تتجاوز القامات الفكرية الكبرى حدود التخصص الضيق لتصنع لنفسها مسارات معرفية متكاملة تترك أثرها عميقا في الوعي الجمعي العربي، وفي هذا السياق، جاء اختيار الباحث والناقد المغربي البارز الدكتور سعيد يقطين، الذى ولد في الدار البيضاء عام 1955، وحصل على دكتوراه الدولة من جامعة محمد الخامس بالرباط عام 1997م.
شخصية العام الثقافية في معرض الشارقة الدولي للكتاب ليكون احتفالا مستحقا بتجربة نقدية وأكاديمية فريدة امتدت لأكثر من أربعة عقود، وانشغلت بشكل جوهري بتطوير أدوات دراسة النص السردي، وتفكيك بنى الخطاب الروائي، وصولا إلى ارتياد آفاق الأدب الرقمي والنص المترابط.
وفي هذا الحوار مع "اليوم السابع" يفتح الدكتور سعيد يقطين أوراق مسيرته الممتدة من التدريس إلى رئاسة اتحاد كتاب الإنترنت العرب، ويتحدث عن مفهومه للمشروع النقدي، ورؤيته لمستقبل الأدب العربي في عصر الذكاء الاصطناعي، ورسالته للأجيال الجديدة من الباحثين.. إلى نص الحوار
ما الذي يمثله لك اختيارك شخصية العام الثقافية في معرض الشارقة الدولي للكتاب بعد مسيرة نقدية تمتد لأربعة عقود؟
يبدو لي أن هذا الاختيار تثمين من جهة للمشروع الذي اشتغلت به منذ مدة طويلة، ومن جهة ثانية تشجيع للبحث العلمي الذي دشنته باشتغالي بالسرديات.
كيف ترى دور معرض الشارقة ورؤية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في الاحتفاء بالقامات الفكرية ودعم مشروع المعرفة العربي؟
تجربة الشارقة ثقافيا متميزة على الصعيد العربي، لقد حضرت بعض معارض الكتاب في الشارقة، وفي كل مرة كنت أعاين تطورا في التجربة، وفي مشاركاتي في العديد من الفعاليات التي تنظمها الشارقة كنت أعاين باستمرار احتفاء الشارقة بالثقافة، مما جعلني أعتبرها عاصمة دائمة للثقافة العربية.
بدأت رحلتك العلمية بالتدريس في التعليم الثانوي وصولًا إلى الأستاذية الجامعية ورئاسة القسم كيف أثر هذا التدرج الميداني في تكوينك المعرفي؟
لعب الفضاء الذي عشت فيه في الدار البيضاء، وبعد ذلك في فاس دورا كبيرا في طبع شخصيتي بملامح خاصة، فتحت عيني في الدار البيضاء على القرآن الكريم، وعلى التدين الشعبي المرتبط بثقافة البادية حيث الطيبوبة الفطرية، ومحبة الآخر من جهة، وكانت الحلاقي في سوق اشطيبة تغذي ما يتصل بالدين والثقافة الشعبية في مختلف تجلياتها من جهة ثانية، فتفتحت مداركي على الغناء الشعبي، ورواة النوادر والقصص الديني، والسيرة الشعبية، دفعني إلى القراءة شغفي بما كان يروى من سير عنترة وحمزة البهلوان والأميرة ذات الهمة، ولما كان متابعة حوادث السير يتطلب الحضور الدائم، فإن الدراسة كانت لا تتيح لي ذلك، فبدأت بشراء الجزء الأول من السيرة، وأستبدله بالجزء الثاني، وهكذا، في مراهقتي، وقبل انتقالي إلى فاس كانت كل السير الشعبية متوفرة لدي، إلى جانب روايات يوسف السباعي ونجيب محفوظ، من هنا كان شغفي بالقراءة، وكان لبعض المعلمين دور في هذا الشغف بالقصة، وفي فاس تعمقت صلتي بالتراث العربي من خلال التردد على خزاناتها، وفي السنة الثالثة إعدادي كنت قد حسمت اختيار مستقبلي: أريد أن أدرس الأدب، وأكون أستاذا للغة العربية.
شغلت موقع الأستاذ الزائر في العديد من الجامعات العربية والأوروبية.. كيف ترى واقع البحث العلمي السردي في العالم العربي مقارنة بالغرب؟
تختلف الجامعات العربية عن نظيرتها الغربية، فلكل منها تقاليدها وتاريخها، ونظرا لاتباع النظام الجامعي المغربي التجربة الفرنسية، فقد عمل على تكييفها وفق التراث العربي، ولكن الأثر الفرنسي ما يزال قائما، واقع الدراسة السردية المغربية متطور نسبيا بالمقارنة مع التجربة العربية بسبب اتصالها المباشر بالنظرية السردية الفرنسية التي كانت رائدة ومتميزة، ومحاولتها تطوير البحث في السرد العربي والحديث، وبالاشتغال على نصوص مغربية وعربية.
ما الخبرة العلمية والأكاديمية التي خرجت بها من خلال تنسيقك لمجموعة البحث في التراث السردي الأندلسي المغربي؟
إن الأدب الأندلسي غني ومتنوع، وكان الهدف من استحداث المجموعة إعادة النظر في التراث الأندلسي باستخدام آليات جديدة في البحث تجاوزا للمعرفة الأولية التي تقف عند مرحلة الإجازة، ولقد استفاد الطلاب من الدروس التي كنت أقدمها سواء في الماجستير أو الدكتوراه، وأنجزت أبحاث جيدة، وأذكر منها أطروحة المرحوم إبراهيم الحجري الذي قام بدراسة سردية أنثروبولوجية حول السرد، والمرحومة مليكة نجيب حول السرد النسائي الأندلسي، والأطروحتان معا حصلتا على جائزتين عربيتين.
كانت لك الريادة في وضع مفاهيم دقيقة لتحليل الخطاب الروائي العربي.. كيف استطعت توطين السرديات في النقد العربي دون فقدان الهوية والسقوط والتبعية العمياء للنظرية الغربية؟
منذ بداية اتصالي بالبنيوية في الثمانينيات تبين لي أن فهم الناقد العربي لها كان ناقصنا، فعملت على توسيع دائرة معرفتي بأغلب ما كتب حول الرواية نظريا وتطبيقيا، ومن ثمة تشكلت لدي رؤية دقيقة، اخترت السرديات، باعتبارها علما للسرد، وكان من الهموم التي شغلتني هو دقة المصطلح لأن الكثير منها كان يوظف بطرق متعددة، ولهذا حرصت في كتابي تحليل الخطاب الروائي (1989) على الوقوف على الاختلافات بينها، وكان من نتائج ذلك استعمالي للمصطلحات وفق تصور محدد ضمن السرديات وبسبب اهتمامي بالسرد القديم فقد أسعفني ذلك في الاستفادة أيضا من التراث العربي، ويبدو ذلك بجلاء في كتابي: "الكلام والخبر" (1997).
امتد مشروعك من الرواية المعاصرة إلى التراث السردي والسير الشعبية فما الجسور التي أردت بناءها بين أشكال السرد القديمة والحديثة؟
انطلق المشروع من سؤال كيف يمكننا فهم السرد بطريقة منتجة وقابلة للتطوير، ولتحقيقه لا بد من الانطلاق من العلم، فكانت السرديات، اشتغلت بها في مختلف كتبي، وكان كل كتاب جديد يطور ويوسع ما قدم في السابق، ومن هنا كان أيضا الانتقال من الرواية المغربية والعربية إلى السرد القديم الذي درست الكثير من نصوصه في الإجازة، وبعد ذلك بحثت فيه أولا من خلال السيرة الشعبية، وثانيا من خلال قضايا تتصل بأنواعه وأنماطه، وتاريخه، ومنذ أواخر التسعينيات انفتحت على منجزات الرقميات، وعلى النص المترابط، فكان الاشتغال على مفاهيم مثل: الخطاب، النص، والنص المترابط، يتحقق من خلال الانتقال من مجال آخر، وكان الجسر الذي يجمع بينها هو: السرد من منظور علمي، وهو يتطور من الشفاهة إلى الرقامة، مرورا بالكتابة والطباعة.
في كتابك "الفكر الأدبي العربي: البنيات والأنساق" كيف طرحت رؤيتك لإنتاج معرفة نقدية تستوعب خصوصية التجربة العربية؟
جاء هذا الكتاب حصيلة عدة سنوات من متابعة النظريات النقدية الغربية والعربية، وتبين لي أننا أسرى ما تكرس في الغرب من نظريات دون تمحيص، لقد ظل الحديث حتى في الدراسات الأدبية الغربية عن "النقد الأدبي" دون تحديد دقيق، فكل ما كتب حول الأدب اعتبر نقدا أدبيا، لكنني ارتأيت التمييز بين أفلاطون وفرويد مثلا، فليس أي منهما ناقدا أدبيا، فالفيلسوف يفكر في الأدب، وصاحب التحليل النفسي يطور مشروعه في علم النفس بالانطلاق من النص الأدبي، وفرق كبير بينهما، على سبيل التمثيل، وبين ناقد أدبي مثل سانت بيف مثلا، لذلك اقترحت "الفكر الأدبي" ليتسع لكل أشكال التعامل مع الأدب، ويمكن التمييز بينها وفق كيفية التعامل مع النص الأدبي، وكان من بين أهداف الكتاب الدعوة إلى التمييز بين العلم الأدبي، والنقد الأدبي لاستخلاص أننا اشتغلنا بالأدب كنقاد، وعلينا العمل على تطوير وتحليلنا للنص الأدبي علميا.
كنت من أوائل الباحثين العرب الذين درسوا الأدب الرقمي والنص المترابط.. ما الذي يتغير في بنية النص وطبيعة القارئ عند الانتقال للشاشة؟
كان انتقالي إلى التعامل مع الرقميات في ضوء رصدي للتحول الذي طرأ على مفهوم النص الذي اشتغلت به سابقا، فمع التكنولوجيا الجديدة برز "مفهوم النص المتربط"، وهو النص الذي يتحقق على الشاشة، وينقسم إلى بنيات (عقد)، يتم الانتقال بينها من خلال "روابط"، إن تقنية الروابط تعمق نظرتها إلى النص كيفما كان جنسه أو نوعه، فأي نص هو عبارة على جمل مترابطة، وما تغير مع النص المترابط هو فهم جديد لعلاقة قديمة داخل أي نص، والذي كشف عنها هو الحاسوب الذي يقدم لنا النص بطريقة مختلفة عن الكتاب الورقي، فما نلاحظه هو نص على شاشة، ولكي ننتقل إلى بنيات أخرى على النقر على الروابط للتحرك في مختلف بنياته غير الظاهرة لنا، ويدفع هذا القارئ لأن يصبح متفاعلا، وحرا في اختيار الروابط التي بواسطتها يتحرك داخل النص.
ترأست اتحاد كتاب الإنترنت العرب عام 2011 كيف تقيم واقع النقد الرقمي والمؤسسات الأكاديمية العربية في مواكبة هذه التحولات التكنولوجية اليوم؟
كان بإمكان تجربة اتحاد كتاب الإنترنيت أن تكون مهمة جدا لو تبنتها الدول العربية، ومولتها للانتقال إلى العصر الرقمي، ظلت التجربة قائمة على عمل مجموعة متباعدة، وفي غياب التمويل الضروري لتجربة جديدة نجد صعوبة كبيرة في العمل، وما كان للتجربة إلا أن تموت وهي في المهد، لقد صار الاتحاد يعمل بالطريقة التي تسير عليها اتحادات وروابط الكتاب العرب، فلم تتطور، ولعل المؤسسات الأكاديمية العربية عند تأسيس اتحاد كتاب الإنترنيت كانت غائبة وقتها عن الاهتمام بما هو رقمي، فلم تقدم منها أي دعم او مساندة يمكن أن تحوله إلى واقع حقيقي.
في ظل التسارع الرقمي الحالي ما مستقبل الثقافة والأدب العربي في عصر الذكاء الاصطناعي والوسائط المتعددة؟
من الصعوبة بمكان توقع ما يمكن أن يكون عليه مستقبل الثقافة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي، لقد تأخرنا كثيرا في دخول العصر الرقمي، فكان الاستهلاك هو السائد، الوضع الآن أحسن لأن ما يتطور رقميا يفرض علينا التفكير بجدية في الموضوع، هناك "يقظة" متأخرة، ونتمنى أن يتم تدارك ما فات، والعمل على ردم الفجوة بإرادة وعزم.
حصدت جوائز عربية رفيعة فما تأثير الجوائز على المبدع؟
لا يخفى تأثير تثمين أي مجهود على المبدع، إن الحصول على الجائزة بالإضافة إلى الاعتراف بالمجهودات المبذولة، تشجيع على المواصلة، والمجازون نوعان: نوع يحصل على الجائزة، وآخر تحصل الجائزة عليه، والنوع الثاني هو الذي يستمر لأن الجائزة جاءت إليه لتثبت أهليته لها.
كرمت في معرض الشارقة الدولى للكتاب باعتبار معرفتك مرجعًا للأجيال ما نصيحتك للباحثين الشباب في مجال السرديات والنقد الأدبي؟
لاحظت من خلال تجربتي أن الباحث الحقيقي صاحب مشروع، وفي غياب رؤية علمية تدقق المشروع المختار بعناية لا يمكن التقدم، قد يؤلف باحث عشرات الكتب، لكن عندما لا يسندها مشروع محدد ينطلق من سؤال مركزي ويحاول الإجابة عنه عبر مسيرة متواصلة تكون تلك الكتب والدراسات حلقات مبعثرة لا رابط بينها، ولا مستقبل.
بعد أكثر من 40 مؤلفا مرجعا في السرديات ما المشروعات البحثية أو النقدية التي تعمل عليها حاليًا وتطمح لإنجازها
لقد انتقلت في المشروع الذي بدأت به من البحث في الرواية إلى السرد العربي القديم إلى الثقافة الشعبية إلى الثقافة الرقمية، وكلما اتسعت دائرة الاهتمام يتبدى للباحث انه لم يبدأ بعد، ما زلت أشتغل في هذه الموضوعات بالشغف نفسه، ويثيرني أكثر البحث في السرد العربي القديم فغناه وتنوعه يفتحان لي مجالا واسعا للتفكير والبحث، وكنت قد انفتحت على دراسة السرد القرآني، ففتح لي أبوابا للتوسع في الحديث النبوي، وفي التراث السردي العربي بصورة لم أكن أفكر فيها في البداية، إن أي مشروع هو مفتوح أبدا، ولا يمكنه أن ينتهي أبدا، وما مشروع الفكر الإنساني سوى إعادة النظر في الأسئلة الكبرى التي يطرحها الإنسان، وفي كل عصر معرفي يتقدم في الإجابة عنها، وما يصل إليه يظل مفتوحا دائما.