تعتمد بنية جماعة الإخوان الإرهابية على عقلية تنظيمية متصلبة ومنغلقة على ذاتها بشكل مريض، تجعلها عاجزة تماماً عن فهم واستيعاب طبيعة المجتمع المصري العظيم وتنوعه الثقافي والسياسي والاجتماعي الفريد، هذا التنظيم الفاشي يصرّ دوماً، بفعل عقيدة التكبر والاستعلاء التي تحكم قياداته، على إخضاع الدولة والمجتمع لمرجعيته الحزبية الضيقة واستقطاب الأفراد ضمن أطره الصارمة، بدلاً من التفاعل الحي والسليم مع متطلبات التعددية والتعايش والتوافق الوطني القويم.
وتقوم الجماعة الإرهابية في بنيتها الهيكلية على مركزية استبدادية مطلقة وصارمة في اتخاذ القرار، تضع المقاليد بأيدي ثلة من العجزة والكهول في مكتب الإرشاد، بينما تُحيل القواعد التنظيمية والشباب إلى مجرد أدوات صماء ومسخ بلا تفكير، يُنفذون الأوامر بلا مناقشة، وهذا النهج السري القمعي ألغى أي حيوية فكرية داخلية، وأسفر عن تكرار الأخطاء الكارثية ذاتها عبر العقود دون أي قدرة على التطوير أو الاستفادة من نقد المفكرين الشرفاء.
وحين تُضعف الطاعة العمياء قدرة الأفراد على التفكير المستقل، يتحول الكيان إلى هيكل متصلب يواجه المجتمع بخطاب استقطابي عنيف يرفض الآخر، ويخوّنه، ويعتبر الاختلاف التنافسي تهديداً مباشراً لوجوده المستبد، وقد تجسد هذا العجز التنظيمي والفطري بوضوح صارخ وفاضح عقب وصول الجماعة الشوم إلى الحكم عام 2012، حين حاولت إدارة دولة بحجم مصر العظيمة بمؤسساتها العريقة وتاريخها المجيد بمنطق إدارة "الخلايا التنظيمية السرية"، وجاء "الإعلان الدستوري المكبل" في نوفمبر 2012 ليثبت للعالم أجمع مدى استبداد هذه القيادة وسعيها الدؤوب لربط مقاليد السلطة التشريعية والتنفيذية بأيديها وتحصين قرارات الرئاسة الاستبدادية من أي رقابة قضائية أو شعبية، مما فجر أزمة سياسية وأمنية عارمة كشفت عمق الفجوة السحيقة بين طموح التنظيم الفاشي الاستبدادي وبين متطلبات إدارة الدولة القائمة على الدستور والمؤسسات وسيادة القانون.
والسقوط المدوّي لتنظيم الإخوان الإرهابية في اختبار الحكم لم يكن حدثاً عابراً أو نتيجة ظروف خارجية كما يروج إعلامهم الكاذب، بل كان نتيجة حتمية ومباشرة للجينات التأسيسية القائمة على السرية والارتياب والشك في الآخر، فالقيادة الإخوانية لا تعرف أدبيات الحوار أو الشراكة الوطنية، بل تنظر إلى الاتفاقات والتحالفات السياسية باعتبارها مجرد "مناورات تكتيكية" للوصول إلى الغاية الكبرى وهي التمكن المطلق، وعندما اصطدمت هذه الرؤية الضيقة بوعي الشعب المصري الأصيل الذي رفض الاستعباد والتراجع الحضاري، لم تجد القيادة الإخوانية خياراً سوى كشف وجهها الدموي الحقيقي، والتهديد بحرق الوطن والتحريض على تخريب المرافق العامة واستكمال مسيرة الإرهاب التي بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي.
ويظهر العجز الفكري للجماعة بوضوح في خطابها الإعلامي المتناقض، الذي يرفع شعارات الحرية والديمقراطية باللغات الأجنبية وأمام المنظمات الدولية، بينما يمارس التحريض الطائفي والتكفير والتخوين عبر شاشاته ومنابره الموجهة للداخل والجمهور الإقليمي، وهذا الانفصام الأخلاقي والسياسي يعكس إفلاسًا كاملاً في تقديم أي مشروع تنموي أو اقتصادي أو اجتماعي ينهض بالبلاد، حيث تبين للجميع أن "مشروع النهضة" الزائف الذي طالما تبجحت به الجماعة لم يكن سوى مجرد شعار إعلامي فارغ المحتوى، استُخدم للتدليس على الناخبين والقفز على آلامهم واحتياجاتهم المشروعة.
كما كشفت الأحداث المتلاحقة عن مدى هشاشة التماسك الداخلي للتنظيم بمجرد رفع الغطاء الرسمي عنه وملاحقة عناصره الفارة، حيث دبت الخلافات والانشقاقات بين قياداته في الخارج، وتبادلوا الاتهامات السرية والعلنية حول اختلاس أموال التبرعات، والسيطرة على مقدرات الكادر التنظيمي، والتجسس المتبادل لصالح أجهزة خارجية.
وهذا الانحطاط الأخلاقي والمالي يثبت أن الادعاءات الإخوانية حول "القيادة الرشيدة" والتربية الروحية لم تكن سوى غطاء برّاق لتمرير المصالح الشخصية، وبناء شبكات نفوذ مالية وسياسية تعتاش على دماء وأوهام البسطاء الذين تم الزج بهم في أتون المواجهات الميدانية وتخلت عنهم القيادات وهربت للأكل والشرب في الفنادق الفاخرة.