لم تكن حكاية بينوكيو، الدمية الخشبية التي يطول أنفها كلما كذبت، مجرد قصة للأطفال عن الصدق والكذب كما عرفها الملايين من خلال فيلم ديزني الشهير، بل حملت الرواية الأصلية للكاتب الإيطالي كارلو كولودي رسائل اجتماعية وسياسية أعمق، جعلت منها وسيلة للدعوة إلى التعليم ومواجهة الفقر وترسيخ الهوية الوطنية الإيطالية في القرن التاسع عشر.
وبحسب قراءة جديدة للرواية، فإن بينوكيو الذي اعتاد الجمهور رؤيته في فيلم ديزني الصادر عام 1940 يختلف كثيرًا عن الشخصية التي ابتكرها كولودي؛ فالدمية الخشبية في النص الأصلي طفل متمرد وأناني وغير مسؤول، يهرب من والده جيبيتو ويرفض الذهاب إلى المدرسة، ويقع باستمرار في مشكلات نتيجة اختياراته وسلوكه، بينما لا يمثل الكذب سوى جانب واحد من أخطائه.
بينوكيو والتعليم في إيطاليا
ظهرت حكاية "مغامرات بينوكيو" للمرة الأولى في حلقات متتابعة عام 1881، عبر صحيفة "جورنال فور ذا تشيلدرن"، وهي أول مطبوعة مخصصة للأطفال في إيطاليا الموحدة حديثًا.
وكان كولودي، واسمه الحقيقي كارلو لورينزيني، من المؤمنين بأهمية التعليم في بناء الدولة الإيطالية، التي توحدت عام 1861 بعد أن كانت مجموعة من الممالك والإمارات والكيانات المستقلة، لكل منها لهجتها وتقاليدها الخاصة.
وعندما توحدت البلاد، لم يكن يجيد القراءة والكتابة سوى نحو 25% من الإيطاليين، لكن هذه النسبة ارتفعت إلى ما يقرب من 40% بحلول عام 1880، مع تطبيق التعليم المجاني والإلزامي.
ومن هنا اكتسبت مغامرات بينوكيو بعدًا تجاوز الترفيه، إذ استخدم الكاتب تحوّل الدمية إلى حمار عقابًا لها على الهروب من المدرسة والذهاب إلى مدينة الألعاب، في إشارة إلى المصير القاسي الذي قد ينتظر الأطفال الذين يرفضون التعليم، ويجدون أنفسهم مستقبلًا في حياة العمالة الشاقة.
رسائل سياسية تتجاوز حكايات الأطفال
لم تقتصر رسائل كولودي على التعليم، بل امتدت إلى نقد الفساد والتمييز الطبقي والسلطة القضائية، إذ تضمنت الرواية مشهدًا ساخرًا يتعرض فيه بينوكيو للظلم عندما يلجأ إلى المحكمة للإبلاغ عن تعرضه للسرقة، لينتهي به الأمر داخل السجن بدلًا من إنصافه.
كما تناول الكاتب الفقر والجوع باعتبارهما جزءًا أساسيًا من حياة شخصياته، فجيبيتو ليس صانع ألعاب يعيش في منزل خيالي مريح، وإنما نجار فقير يكافح من أجل توفير لقمة العيش، بينما يعاني بينوكيو الجوع منذ مغامراته الأولى.
وتنتهي رحلة الدمية الخشبية بتحولها إلى طفل حقيقي، بعدما تتعلم تحمل المسؤولية والعمل والاهتمام بوالدها، وهي رسالة يلخصها المترجمان آنا كراتشينا وجون هوبر في أهمية التعليم والمعرفة وعدم السماح للآخرين بالتحكم في مصائرنا.
وتكشف الرواية، التي أصبحت أول عمل في أدب الطفل الإيطالي يحقق شهرة عالمية واسعة، كيف يمكن لحكاية موجهة للأطفال أن تتحول إلى وسيلة للتغيير الاجتماعي وبناء الهوية الوطنية.