في ثقافة التنظيم، ليست الطاعة مجرد مرونة في العمل الجماعي أو التزام بقرارات الأغلبية، بل هي طاعة عمياء قائمة على تعطيل العقل النقدي وتهميش العاطفة والضمير الفردي لصالح القرار التنظيمي، يُربى العضو داخل الأسر والكتائب على قاعدة "الميت بين يدي المغسل"، حيث يُصبح التفكير الفردي قريناً للتردد، والتساؤل نوعاً من الفتنة، والاعتراض خروجاً عن الصف، وهي آلية ناعمة لتغييب الوعي تسلب العضو قدرته على التمييز بين الحق والباطل، وتحوله إلى مجرد أداة تنفيدية في يد القيادة، حيث لا تتوقف العلاقة بين العضو والتنظيم داخل جماعة الإخوان الإرهابية عند حدود الانضمام أو الاقتناع بالأفكار وإنما تمتد إلى منظومة من الالتزامات والتراتبية التنظيمية التي تضع مسألة الطاعة في مركز العلاقة بين الفرد والقيادة فداخل هذا البناء لا تتعلق القضية بمجرد تنفيذ توجيهات عابرة، بل بطبيعة المساحة المتاحة للعضو في السؤال والمناقشة والاعتراض، ومدى استقلال قراره عن توجيهات المستويات الأعلى.
وفي كتابيه "سر المعبد" و"قلب الإخوان"، قدم الدكتور ثروت الخرباوي، القيادي المنشق عن الجماعة، روايته عن تفاصيل من الحياة التنظيمية الداخلية، متناولا البيعة والدوائر المغلقة والتدرج داخل الهيكل، وما يصفه من آليات لضبط علاقة العضو بالتنظيم
الطاعة.. من الانضباط التنظيمي إلى غياب مساحة الاعتراض
في تناوله لثقافة السمع والطاعة، لفت الخرباوي في كتاب "قلب الإخوان" إلى مركزية الانضباط داخل البناء التنظيمي، حيث تتحرك التوجيهات عبر مستويات هرمية تبدأ من القيادة وتصل إلى القواعد، ويُنتظر من العضو الالتزام بما يصدر عن المسؤول التنظيمي في نطاقه، ووفقا لما يعرضه الكتاب، لا تقتصر المسألة على تنظيم العمل وتوزيع المهام، وإنما ترتبط أيضا بتكوين العضو وطريقة تعامله مع القرارات الصادرة من أعلى.
وتكمن الإشكالية التي يطرحها هذا النموذج في المسافة الفاصلة بين الانضباط المطلوب لإنجاح أي عمل جماعي، وبين الطاعة التي تتجاوز حدود التكليف إلى تقليص مساحة التفكير المستقل فحين يصبح معيار الالتزام هو سرعة تنفيذ الأمر، ويتراجع حق العضو في طلب التفسير أو إبداء التحفظ، تتحول العلاقة من تعاون تنظيمي إلى علاقة غير متكافئة، يحتكر فيها مستوى القيادة سلطة التوجيه، بينما يتحمل العضو مسؤولية التنفيذ.
وهنا تبرز خطورة السمع والطاعة العمياء لأنها لا تتعلق فقط بقرار واحد أو موقف بعينه، بل بترسيخ نمط من العلاقة يجعل الرجوع إلى القيادة سابقا على التقدير الشخصي، ويضع الانصياع في مواجهة السؤال والمراجعة.
البيعة المغلقة.. مستويات مختلفة من الالتزام
ومن أبرز الملفات التي تناولها الخرباوي في شهاداته التمييز بين ما وصفه ببيعة الدعوة والبيعة المغلقة، التي أطلق عليها بيعة الدم، فقد قال إن هناك بيعة ترتبط بالانخراط في الأنشطة الدعوية أو النقابية أو البرلمانية والسياسية، وأخرى قال إنها تخص أفرادا يتم اختيارهم داخل دوائر أكثر انغلاقا من التنظيم.
وبحسب روايته، ترتبط البيعة الثانية بدرجة أعلى من الالتزام، وتقوم على استعداد العضو لتنفيذ ما يطلب منه دون مناقشة، مستندا إلى اعتقاده بأن القيادة درست الأمر من الناحية الدينية والتنظيمية، كما تحدث الخرباوي عن خطورة ما وصفه بالبيعة المغلقة، وما يرتبط بها من التزامات تتعلق بأسرار التنظيم وحدود العلاقة بين العضو والكيان.
وهذه الرواية تضع مفهوم الطاعة أمام صورة أكثر تعقيدا من مجرد الالتزام الإداري إذ يقدم الخرباوي البيعة المغلقة باعتبارها مستوى من الارتباط يتجاوز المشاركة في نشاط الجماعة الإرهابية إلى استعداد لتنفيذ تكليفات بالغة الخطورة.
من يملك القرار.. ومن يتحمل مسؤولية التنفيذ؟
تتصل ثقافة السمع والطاعة، وفق ما يطرحه الخرباوي في كتابيه، بطبيعة الهيكل الهرمي وتفاوت مستويات المعرفة داخله فكلما ارتفع العضو في السلم التنظيمي، اقترب من دوائر أوسع للمعلومات وصناعة القرار، بينما تتحرك التوجيهات إلى المستويات الأدنى في صورة تكليفات يتعين تنفيذها، وهو الترتيب الذي يثير تساؤل حول حدود مشاركة القواعد في صناعة القرار: هل يملك العضو حق معرفة خلفيات التكليف ومناقشة أسبابه، أم أن دوره ينحصر في تنفيذ ما يصدر إليه؟ فالفارق كبير بين تنظيم يستفيد من خبرات أعضائه ويتيح لهم مراجعة قراراته، وبين بناء تصبح فيه الثقة في القيادة بديلا عن المعرفة، ويُقاس فيه الانتماء بمدى الالتزام بالتوجيهات.
وفي هذا السياق، لا تبدو الطاعة مجرد قيمة تنظيمية منفصلة عن بقية مكونات البناء، بل ترتبط بالبيعة والتدرج والدوائر المغلقة إذ تتكامل هذه العناصر، بحسب قراءة الخرباوي، في تشكيل علاقة العضو بالقيادة، وتحديد ما يعرفه وما يُطلب منه وما يملك حق مناقشته.
حين يصبح الاختلاف اختبارا للولاء
الأخطر في منظومة الطاعة، كما تعرضها شهادة الخرباوي، هو احتمال انتقالها من تنظيم العمل إلى التأثير في قناعات العضو ومواقفه الشخصية والسياسية، فعندما يُطلب من الفرد تبني موقف الجماعة باعتباره الموقف الواجب الالتزام به، حتى في وجود رأي شخصي مختلف، يصبح الاختلاف عبئا على صاحبه، وقد يتحول النقاش من وسيلة لتصحيح القرار إلى اختبار لمدى الولاء والانضباط.
وتتجاوز هذه الإشكالية حدود الخلاف حول قرار تنظيمي لأنها تمس استقلال الفرد وقدرته على تكوين موقفه بناء على ما يراه من معلومات واعتبارات، فالتنظيم الذي يتيح النقد والمراجعة يمنح أعضاءه مساحة للمشاركة وتحمل المسؤولية أما حين تتقدم الطاعة على الاقتناع، فإن العضو قد يجد نفسه أمام معادلة قوامها الاختيار بين رأيه الشخصي ومتطلبات الانتماء.
فبين البيعة المغلقة وتنفيذ الأوامر، يرسم الخرباوي صورة لعلاقة تنظيمية تتقدم فيها سلطة القيادة على مساحة القرار الفردي، وتصبح فيها الطاعة معيارا حاسما للانتماء وهي المساحة التي تستحق التوقف أمامها عند قراءة طبيعة التنظيم، لا باعتبار السمع والطاعة مجرد شعار، وإنما باعتبارهما مدخلا لفهم من يقرر داخل الجماعة، ومن ينفذ، وما المساحة المتاحة لمن يريد أن يقول: لا أقتنع.