لا تتوقف السيطرة داخل التنظيمات المغلقة عند حدود الالتزام بالتعليمات أو تنفيذ القرارات، وإنما تمتد إلى مساحة أكثر عمقا تتعلق بالمعلومات التي تصل إلى العضو، والمصادر التي يثق بها، والطريقة التي يفسر بها الأحداث من حوله، ففي هذه البيئات، قد تتحول الرواية الصادرة عن القيادة إلى مرجعية وحيدة لفهم الواقع، بينما تصبح المعلومات القادمة من خارج التنظيم محل شك، حتى قبل مناقشة مضمونها أو التحقق من صحتها، وتعتبر خطورة هذا الأسلوب في أنه لا يكتفي بتقديم تفسير محدد للأحداث، بل قد يضع حدودا لما يمكن للعضو أن يصدقه أو يناقشه، ويجعل مراجعة الرواية الداخلية اختبارا للانتماء والولاء، بدلا من أن تكون ممارسة طبيعية لحق الإنسان في السؤال والتفكير.
رواية واحدة.. ومصادر خارج دائرة الثقة
في التنظيمات ذات البنية المغلقة، لا تتعلق المسألة بمجرد اختلاف وجهات النظر، وإنما بمن يمتلك حق تقديم المعلومة وتفسيرها وتحديد مدى موثوقيتها. فعندما تصبح الرواية التنظيمية هي نقطة البداية والنهاية في قراءة الوقائع، يفقد العضو تدريجيا القدرة على المقارنة بين مصادر متعددة، ويصبح تقييمه للمعلومة مرتبطا بموقف التنظيم منها، وليس بالأدلة التي تستند إليها.
المعلومة المخالفة تتحول إلى أزمة ولاء
وتظهر إحدى أبرز صور احتكار الرواية عندما ينتقل النقاش من مضمون المعلومة إلى الشخص الذي يطرحها فبدلا من الإجابة عن سؤال أو مناقشة واقعة، قد يتعرض صاحب السؤال للتشكيك في دوافعه أو انتمائه، ويصبح الاختلاف مع التفسير السائد موضع اتهام، لا فرصة لمراجعة الموقف.
وفي هذا السياق، تحدث إبراهيم ربيع، القيادي الإخواني السابق، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، عن تجربته داخل الجماعة، قائلا: «استراتيجية الجماعة تقوم على تجنب النقاش الحقيقي حول مشروعها وأهدافها، مع إقناع أعضائها بأنهم ضحايا مؤامرة عالمية تستهدف الإسلام والمسلمين، وأن الأنظمة السياسية المحلية جزء من هذه المؤامرة».
وتعكس هذه الشهادة، آلية للتعامل مع الأسئلة المحرجة عبر نقل النقاش من مضمون القضية إلى إطار أوسع يضع الجماعة وأعضاءها في موقع المستهدفين، وهو ما قد يجعل اختبار المعلومات المخالفة أكثر صعوبة، لأن الاعتراض لا يعود مرتبطا بواقعة محددة، بل يُربط بسردية عامة عن الاستهداف والمؤامرة.
خطاب المؤامرة.. إجابة جاهزة عن الأسئلة الصعبة
يمثل خطاب المؤامرة إحدى الطرق التي يمكن أن تُستخدم لتفسير الأحداث المتعارضة مع الرواية الداخلية فبدلا من تفكيك أسباب الإخفاق أو مناقشة الانتقادات أو تقديم إجابات عن الأسئلة المتعلقة بالقرارات، يجري أحيانا وضع الوقائع في سياق استهداف خارجي، بما يقلص مساحة النقاش حول المسؤولية والمراجعة.
وبحسب رواية ربيع، فإن هذا التصور كان حاضرا في تفسير الجماعة لما تتعرض له، إذ يرى أن تصوير الأعضاء باعتبارهم ضحايا مؤامرة ممتدة يجعلهم أكثر ميلا إلى التعامل مع المعلومات الخارجية باعتبارها جزءا من حملة تستهدفهم، لا باعتبارها مواد يمكن فحصها ومناقشتها.
لكن الفارق هنا يظل بين وجود مؤامرات أو ضغوط سياسية حقيقية في بعض السياقات، وبين استخدام فكرة المؤامرة باعتبارها تفسيرا شاملا لا يقبل الاختبار، ويحول دون مناقشة الأخطاء والقرارات الداخلية.
حين يصبح السؤال نفسه موضع مساءلة
وتتضح أزمة احتكار المعلومات عندما لا يجد العضو مساحة آمنة لطرح الأسئلة المتعلقة بأفكار التنظيم أو ممارساته. ويروي ربيع أنه بدأ منذ عام 2000 مراجعة عدد من القضايا الفكرية والتنظيمية، من بينها الحريات داخل الجماعة وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، قبل أن تتسع تساؤلاته بحلول عام 2006 بشأن طبيعة التنظيم وآليات عمله.
وقال ربيع: «لماذا يتم بناء تنظيم حديدي قائم على التجنيد السري؟ ولماذا يتم الاعتماد على آليات أشبه بالعمل الاستخباراتي؟».
وأضاف في وصفه لما واجهه خلال تلك المرحلة: «لم أتلقَّ إجابات حقيقية، ولم أجد مساحة للنقاش، بل واجهت تشكيكا في مستوى إيماني والتزامي الديني».
من تعدد المصادر إلى الانغلاق داخل تفسير واحد
ولا تقتصر آثار احتكار الرواية على موقف العضو من خبر بعينه، بل تمتد إلى قدرته على تكوين تصور مستقل عن المجتمع والسياسة والأحداث. فكلما ضاقت دائرة المصادر الموثوقة، تراجعت فرص المقارنة بين الروايات المختلفة، وأصبح من الصعب التمييز بين المعلومة المؤكدة والتفسير التنظيمي والانطباع الشخصي.
احتكار الحقيقة لا يعني امتلاكها
الفارق الجوهري بين التنظيم الذي يطرح أفكاره للنقاش والتنظيم الذي يحاصر أعضاءه داخل رواية واحدة، يظهر في موقفه من المعلومة المخالفة. فالأول يتيح اختبار ما يقدمه من أفكار، ويقبل المقارنة والمراجعة، بينما تتراجع فرص النقاش في الثاني كلما ارتبطت المعلومة بمساءلة القيادة أو مراجعة المواقف.
فلا تقاس حرية العضو بقدر ما يحفظه من روايات التنظيم، وإنما بقدرته على الوصول إلى مصادر متعددة، وفحص الأدلة، وطرح الأسئلة، والاختلاف دون أن يتحول ذلك إلى اتهام في ولائه أو انتمائه. فالحقيقة لا تصبح ملكا لتنظيم لمجرد أنه يحدد لأعضائه من أين يحصلون عليها، كما أن الثقة لا يمكن أن تكون بديلا عن حق الإنسان في التفكير والتحقق.