالخبرات المكتسبة لضمان سلم أجور عادل وترقية مهنية مستحقة.