تعتمد جماعة الإخوان الإرهابية على منظومة فكرية وتنظيمية لا تستهدف فقط استقطاب الأفراد وإقناعهم بأفكارها، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل نظرتهم لأنفسهم وللمجتمع المحيط بهم، من خلال ترسيخ شعور بالتميز والانتماء إلى مجموعة استثنائية تمتلك الحقيقة وتعرف الطريق الصحيح، بينما يُنظر إلى بقية المجتمع باعتباره أقل وعيا وإدراكا.
وتقوم هذه المنظومة على خلق فاصل نفسي وفكري بين أعضاء التنظيم والمواطنين، بحيث لا يصبح الانتماء مجرد اختيار سياسي أو فكري، وإنما يتحول إلى هوية تمنح العضو شعورا بالتفوق والمكانة، وتجعله يعتقد أنه ينتمي إلى دائرة أكثر وعيا من المحيطين به.
«الفرقة الناجية».. توظيف الدين في صناعة الولاء
تستغل الجماعة الإرهابية المفاهيم الدينية في تعزيز هذا الشعور، من خلال الخلط بين الالتزام الديني والالتزام التنظيمي، وتقديم الانتماء إلى الجماعة باعتباره طريقا استثنائيا للإصلاح والتغيير.
ويؤدي هذا الخلط إلى إضفاء قداسة معنوية على التنظيم، بحيث يصبح الاعتراض على قياداته أو مراجعة أفكاره أمرا صعبا لدى بعض الأعضاء، نتيجة الاعتقاد بأن الجماعة تمثل الفهم الصحيح للدين، وأن الدفاع عنها يرتبط بالدفاع عن العقيدة نفسها.
وتتحول فكرة «الفرقة الناجية» في هذا السياق إلى وسيلة لتعزيز التمايز عن الآخرين، وليس مجرد اعتقاد ديني، إذ يصبح العضو أكثر ميلا إلى النظر إلى المخالف باعتباره أقل فهما أو وعيا، بدلا من الاعتراف بحقه في الاختلاف.
احتكار الحقيقة.. إقصاء المجتمع فكريا
لا تتوقف خطورة هذه التربية عند حدود شعور العضو بالتميز، وإنما تمتد إلى طريقة تعامله مع المجتمع، إذ تسعى الجماعة إلى تكوين عقلية ترى أن الآخرين يحتاجون إلى التوجيه والتوعية، وأن التنظيم هو الأقدر على تحديد ما يصلح لهم.
ويؤدي هذا التصور إلى إضعاف قبول التعددية، وتحويل الاختلاف السياسي والفكري إلى مشكلة تتعلق بوعي الآخرين، بدلا من اعتباره حقا طبيعيا في مجتمع متنوع.
كما يخلق حالة من الانغلاق تجعل العضو أكثر ارتباطا بالتفسيرات التنظيمية للأحداث، وأقل استعدادا لمراجعة الأفكار أو الاستماع إلى وجهات النظر المخالفة.
التنظيم قبل المجتمع.. صناعة هوية مغلقة
تستفيد الجماعة من ربط المكانة الشخصية بالانتماء التنظيمي، بحيث يصبح تقييم الفرد لنفسه مرتبطا بمدى قربه من الهيكل الداخلي والتزامه بتوجيهاته.
ومع الوقت، يمكن أن تتراجع العلاقات الاجتماعية الطبيعية لصالح الدائرة التنظيمية، ويصبح الانتماء إلى الجماعة معيارا لتقييم الآخرين، بما يخلق حالة من العزلة الفكرية والنفسية عن المجتمع.
وتكشف هذه الآلية أن المشروع التنظيمي لا يستهدف فقط تكوين أعضاء يحملون أفكارا سياسية محددة، وإنما يسعى إلى بناء هوية مغلقة تجعل التنظيم مرجعية أساسية في التفكير وتقييم الأشخاص والمواقف.
الإخوان الإرهابية تزرع الشعور بالفوقية واحتكار الحقيقة لدى أعضائها
قال إبراهيم ربيع، الباحث في شؤون حركات الإسلام السياسي والمنشق عن جماعة الإخوان الإرهابية، إن التنظيم يعتمد على منظومة فكرية وتربوية تستهدف ترسيخ شعور أعضائه بالتميز عن بقية أفراد المجتمع، وإقناعهم بأنهم ينتمون إلى مجموعة تمتلك الحقيقة والرؤية الأكثر صوابا.
وأضاف أن الجماعة تعمل على خلق حالة من الفوقية التنظيمية لدى أعضائها، من خلال ربط الانتماء إليها بفكرة امتلاك الوعي والقدرة على فهم المجتمع وتحديد احتياجاته، بما يؤدي إلى النظر إلى غير المنتمين باعتبارهم أقل إدراكا لطبيعة المشروع الذي تتبناه الجماعة.
وأوضح أن الخلط بين الدين والتنظيم يمثل أحد أخطر مداخل السيطرة على الأعضاء، لأنه يجعل الولاء للجماعة مرتبطا في أذهانهم بالالتزام الديني، ويصعب معه تقبل النقد أو مراجعة الأفكار والقرارات التنظيمية.
وأكد أن المجتمع المصري أكبر من أي جماعة أو تنظيم، وأن الإسلام لا يمكن اختزاله في كيان سياسي، مشيرا إلى أن مواجهة هذه الأفكار تبدأ بالفصل بين الدين والتنظيم، وترسيخ قيم المواطنة والتعددية واحترام حق الاختلاف.