من شعارات المواطنة إلى استهداف الأقباط.. كيف كشفت ممارسات الإخوان حقيقة موقفهم من غير المسلمين؟.. باحث شؤون حركات متطرفة: النقابات المهنية كشفت جانبًا آخر من معادلة النفوذ والمساواة

الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 06:00 م
من شعارات المواطنة إلى استهداف الأقباط.. كيف كشفت ممارسات الإخوان حقيقة موقفهم من غير المسلمين؟.. باحث شؤون حركات متطرفة: النقابات المهنية كشفت جانبًا آخر من معادلة النفوذ والمساواة الاخوان

كتبت: منة الله حمدى

لم تكن قضية حقوق الأقباط في أدبيات جماعة الإخوان الإرهابية مجرد خلاف حول صياغة سياسية أو اختلاف في وجهات النظر، بل مثلت اختبارًا حقيقيًا لمدى إيمان الجماعة بمفهوم المواطنة المتساوية. فبينما حرصت قياداتها على تقديم خطاب علني يتحدث عن التعايش والحقوق المشتركة، كشفت مواقف سياسية ووقائع شهدتها مصر عن فجوة بين الشعارات المعلنة والتصورات التي تبنتها بعض قيادات التنظيم تجاه مشاركة غير المسلمين في إدارة الدولة وتولي المناصب العامة.

وتكشف تجربة الجماعة في النقابات والمؤسسات المهنية، ثم وصولها إلى الحكم عقب ثورة يناير، أن تقييم موقفها من الأقباط لا يتوقف عند ما ورد في بياناتها وتصريحاتها، وإنما يمتد إلى مواقفها من المشاركة السياسية، وحدود الحقوق المدنية، وطبيعة العلاقة بين الانتماء الديني والمواطنة.

 

إقصاء الأقباط من المناصب.. التمييز حاضر في أدبيات الجماعة

وفي هذا السياق، يوضح طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، أن فهم موقف الإخوان من غير المسلمين يتطلب التمييز بين الخطاب الذي تستخدمه الجماعة لتحقيق القبول المجتمعي، وبين التصورات الفكرية التي تحكم رؤيتها للسلطة والمجتمع.


وتكشف إحدى أبرز المحطات عن هذه الإشكالية، وهي مشروع البرنامج السياسي للجماعة عام 2007، الذي أثار جدلًا واسعًا بسبب ما تضمنه من تصورات بشأن تولي المرأة وغير المسلمين المناصب القيادية العليا في الدولة، حيث طرح استبعادهم من بعض المواقع المرتبطة بالولاية العامة في الدولة التي تستند إلى مرجعية إسلامية.


ووفقًا لدراسة أكاديمية منشورة بمركز الدراسات العربية، بعنوان "مواطنون أم ذميون؟ موقف جماعة الإخوان الارهابية من الحقوق السياسية للأقباط في مصر"، فإن تصريحات قيادات الجماعة خلال الفترة من 1981 إلى 2013 عكست حالة من الالتباس في فهم مفهوم المواطنة والحقوق السياسية والمدنية للأقباط، مع وجود تباين بين الخطاب العام والمواقف المتعلقة بالمشاركة في مواقع السلطة.

 

النقابات والمؤسسات المهنية.. اختبار المشاركة والمساواة

ولم يقتصر حضور الجماعة على المجال السياسي، فقد امتد نشاطها إلى النقابات المهنية التي شهدت صعودًا ملحوظًا للتيار الإسلامي منذ ثمانينيات القرن الماضي، خاصة نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين.


وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الإخوان نجحوا في بناء نفوذ داخل هذه المؤسسات من خلال التحالفات الانتخابية والتنظيم والعمل الخدمي، وهو ما أتاح لهم امتلاك قاعدة مؤثرة داخل قطاعات مهنية واسعة. لكن وجود الجماعة داخل المؤسسات المهنية يطرح سؤالًا حول مدى انعكاس مفهوم المواطنة المتساوية على ممارساتها التنظيمية، ومدى إتاحة المشاركة على أساس الكفاءة المهنية بعيدًا عن الانتماء الديني أو الفكري.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين السيطرة الانتخابية على مجالس النقابات وبين إثبات وقوع تمييز ضد الأقباط داخلها؛ إذ لا تكفي السيطرة التنظيمية وحدها دليلًا على الإقصاء، وإنما يتطلب ذلك وقائع محددة وشهادات موثقة.

عام حكم الإخوان.. تصاعد الخطاب الطائفي ضد الأقباط

ومع وصول محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية عام 2012، أصبحت مواقف الجماعة تجاه الأقباط أكثر ارتباطًا باختبار الحكم وإدارة التنوع داخل المجتمع المصري.
ورصدت منظمة هيومن رايتس ووتش تصاعد وقائع العنف الطائفي خلال تلك الفترة، مشيرة إلى وقوع خمس حوادث على الأقل منذ تولي مرسي السلطة في يونيو 2012 وحتى أبريل 2013، كما انتقدت ضعف التحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.
ومن أبرز الوقائع أحداث الخصوص في أبريل 2013، التي أسفرت عن مقتل خمسة مسيحيين ومسلم، فضلًا عن استمرار الاعتداءات على ممتلكات ومنازل مواطنين أقباط في عدد من المناطق.
وتكشف هذه الوقائع عن أزمة أعمق من مجرد حوادث فردية، تتمثل في ضعف حماية المواطنين من الاعتداءات الطائفية، وعدم كفاية الإجراءات الرادعة لمنع تكرارها، وهو ما وضع مفهوم المواطنة المتساوية أمام اختبار عملي خلال فترة حكم الجماعة.

حرق الكنائس وممتلكات الأقباط.. وقائع أغسطس 2013

وجاءت أحداث أغسطس 2013 لتشكل واحدة من أخطر المحطات في تاريخ العنف الطائفي الحديث في مصر. ففي أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة يوم 14 أغسطس، تعرضت عشرات الكنائس والمؤسسات والممتلكات القبطية لهجمات في محافظات مختلفة.
ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش الاعتداء على 42 كنيسة، تعرضت 37 منها للحرق أو الأضرار، إلى جانب استهداف مؤسسات دينية ومدارس ومنازل ومحال تجارية مملوكة لمسيحيين، في محافظات منها المنيا وأسيوط والفيوم والجيزة والسويس وسوهاج وبني سويف وشمال سيناء.
كما تحدث التقرير عن مقتل ثلاثة أقباط ومسلم واحد على الأقل نتيجة الاعتداءات الطائفية التي جرى توثيقها، ورصد اتهامات وتحريضًا ضد الأقباط على خلفية مواقف الكنيسة من عزل محمد مرسي.
ونقلت المنظمة شهادات عن منشورات وخطابات اتهمت الأقباط بالمشاركة في عزل مرسي، كما وثقت عبارات تحريضية رددها بعض المشاركين في مسيرات مؤيدة له، وهو ما ساهم في تأجيج أجواء الاحتقان الطائفي.

المواطنة ليست شعارًا.. الاختبار الحقيقي في الممارسة

كما وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في 9 أكتوبر 2013 موجة غير مسبوقة من الاعتداءات الطائفية التي طالت المسيحيين في مصر، بما شمل الكنائس والمباني التابعة لها والمدارس والمحال التجارية المملوكة للأقباط، وطالبت بإجراء تحقيقات مستقلة وشاملة ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف.

ويرى البشبيشي، في سياق تحليل التجربة التنظيمية للإخوان، أن تقييم خطاب أي جماعة سياسية لا ينبغي أن ينفصل عن ممارساتها ومواقفها عند الاقتراب من السلطة، لأن المعيار الحقيقي للمواطنة يتمثل في ضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، وليس الاكتفاء بإطلاق شعارات عامة عن التعايش والوحدة الوطنية.

وتبقى التجربة المصرية خلال تلك المرحلة شاهدًا على خطورة توظيف الانتماء الديني في الصراع السياسي، خاصة عندما يتحول الخلاف مع السلطة إلى اتهامات جماعية تطال مكونًا من مكونات المجتمع، وتضع مواطنين تحت ضغط المسؤولية عن مواقف لم يختاروها.

فالمواطنة لا تتجزأ، ولا يمكن أن تكون حقوق المواطن مرتبطة بعقيدته أو موقفه السياسي، كما أن حماية دور العبادة والممتلكات والأرواح مسؤولية أصيلة للدولة، لا يجوز إخضاعها لحسابات الصراع بين القوى السياسية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة