<< 6 إلى 12 شهرا من انقطاع التأهيل.. فجوة زمنية تهدد استمرارية التعلم وتنمية المهارات
<< محمد عبدالغني.. 37 يوما من التقدم أعادتها الحرب إلى نقطة الصفر
<< من الخيمة إلى المجهول.. أطفال التوحد يواجهون خطر الضياع في غزة
<< آلاف الحالات خارج قاعدة بيانات موحدة.. والحصر أول طريق الإنقاذ
<< مؤسسة مركز بداية: الخيام لا تحمي أطفال التوحد.. والنزوح المتكرر يربك سلوكهم ويهدد سلامتهم
<< خيام آمنة وتأهيل منتظم ومعلم ظل.. مطالب عاجلة لإنقاذ مرضى طيف التوحد
<< طفل قد يخرج من الخيمة دون إدراك للخطر.. سهراب مسلم تكشف معاناة الأسر في حماية أبنائها
<< من نقص الغذاء إلى غياب الأدوية.. احتياجات الأطفال لا تحتمل التأجيل
داخل مركز بداية بغزة، تواجه فئة الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، تحديات مضاعفة في ظل الحرب والنزوح، حيث لم تقتصر معاناتهم على فقدان المنازل ومراكز التأهيل، بل امتدت لتشمل اضطراب روتينهم اليومي، وانعدام البيئة الآمنة التي يحتاجون إليها، ونقص الغذاء والأدوية والمكملات الغذائية، إلى جانب تراجع فرص التعليم والتدخل المبكر، وفي ظل هذه الظروف، تجد أسرهم نفسها أمام أعباء نفسية ومعيشية متزايدة، تفوق قدرتها على تلبية احتياجات أطفالها الخاصة.
وتقول سهراب مسلم، مديرة مركز بداية لاضطرابات التوحد في غزة، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن الحرب أحدثت تغييرا جذريا في واقع هؤلاء الأطفال، بعدما فقدوا كثيرا من المقومات التي كانت تساعدهم على اكتساب المهارات وتطوير قدراتهم، سواء داخل المراكز المتخصصة أو من خلال دمجهم في المدارس.
الخيام بيئة غير آمنة لأطفال التوحد
وتوضح أن الأطفال المصابين بالتوحد كانوا، قبل الحرب، يحصلون على تدريبات متخصصة داخل المراكز، تمهيدا لدمجهم في المدارس الحكومية، من خلال لجان تقيم مهارات كل طفل وقدرته على الاندماج في الصفوف العادية، لكن انهيار منظومة التعليم الوجاهي، إلى جانب النزوح الواسع والعيش في المخيمات، أوقف هذا المسار أو جعل استكماله بالغ الصعوبة.

ضحايا العملية التعليمية في غزة
وتضيف أن الخيام التي أصبحت مأوى لآلاف الأسر في مدينة غزة ومناطق أخرى من القطاع لا توفر بيئة مناسبة للأطفال المصابين بالتوحد أو ذوي الإعاقة عموما، فهي لا تمنحهم المساحة الآمنة التي يحتاجون إليها، ولا تتيح لأسرهم ضبط البيئة المحيطة أو الحد من المخاطر التي قد يتعرضون لها.

تابع ضحايا العملية التعليمية في غزة
وتشرح أن الطفل المصاب بالتوحد قد يخرج فجأة من الخيمة دون إدراك للمخاطر المحيطة به، ما يجعل السيطرة على حركته مهمة شديدة الصعوبة، خاصة في ظل التهديدات الأمنية والقصف والتقدم العسكري. وفي حالات الطوارئ، قد يصاب الطفل بنوبة هلع تعوق قدرته على الاستجابة السريعة أو حماية نفسه، على خلاف أطفال آخرين قد يتمكنون من فهم ما يحدث حولهم والتصرف بناءً عليه.
ولا تتوقف المشكلة عند مخاطر القصف أو احتمال فقدان الطفل، حيث إن العيش في المخيمات يضعه في بيئة مكتظة تضم أشخاصا من خلفيات وظروف مختلفة، لكل منهم احتياجاته وضغوطه الناجمة عن الحرب، حيث تقول سهراب مسلم، إن هذا الواقع قد ينعكس على سلوكيات الطفل، ويحد من قدرة أسرته على تنظيم محيطه وتوفير الظروف الملائمة لتعلمه وتأهيله، فيما تتزايد الضغوط النفسية على الأهل الذين يكافحون لتلبية احتياجاتهم الأساسية واحتياجات أبنائهم.
فقدان المنزل يربك عالم الطفل
بالنسبة للأطفال المصابين بالتوحد، لا يمثل المنزل مجرد مكان للإقامة، بل مساحة مألوفة تمنحهم الشعور بالأمان والاستقرار، حيث يرتبط كثير منهم بروتين يومي ثابت وتفاصيل محددة في المكان الذي يعيشون فيه.
وتضيف سهراب، أن انتقال الطفل من منزله إلى مكان آخر، ثم اضطراره إلى النزوح مجددا والعيش في خيمة، قد يترك آثارا نفسية وسلوكية عميقة، فالطفل الذي اعتاد تفاصيل بيته واعتبره مساحته الآمنة يجد نفسه فجأة في بيئة غريبة، تتغير باستمرار ولا تتوافر فيها الظروف التي تساعده على التكيف.
النزوح في غزة
وتشير إلى أن مساعدة الطفل على تقبل محيط جديد تحتاج في الظروف الطبيعية إلى جلسات تأهيلية طويلة، فكيف إذا كان الانتقال قسريا ومتكررا، ويحدث وسط القصف والخوف وفقدان الاستقرار؟ مضيفة أن هذه التحولات انعكست على سلوكيات الأطفال وقدرتهم على التفاعل والتعلم، في وقت تراجعت فيه الخدمات المتخصصة التي يمكن أن تساعدهم على تجاوز هذه الصعوبات.
نقص الغذاء يهدد صحتهم وقدراتهم
إلى جانب انعدام الأمان، يواجه أطفال التوحد تحديا إضافيا يتمثل في نقص الغذاء، لا سيما أن كثيرا منهم يعانون من الانتقائية الغذائية، فلا يتقبلون جميع الأطعمة المتاحة، وقد يقتصر غذاؤهم على أصناف محددة أو أطعمة بألوان وقوام معينين.
وتوضح مسلم أن بعض الأطفال يرفضون تناول الطعام إذا تغير لونه أو نوعه، فيما يعتمد آخرون على الحليب والأجبان أو أصناف محدودة بعينها، وعندما لا تتوافر هذه الأطعمة، تصبح الأسرة أمام معضلة حقيقية، وقد يرفض الطفل تناول البدائل المتاحة، حتى في ظل الجوع ونقص الغذاء.

تقرير وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية حول حجم معاناة غزة
وتؤكد أن هذه المشكلة تفاقمت خلال فترات المجاعة ونقص الإمدادات الغذائية في القطاع، حيث تأثرت أجسام الأطفال بصورة كبيرة، وانعكس ذلك على سلوكياتهم وأدائهم العام وقدرتهم على التعلم وتطوير مهاراتهم، لافتة إلى أن توفير الغذاء المناسب لا يمثل بالنسبة إلى هذه الأسر مسألة تتعلق بالتفضيلات الشخصية، بل يرتبط باحتياجات الطفل وقدرته على تقبل الطعام والحصول على التغذية التي يحتاج إليها، وهو ما يزيد العبء على الأهالي الذين يواجهون ظروفا اقتصادية قاسية ونقصا في المواد الأساسية.
أدوية ومكملات يصعب الوصول إليها
ولا تقل أزمة الأدوية والمكملات الغذائية تعقيدا عن أزمة الغذاء، بحسب تأكيد سهراب مسلم، التي تشير إلى أن وزارة الصحة تواجه نقصا شديدا في الأدوية اللازمة لتلبية الاحتياجات الصحية للسكان في ظل الحرب، الأمر الذي يجعل توفير بعض المكملات التي تحتاج إليها فئات من الأطفال المصابين بالتوحد أكثر صعوبة.
وأعلنت وزارة الصحة بغزة خلال بيان لها في 11 أكتوبر، إلى أن أكثر من 350 ألف مريض بالأمراض المزمنة في قطاع غزة، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، موضحة أن أكثر من 225 ألف مريض يعانون من ارتفاع ضغط الدم، و71 ألفا من السكري.
وأشارت إلى ارتفاع ملفات المرضى المسجلين في مراكز الرعاية الأولية بأكثر من 100% مقارنة بما قبل العدوان، مؤكدة توقف 81% من مراكز الرعاية الأولية التابعة لوزارة الصحة والأونروا عن العمل.
وأكدت الوزارة، أن هناك نقص حاد في أدوية الضغط والأنسولين، وعجز يتجاوز نصف احتياجات الأدوية الأساسية وثلثي المستلزمات الطبية، محذرة من ارتفاع المضاعفات والوفيات، ومطالبات بإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية وفتح المعابر لتسهيل سفر المرضى للعلاج بالخارج.
وتوضح سهراب مسلم، أن مكملات مثل أوميجا 3 وبعض الفيتامينات الخاصة بالأطفال يصعب إدخالها إلى القطاع أو توفيرها بصورة منتظمة، كما أن انقطاعها لفترات طويلة وارتفاع أسعارها عند توافرها يجعلان الحصول عليها خارج قدرة كثير من الأسر.
وتشير إلى أن بعض هذه المكملات كان يُستخدم ضمن خطط الرعاية التي يتلقاها الأطفال، بوصفه جزءًا من متابعة احتياجاتهم الصحية، إلى جانب جلسات التأهيل والأنشطة التعليمية. لكن غياب هذه المستلزمات، بالتزامن مع تعطل جلسات التأهيل لأشهر طويلة، يضاعف الصعوبات التي تواجه الأطفال وأسرهم.
وتقول إن فترات الانقطاع عن الخدمات التأهيلية قد تمتد إلى ستة أو تسعة أشهر، بل تصل في بعض الحالات إلى عام كامل، ما يجعل استعادة المهارات أو مواصلة تطويرها أكثر صعوبة، خاصة عندما تترافق هذه الانقطاعات مع تدهور الظروف المعيشية وعدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.
أطفال يفقدون أسرهم في فوضى النزوح
ومن أكثر المخاطر إيلاما، بحسب تأكيد سهراب مسلم، تعرض الأطفال المصابين بالتوحد للفقدان والانفصال عن أسرهم أثناء النزوح، لاسيما في ظل إقامتهم داخل خيام لا توفر أبوابا أو وسائل حماية كافية، وصعوبة مراقبة حركة الطفل على مدار الساعة.
وتؤكد أن بعض الأطفال قد يخرجون من الخيام أو يتنقلون من مكان إلى آخر دون إدراك للمخاطر، في وقت تعجز فيه الأم أحيانا عن السيطرة على حركة طفلها أو إقناعه بالبقاء في مكانه، لا سيما مع امتداد العمليات العسكرية واقتراب الخطر من مناطق النزوح.
وتروي أن المركز استقبل مؤخرا طفلا مصابا بالتوحد، بعد أن فقدت أسرته القدرة على الوصول إليه، حيث تسلمه جنود إسرائيليون إلى منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، قبل أن ينتقل عبر المؤسسات المعنية إلى مؤسسة فلسطينية، ومن ثم إلى مركز بداية.
وتقول إن التعامل مع الطفل كشف عن حاجته إلى التأهيل والرعاية المتخصصة، إذ تبين أنه لم يتلق، بحسب ما أمكن للمركز ملاحظته، أي نوع من التأهيل، وكانت عملية التواصل معه والتعامل مع احتياجاته صعبة، ولذلك أُودع في مؤسسة للإيواء إلى حين التمكن من الوصول إلى أسرته.
وتضيف أن هناك أسرا أخرى فقدت أبناءها ولا تزال تجهل مصيرهم، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال المصابون بالتوحد في ظروف النزوح، حين يصبح ابتعاد الطفل عن أسرته مسألة قد تتجاوز مجرد الضياع المؤقت إلى انقطاع التواصل معه لفترات غير معلومة.
مراكز التأهيل بين الدمار وتراجع الخدمات
ولم تسلم المؤسسات التي كانت تقدم خدمات التأهيل والرعاية لأطفال التوحد من آثار الحرب، حيث توضح مسلم أن معظم المراكز التي كانت تعمل في هذا المجال تعرضت للتدمير الكلي خلال العدوان، فيما اضطرت مؤسسات أخرى إلى إعادة توجيه جهودها نحو الاستجابة الإنسانية الطارئة، مثل توزيع الطرود الغذائية والملابس، على حساب برامج التأهيل والتعليم.
وتقول إن الاستجابة للاحتياجات الأساسية باتت أولوية لا يمكن تجاوزها في ظل المجاعة والنزوح، لكن ذلك ترك فراغا كبيرا في الخدمات المتخصصة التي يحتاج إليها الأطفال، بما يشمل تعديل السلوك، والتدخل المبكر، وتنمية المهارات، ومساعدة الأطفال على التواصل والتفاعل مع محيطهم.
وتؤكد أن العثور على مركز متخصص قادر على تقديم برامج متكاملة لأطفال التوحد أصبح أكثر صعوبة، في وقت تزداد فيه حاجتهم إلى هذه الخدمات نتيجة الصدمات النفسية والتغيرات السلوكية التي فرضتها الحرب، لافتة إلى أن أطفال التوحد يواجهون تحديات إضافية مقارنة ببعض فئات الإعاقة الأخرى، من حيث محدودية المؤسسات المتخصصة في تقديم خدمات مستمرة لهم، وصعوبة الوصول إلى التشخيص المناسب وبرامج التأهيل، فبينما توجد مؤسسات تقدم خدمات محددة للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية أو السمعية، لا يجد كثير من الأطفال المصابين بالتوحد خدمات مماثلة تلبي احتياجاتهم بصورة كافية.
رحلة شاقة للوصول إلى الرعاية
ولا تقتصر العقبات على تدمير المراكز أو نقص الخدمات، بل تمتد إلى صعوبة الوصول إلى ما تبقى منها، وتقول سهراب مسلم، إن انعدام وسائل النقل أو تعطلها داخل القطاع يجعل انتقال الأطفال إلى مراكز التأهيل مهمة شاقة، تضطر معها بعض الأمهات إلى السير لمسافات طويلة برفقة أطفالهن.
وتزداد صعوبة هذه الرحلة عندما يكون الطفل حساسا للتغيرات المحيطة أو يجد مشقة في التعامل مع الضوضاء والازدحام والبيئات غير المألوفة، بالإضافة إلى الإجهاد الذي تتحمله الأم في ظل ظروف النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية.
وتوضح أن بعض الأسر لا تعرف إلى أين تتوجه عندما تلاحظ تأخرا في نمو طفلها أو صعوبات في التواصل والسلوك، في ظل ضعف إمكانات التشخيص وتراجع الخدمات المتخصصة، وهكذا، تتداخل صعوبة الوصول إلى المعلومات مع غياب المواصلات وقلة المراكز، لتتحول رحلة البحث عن المساعدة إلى عبء إضافي على أسر أنهكتها الحرب.
وفي ظل هذا الواقع، تؤكد مسلم أن أطفال التوحد يحتاجون إلى اهتمام يتجاوز توفير المأوى والغذاء، ليشمل إعادة بناء خدمات التشخيص والتأهيل والتدخل المبكر، وتوفير بيئات آمنة ومستقرة تراعي احتياجاتهم، ومساندة أسرهم نفسيا واجتماعيا، واستمرار انقطاع هذه الخدمات لا يعني فقط حرمان الأطفال من فرص التعلم والتطور، بل يتركهم أيضا أكثر عرضة للمخاطر في بيئة لا تمنحهم الحد الأدنى من الأمان الذي يحتاجون إليه.
محمد عبدالغني.. حرب أعادت به خطوات الدمج إلى نقطة الصفر
لم تكن الحرب على غزة بالنسبة إلى محمد عبدالغني مجرد قصف ونزوح وجوع وخوف، بل كانت معاناة مضاعفة انتزعت منه روتينه اليومي، وقطعت طريقه نحو التعلم والاندماج، وأعادته خطوات إلى الوراء بعد أن بدأ يحقق تقدما ملحوظا في مسيرته التعليمية والسلوكية، فالطفل المصاب بالتوحد، لم يكن وحده من واجه قسوة الحرب، بل خاضت أسرته معه معركة يومية لتوفير الأمان والاحتياجات الأساسية، ومحاولة الحفاظ على ما بناه من قدرات ومهارات قبل اندلاعها.
ويروي والده، عبدالغني الشامي، جانبا من هذه المعاناة، قائلا إن الحرب تضاعف أوجاع أسر أطفال التوحد، لأن احتياجات أبنائهم تختلف عن احتياجات الأطفال الآخرين، فهم يحتاجون إلى رعاية خاصة وجلسات تأهيلية منتظمة وبيئة مستقرة تساعدهم على التكيف والتعلم.

محمد عبد الغني مريض التوحد في غزة
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "طفل التوحد يتعرض لما يتعرض له سائر الناس من قصف وخوف ونزوح، لكن الأمر بالنسبة إليه يختلف كليا، وهذا الطفل له احتياجاته وخصوصيته، ويحتاج إلى جلسات متواصلة ومتابعة في مراكز متخصصة، وعندما تتوقف هذه الجلسات بسبب الحرب، تتفاقم حالته، وقد يفقد جزءاً مما اكتسبه من مهارات".
ويوضح أن تأثير الحرب يختلف باختلاف طبيعة كل حالة؛ فبعض الأطفال قد تزداد لديهم السلوكيات العدوانية أو نوبات التوتر، الأمر الذي ينعكس على الطفل وأفراد أسرته، خاصة في ظل أصوات الانفجارات المتواصلة والضجيج والخوف من القصف، مضيفا: "طفل التوحد قد لا يحتمل أصوات الانفجارات أو الضوضاء المحيطة به، ومع استمرار هذه الظروف تتدهور حالته النفسية، وتصبح الحياة داخل المنزل أكثر صعوبة".
ولا تتوقف المعاناة عند الخوف، حيث يشكل النزوح تحديا إضافيا للأطفال المصابين بالتوحد، الذين يحتاجون إلى مرافقة دائمة ومساعدة في الحركة والتنقل، وقد لا يدركون طبيعة الخطر الذي يحيط بهم أو وجهة الهروب، حيث يؤكد الشامي أن الطفل الذي يستطيع التحرك بمفرده أو الاستجابة السريعة لتعليمات النجاة قد لا يتمكن من ذلك بالسهولة نفسها حين يكون مصاباً بالتوحد، فهو يحتاج إلى من يمسك بيده ويرافقه ويحميه.
ويشير إلى أن أطفالا مصابين بالتوحد فقدوا حياتهم خلال الحرب، سواء جراء القصف المباشر أو أثناء النزوح، أو بعدما ابتعدوا عن أسرهم ووصلوا إلى مناطق خطرة. ويقول بأسى إن بعض هؤلاء الأطفال قد لا يستطيعون إدراك طبيعة الخطر الذي يواجهونه، ما يجعلهم أكثر عرضة للاستهداف والإصابة، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس.
الجوع.. معركة أخرى لا يفهمها محمد
في شمال غزة، حيث اختارت أسرة محمد البقاء ولم تنزح خلال مراحل الحرب التي يتحدث عنها والده، واجه الطفل مع أسرته المجاعة ونقص الطعام، في وقت كان من الصعب عليه استيعاب سبب اختفاء الوجبات أو عدم توافر الخبز.
ويستعيد الشامي تلك الأيام قائلا: "كنا نحاول توفير كل السبل حتى يبقى محمد سعيدا وبعيدا عن التوتر، حتى في ظل القصف الشديد، لكننا عشنا المجاعة معه، وكان من الصعب أن نشرح له أنه لا يوجد طعام، ووصلت بنا الأمور إلى أن الوجبة الصغيرة أو قطعة الخبز لم تكن تتوافر كل يوم، وأحيانا كنا ننتظر يومين حتى نحصل على شيء نأكله".
ويتابع: "كان محمد يبكي ويلتف في أرجاء المنزل بحثا عن الطعام، ويحاول معرفة المكان الذي نخزن فيه ما يتوافر لدينا، وكنا إذا حصلنا على كمية من الخبز نخفيها ونوزعها على الأيام التالية، لأننا لم نكن نعرف متى ستنتهي المجاعة".
يبتسم الأب وهو يستعيد موقفا صغيرا من قلب تلك الأيام القاسية، قائلا إن محمد اكتشف ذات مرة مكان الخبز الذي أخفته الأسرة، وكان ما لديها من أرغفة يكفي أفرادها لنحو ثلاثة أو أربعة أيام، لكن الطفل أكل وحده جزءا كبيرا منها، مضيفا: "هذه واحدة من الطرائف التي حدثت معنا وسط كل هذا الألم، حتى في هذه التفاصيل البسيطة كانت معاناتنا مضاعفة، لأننا كنا نحاول إطعامه وطمأنته، وفي الوقت نفسه نشرح له أمورا يصعب عليه فهمها".
37 يوما من التقدم.. أوقفتها الحرب
قبل اندلاع الحرب، كانت أسرة محمد تعقد آمالا كبيرة على تقدمه التعليمي والاجتماعي، بعدما اتخذت خطوة مهمة بإلحاقه بمدرسة عامة، عقب انتقاله من مدرسة متخصصة بالتوحد إلى نظام الدمج التعليمي، حيث كان يدرس في الصف الثالث بمساعدة معلم ظل يعرفه من جلساته التأهيلية السابقة.
ويقول الشامي إن محمد أمضى نحو 37 يوما في المدرسة قبل أن تتوقف العملية التعليمية بسبب الحرب، وهي فترة قصيرة في حساب الزمن، لكنها كانت فارقة في حياة الطفل وأسرته، مضيفا: "كنا نعول كثيرا على هذه الخطوة. محمد كان قد بدأ يندمج مع الأطفال، وأصبح يحب المدرسة ويذهب إليها برغبة، ويستيقظ صباحا مستعدا للذهاب، كان معلم الظل يرافقه، وبدأنا نشعر بأن ابننا يخطو نحو مرحلة جديدة، والجهد الذي بذلناه معه على مدار سنوات بدأ يؤتي ثماره".
الحرب أوقفت كل شيء، حيث يقول الأب: "خلال هذه الأيام السبعة والثلاثين رأينا تغيرا كبيرا في شخصية محمد، وقلنا الحمد لله، لقد بدأ يندمج ويتقدم. ثم اندلعت الحرب، وتوقفت المدرسة والجلسات، وشعرنا وكأن كل ما بنيناه قد انهار، وعدنا إلى نقطة الصفر".
لم يستسلم الشامي أمام هذا التراجع، فحاول التواصل مع معلم ابنه لمواصلة الجلسات قدر الإمكان، رغم أن كلا منهما كان موجودا في منطقة مختلفة، وسط ظروف أمنية بالغة الخطورة، وكان المعلم يخاطر أحيانا بالوصول إلى محمد لتقديم جلسة أو جلستين، أو اصطحابه في نشاط يساعده على استعادة شيء من روتينه المعتاد.
ومن بين اللحظات التي لا ينساها الأب، زيارة المدرسة التي كان محمد يتعلم فيها قبل الحرب، حيث كانت المدرسة قد أحيطت بالدمار وخلت من الطلاب، لكن الهدف من الزيارة لم يكن تلقي الدروس وحدها، بل إعادة وصل الطفل بذاكرته ومكانه المألوف، حيث يقول الشامي: "أخذناه إلى المدرسة حتى يتذكرها، وبالفعل تعرف إليها ودخل صفه، وبدأ معلمه يعطيه بعض الدروس داخله، كانت المدرسة شبه فارغة، والدمار يحيط بها، لكننا أردنا أن نعزز ذاكرته ونحافظ على ارتباطه بالتعلم، حتى لا يفقد كل ما اكتسب".
ثلاث مرات أفلت فيها من يد أسرته
وفي ظل شح المياه وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، حاولت الأسرة إشراك محمد في بعض الأعمال اليومية المناسبة له، حتى يشعر بأنه جزء من تفاصيل الحياة العائلية، ويحافظ على قدر من النشاط والاستقلالية رغم الظروف الاستثنائية.
كان الشامي يحاول، بمساعدة الأم وإخوة محمد، إسناد مهام بسيطة إليه، مثل المساعدة في إحضار الأغراض أو نقل المياه، ويقول إن الأسرة كانت تضطر إلى جلب المياه من مسافات بعيدة، ثم حملها إلى الطابق الثالث من المنزل، حيث يقيمون، لتلبية احتياجات الشرب والغسيل والاستحمام.
ويضيف: "كنا نحاول أن نعطيه دورا في البيت، ويشعر بأنه يساعدنا، لكن حتى هذه الأمور لم تكن سهلة، كنت أخرج معه يوميا عندما تهدأ الأوضاع قليلا، غير أن الخروج معه كان محفوفا بالخطر، فقد يمشي إلى جانبك، ثم يفلت يدك فجأة ويركض من دون أن تدرك إلى أين يتجه".
ويستعيد الأب بقلق ثلاث مرات هرب فيها محمد من أسرته خلال الحرب، إحداها حين كان برفقته في السوق، قبل أن يتمكن أشخاص موجودون في المكان من العثور عليه وإعادته، أما المرة الأخطر، فوصل فيها الطفل إلى منطقة قريبة من الدبابات، في واقعة يصفها والده بأنها نجاة بأعجوبة.
ويقول الشامي: "هرب منا محمد ثلاث مرات خلال الحرب، وفي إحدى المرات وصل إلى مكان قريب من الدبابات، كانت لحظات صعبة للغاية، ولم نكن نعرف ماذا يمكن أن يحدث له، الحمد لله أنه عاد إلينا سالما، في مثل هذه الظروف، لا تكون مسؤولية الأب مجرد حماية طفله من القصف، بل أيضا حمايته من أخطار قد لا يستطيع هو نفسه إدراكها".
العودة إلى المدرسة.. والأخت معلمة ظل
اليوم، يدرس محمد في الصف السادس ضمن نظام الدمج في مدرسة عادية، في خطوة تعكس إصرار أسرته على مواصلة تعليمه وعدم ترك الحرب تحرمه من حقه في التعلم والتطور، غير أن استئناف الدراسة لا يعني انتهاء المعاناة، فالأزمة التعليمية ونقص الكوادر المتخصصة ما زالا يضعان الأسرة أمام تحديات جديدة.
ويوضح الشامي أن الأسرة واجهت صعوبة في العثور على معلم ظل يرافق محمد داخل المدرسة، بعدما اعتذر معلمان سبق أن توليا هذه المهمة بسبب ارتباطهما بأعمال ومشروعات أخرى في قطاع التعليم.
وأمام هذا الواقع، تولت شقيقته آلاء، التي تدرس في السنة الجامعية الأولى، مرافقته إلى المدرسة ومساعدته داخل الصف، وبسبب نقص المدارس والصفوف المتاحة، لا يذهب محمد إلى المدرسة يوميا، بل يتوجه إليها يوما بعد يوم، برفقة أخته التي تحاول توفير الدعم الذي يحتاج إليه.
ويقول الأب: "آلاء تذهب معه وتجلس إلى جانبه في الصف، والحمد لله أموره جيدة، وهو يشارك في الدروس، لكننا ما زلنا بحاجة إلى معلم ظل متخصص يستطيع مرافقته ومساعدته بالطريقة المناسبة، لأن هذه المسؤولية تحتاج إلى خبرة ومتابعة مستمرة".
انهيار المنظومة التعليمية في غزة بسبب الحرب
ورغم كل ما مر به محمد، يتمسك والده بالأمل في أن يستعيد ابنه ما فقده من مهارات، ويواصل تعليمه واندماجه مع أقرانه، بعيداً عن أصوات القصف والخوف والحرمان، حيث يقول الأب: "معاناة أطفال التوحد وأسرهم في الحرب مختلفة ومضاعفة؛ فهم يحتاجون إلى الأمان والاستقرار والجلسات المتخصصة، وهذه كلها أمور يصعب توفيرها في ظل الحرب، نحن نحاول أن نحافظ على محمد، وأن نساعده على مواصلة حياته وتعليمه رغم كل الظروف، والحمد لله أنه اليوم في المدرسة، ويشارك في الصف، ونتمنى أن يأخذ الله بيده، وأن يظل بخير ويتقدم إلى الأفضل".
أكثر من 8 آلاف طفل.. تقدير يحتاج إلى حصر ميداني
يمثل تحديد عدد الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في غزة إحدى أبرز الفجوات التي تعيق التخطيط للاستجابة، فالأرقام المسجلة لدى المؤسسات لا تعكس بالضرورة العدد الإجمالي للأطفال، وقد تشمل قوائم مختلفة للأطفال أنفسهم، أو تستبعد أسرا لم تتمكن من الوصول إلى أي جهة متخصصة.
ويشير الخبير في مجال التوحد الدكتور أحمد أبو ندي إلى أن غياب قاعدة بيانات موحدة يجعل من الصعب معرفة عدد الأطفال الذين يتلقون خدمات منتظمة، وأولئك الذين انقطعت خدماتهم، والحالات التي تحتاج إلى تقييم تشخيصي، فضلًا عن تحديد أماكن وجود الأطفال بعد موجات النزوح.
وتوفر التقديرات الدولية مؤشرا عاما لفهم حجم انتشار اضطراب طيف التوحد، لكنها لا تغني عن إجراء دراسة محلية تراعي الخصائص السكانية في غزة ومدى توافر خدمات التشخيص والاختلافات في منهجيات جمع البيانات.
ويرى أبو ندي أن إسقاط النسبة العالمية مباشرة على أطفال غزة لا يمكن أن ينتج رقما نهائيا للحالات، حيث يتطلب الأمر بيانات سكانية دقيقة للفئة العمرية المستهدفة، ومنهجية واضحة لتقدير الانتشار، وحصرا للحالات المشخصة، مع التمييز بين التشخيص المؤكد والحالات التي تحتاج إلى تقييم متخصص.