أكد الدكتور عيسى زيدان، مدير عام الترميم ونقل الآثار بالمتحف المصري الكبير، أن مركز الترميم يواصل منذ افتتاح المتحف أداء دوره باعتباره مركزًا علميًا متخصصًا في ترميم وصيانة الآثار والبحث العلمي والنشر الأكاديمي، والعناية بالمجموعات الأثرية، إلى جانب تدريب الكوادر المتخصصة وتبادل الخبرات، مشيرًا إلى حرص المتحف على توسيع نطاق التعاون الدولي مع المؤسسات العلمية والبحثية والمتاحف العالمية، من خلال الشراكات ومذكرات التفاهم مع مؤسسات من فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية، بما يسهم في تبادل المعرفة والخبرات وتطوير أساليب الترميم والصيانة وفقًا لأحدث المعايير العلمية والتقنيات الحديثة.
وأوضح زيدان أن التعاون مع الجانب الفرنسي أسهم في تأسيس وتطوير مكتبة المتحف المصري الكبير، فيما ساهم التعاون مع الجانب الكوري في تدريب المرممين وتأهيلهم وتبادل الخبرات الفنية والتقنية، بما يدعم تطوير منظومة العمل المتحفي وفقًا لأحدث المعايير الدولية.
وأضاف أن التعاون مع الجانب الياباني يمثل أحد أبرز نماذج الشراكات الدولية، حيث يشمل مشروع ترميم ونقل وتجميع مركب الملك خوفو الثانية، إلى جانب مشروع التعاون المصري الياباني المشترك الخاص بمركز المتحف المصري الكبير العالمي للترميم والبحث العلمي (GEM-GHUB)، الذي يمتد على مدار ثلاث سنوات، ويرتكز على ثلاثة محاور رئيسية، هي رعاية المجموعات الأثرية والحفاظ عليها (Collection Care)، والنشر العلمي (Scientific Publication)، والتدريب وبناء القدرات (Training and Capacity Building).
وأشار إلى أن المشروع يتضمن أيضًا تبادل الخبراء والمتخصصين بين البلدين، ونقل المعرفة والخبرات الفنية والتقنية، وتنمية مهارات الكوادر العاملة في المجالات الأثرية والمتحفية، مؤكدًا أن هذه الشراكات تستهدف الاستفادة من الإمكانات والتجهيزات المتخصصة التي يمتلكها مركز الترميم وكوادره العلمية المؤهلة، لتعزيز دوره منصة دولية للبحث العلمي ونقل المعرفة وبناء القدرات، بما يدعم جهود الحفاظ على التراث الحضاري ويعزز مكانة مصر في هذا المجال.
منظومة متكاملة لصيانة الآثار والحفاظ عليها
وأكد مدير عام الترميم ونقل الآثار أن مركز الترميم يؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على المجموعات الأثرية بالمتحف، من خلال منظومة متكاملة تشمل أعمال الترميم والصيانة الوقائية، والمتابعة الدورية لحالة الآثار المعروضة في قاعات العرض الرئيسية وقاعات الملك توت عنخ آمون، وعلى الدرج العظيم وفي البهو العظيم، فضلًا عن القطع المحفوظة داخل المخازن الأثرية.
وأوضح أن هذه الأعمال تتضمن الفحص الدوري للقطع الأثرية، وتنفيذ برامج الصيانة الوقائية، ومراقبة الظروف البيئية المحيطة بها، بما في ذلك درجات الحرارة والرطوبة ومستويات الإضاءة، وفقًا لطبيعة كل قطعة ومتطلبات حفظها، للحد من عوامل التلف وضمان الحفاظ عليها للأجيال القادمة.
وأشار إلى أن من أبرز نماذج هذه الأعمال المتابعة والصيانة الوقائية للتماثيل المعروضة على الدرج العظيم، ومنها تماثيل الملك سنوسرت الأول، وتمثال الملكة حتشبسوت، وتمثال الملك أمنحتب الثالث، إلى جانب عدد من التماثيل الملكية وتماثيل المعبودات المصرية القديمة، فضلًا عن القطع المعروضة في البهو العظيم، وفي مقدمتها تمثال الملك رمسيس الثاني.
وأضاف أن دور المركز يمتد أيضًا إلى المجموعات الأثرية المحفوظة داخل المخازن، من خلال تقييم حالتها وتحديد احتياجاتها من الحفظ والصيانة، وتنفيذ التدخلات الترميمية اللازمة عند الضرورة، لافتًا إلى أن العمل يعتمد على نهج علمي يقوم على الوقاية من عوامل التلف قبل حدوثها، والرصد المستمر لحالة الآثار، والتدخل المدروس عند الحاجة، بما يضمن استدامة المجموعات الأثرية والحفاظ على قيمتها التاريخية والفنية.
تدريب كوادر مصرية ونقل الخبرات إلى الخارج
وأوضح زيدان أن التدريب وبناء القدرات يمثلان أحد المحاور الرئيسية لعمل مركز الترميم، حيث ينظم برامج متخصصة تستهدف المرممين والطلاب والباحثين من داخل مصر وخارجها، في مجالات الترميم والصيانة الوقائية والعناية بالمجموعات الأثرية وأساليب العرض المتحفي.
وأضاف أن المركز يستقبل الطلاب المصريين الدارسين بالخارج، ومن بينهم الدارسون في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة، لإتاحة الفرصة أمامهم لاكتساب الخبرة العملية والاستفادة من خبرات المتخصصين بالمتحف، كما يستقبل متدربين من دول أخرى، من بينها إسبانيا، بالتنسيق مع المؤسسات العلمية والأكاديمية المعنية.
وأشار إلى أن التعاون الدولي لا يقتصر على استقبال المتدربين والخبراء، بل يمتد إلى إيفاد خبراء مصريين للمشاركة في مشروعات ترميم وصون الآثار وتطوير أساليب عرضها في عدد من الدول، ونقل الخبرات العلمية والعملية إلى المؤسسات المعنية بالحفاظ على التراث الثقافي، مستشهدًا بالتعاون مع دولة غينيا الاستوائية للاستفادة من الخبرات المصرية المتخصصة في مجالات الترميم والحفاظ على التراث الأثري.
توثيق مراحل ترميم وتجميع مركب خوفو الثانية
وفيما يتعلق بمشروع مركب الملك خوفو الثانية، أكد مدير عام الترميم ونقل الآثار أن العمل يتواصل حاليًا بالتعاون مع الجانب الياباني على توثيق أعمال ترميم وتجميع المركب داخل متحف مراكب الملك خوفو، في تجربة تتيح للزائرين مشاهدة مراحل العمل أثناء تنفيذها، والتعرف عن قرب على الأساليب العلمية المستخدمة في ترميم الآثار.
وأوضح أن أعمال التوثيق تشمل التصوير الفوتوغرافي والتسجيل المرئي لمراحل العمل، إلى جانب إعداد سجل علمي تفصيلي لعمليات الترميم والتجميع، وأساليب التعامل مع الأجزاء الأثرية للمركب، والتقنيات المستخدمة في الحفاظ عليها.
وأضاف أنه من المقرر، عقب الانتهاء من المشروع، توظيف نتائج هذا التوثيق في إعداد محتوى علمي للعرض المتحفي، يعرّف الزائرين بمراحل المشروع والتحديات الفنية التي واجهت فريق العمل والحلول العلمية التي جرى تطبيقها.
وشدد زيدان على أن الهدف من ذلك هو الحفاظ على المعرفة والخبرات المكتسبة خلال تنفيذ المشروع وإتاحتها للباحثين والمتخصصين والأجيال القادمة، بحيث لا تقتصر أهميته على ترميم المركب وعرضه، بل تمتد ليصبح مرجعًا علميًا وتوثيقيًا يمكن الاستفادة منه في مشروعات الترميم المستقبلية، ونموذجًا لربط العمل الأثري المتخصص بالتجربة المتحفية التفاعلية.
.jpeg)
