الإخوان الإرهابية تعيش على وضع الطيران.. لا يرون الأرض ولا يسمعون صوت الحقيقة.. ماكينة إنكار تحول الهزائم إلى بطولات وتبيع أحلام العودة وتعيد تدوير أوهام انتهت صلاحيتها بالإطاحة بهم

السبت، 07 نوفمبر 2026 10:05 ص
الإخوان الإرهابية تعيش على وضع الطيران.. لا يرون الأرض ولا يسمعون صوت الحقيقة.. ماكينة إنكار تحول الهزائم إلى بطولات وتبيع أحلام العودة وتعيد تدوير أوهام انتهت صلاحيتها بالإطاحة بهم الإخوان

كتبت ـ إسراء بدر

يبدو أن جماعة الإخوان الإرهابية قررت تفعيل وضع الطيران بشكل دائم، ليس على هواتفها، وإنما في علاقتها بالواقع كله، فلا ترى ما يحدث على الأرض، ولا تسمع صوت الحقيقة، ولا تعترف بالوقائع التي لا تتفق مع روايتها. ففي العالم الإخواني الموازي، الهزيمة مجرد انتصار مؤجل، والانقسام دليل على الصمود، والتراجع إعادة تموضع، أما كل حقيقة محرجة فلها تهمة جاهزة اسمها "المؤامرة".

إنها ماكينة إنكار لا تعرف زر الإيقاف، تعمل على إعادة تدوير الروايات القديمة، وتجميل الإخفاقات، وتسويق أحلام العودة، وكأن الزمن توقف عند اللحظة التي اختار التنظيم أن يعيش أسيرها. فبدلا من مراجعة التجربة والاعتراف بأسباب الإخفاق، تفضل الجماعة الإرهابية إعادة كتابة المشهد، وتوزيع أدوار البطولة على نفسها، حتى لو كان الجمهور يرى نهاية مختلفة تماما.

 

وضع الطيران.. الحقيقة خارج نطاق التغطية

أبرز ما يلفت الانتباه في خطاب الجماعة الإرهابية هو الإصرار على التعامل مع الوقائع بمنطق الانتقاء فما يتوافق مع روايتها يجري تضخيمه وتكراره، وما يناقضها يجري تجاهله أو التشكيك فيه أو تقديم تفسير بديل له.

فلا توجد مساحة حقيقية للاعتراف بأن القرارات قد تكون خاطئة، أو أن الخيارات السياسية قد تقود إلى نتائج غير محسوبة، أو أن الجماعة مطالبة بمراجعة مواقفها. فكل أزمة لها شماعة، وكل إخفاق له مبرر، وكل سؤال صعب يقابله خطاب عن الاستهداف والمؤامرات.

وكأن التنظيم الإرهابي قرر أن يضع الحقيقة على قائمة الحظر، ويكتفي بتلقي الإشارات القادمة من داخله، حيث لا يسمع أعضاؤه سوى الرواية ذاتها، ولا يرون سوى المشهد الذي ترسمه المنصات المحسوبة عليه. والنتيجة أن الجماعة تتحدث عن واقع، بينما العالم يعيش واقعا آخر تماما.

 

مصنع الأكاذيب.. كرر الرواية حتى تصبح نشرة رسمية

لا تعتمد الدعاية على قوة المعلومة وحدها، بل قد تراهن على كثافة التكرار وتعدد المنصات وتوحيد الرسائل. وفي هذا السياق، يبرز أسلوب إعادة تدوير الادعاءات ذاتها، وتقديمها بصيغ مختلفة، حتى تبدو وكأنها روايات متعددة رغم انطلاقها من الفكرة نفسها، وتبدو هذه الآلية واضحة عندما تتحول بعض الشعارات إلى رسائل يومية، يعاد بثها وتداولها دون إضافة أدلة جديدة أو تقديم إجابات عن الأسئلة المتعلقة بصحتها. فالمهم أن تظل الرواية حاضرة، وأن يجد أنصار التنظيم ما يرددونه كلما اصطدموا بواقعة تناقض ما اعتادوا سماعه، فهي سياسة "إعادة التسخين" الدعائي، نفس الحكاية، ونفس الوعود، ونفس الاتهامات، مع تغيير بسيط في العناوين والصور، وكأن الجماعة الإرهابية تراهن على أن الجمهور سينسى ما قيل بالأمس إذا أعيد تقديمه اليوم في عبوة جديدة.

 

انتصارات من ورق.. بطولة بلا مباراة

داخل الرواية الإخوانية، يمكن للإخفاق أن يتحول إلى إنجاز بمجرد تغيير طريقة تقديمه، وللتراجع أن يصبح خطوة تكتيكية، وللانقسام أن يجري تصويره باعتباره دليلا على استمرار المعركة وهنا تظهر المفارقة الساخرة فبينما تحتاج أي تجربة سياسية إلى تقييم موضوعي لنتائجها تكتفي ماكينة الدعاية بتغيير أسماء الأشياء، فلا يقال إن هناك أزمة تستدعي المراجعة، وإنما يجري الحديث عن مرحلة اختبار، ولا يقال إن هناك تراجعا في التأثير، وإنما يجري تقديم الأمر باعتباره إعادة ترتيب للأوراق.

والأغرب أن بعض الخطابات الدعائية تتعامل مع مجرد الصمود الإعلامي باعتباره انتصارا سياسيا، وكأن إصدار البيانات ونشر المنشورات وإعادة تدوير الشعارات يمكن أن يعوض غياب النتائج على الأرض، ولكنها بطولة من نوع خاص، لا تحتاج إلى ملعب ولا منافسين ولا نتيجة معلنة، فالجماعة الإرهابية تستطيع إعلان انتصارها في أي وقت، حتى لو لم تحدث المباراة من الأساس.

 

أحلام العودة.. مسلسل قديم بنهايات مؤجلة

ومن أكثر الملفات التي تكشف انفصال الخطاب التنظيمي عن الواقع، استمرار الترويج لسيناريوهات العودة واستعادة النفوذ، من خلال رسائل تتحدث عن تحولات وشيكة وتطورات منتظرة، دون تقديم أدلة واضحة على تحقق هذه التوقعات فكل فترة تظهر وعود جديدة، وتعود العبارات القديمة إلى التداول، ويجري تصوير المستقبل باعتباره يحمل مفاجآت ستغير المشهد بالكامل لكن عندما تمر المواعيد التي جرى الترويج لها دون تحقق، لا تنتهي الحكاية، وإنما يبدأ فصل جديد من التبريرات والتوقعات، فهي تجارة الأحلام المؤجلة، موعد يتبعه موعد، ووعد يجر وراءه وعدا، والأنصار مطالبون بالبقاء في حالة انتظار دائمة، بينما لا تقدم الرواية إجابة واضحة عن سؤال بسيط: متى يتحول الكلام المتكرر إلى واقع؟ وكأن التنظيم اشترى اشتراكا مفتوحا في مسلسل العودة، لكنه نسي إبلاغ جمهوره بموعد الحلقة الأخيرة.

 

العالم الموازي.. ممنوع الاعتراف بالخطأ

ولا تقتصر المشكلة على تكرار الرسائل الدعائية وإنما تمتد إلى البيئة التنظيمية التي قد تجعل مراجعة الرواية السائدة أمرا صعبا فعندما يتلقى الأفراد المعلومات من مصادر متشابهة، وتُعاد أمامهم التفسيرات ذاتها، ويُنظر إلى الأسئلة المخالفة باعتبارها تشكيكا في الولاء، تصبح مساحة التفكير المستقل أكثر ضيقا، وفي هذه الحالة لا يعود الإنكار موجها إلى الجمهور الخارجي فقط، بل يمكن أن يتحول إلى دائرة مغلقة يعيد فيها التنظيم إنتاج روايته وتصديقها وتداولها، دون اختبار كافٍ لمدى توافقها مع الوقائع، وهنا تكمن خطورة العالم الموازي فبدلا من أن تكون المعلومات وسيلة لفهم الواقع، تصبح أداة لتأكيد ما يعتقده التنظيم مسبقا، وبدلا من أن تكون المراجعة طريقا لتصحيح الأخطاء، تتحول إلى تهديد للرواية التي تحاول الجماعة الإرهابية الحفاظ عليها.

 

الحقيقة لا تعمل بنظام الطيران

قد تنجح ماكينة الإنكار في إعادة تدوير رواية قديمة، وقد تستطيع الشعارات أن تصنع ضجيجا مؤقتا، لكن ذلك لا يغير الوقائع ولا يمحو نتائج التجارب السياسية، فالحقيقة لا تحتاج إلى إذن من التنظيم كي تظهر، ولا تتغير لمجرد أن هناك من قرر تجاهلها، والمفارقة أن الجماعة الإرهابية التي تواصل الحديث عن المستقبل تظل أسيرة الماضي، والتي تعد أنصارها بالعودة تعيد إنتاج الوعود ذاتها، والتي ترفع شعارات امتلاك الحقيقة تبدو مطالبة في كل مرة بالهروب من الأسئلة الصعبة، فيبدو أن الإخوان لم يكتفوا بتفعيل وضع الطيران، بل قرروا إلغاء خاصية تحديد الموقع تماما فلا يعرفون أين يقف الواقع، ولا إلى أين تتجه الأحداث.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة