تترقب أوروبا نتائج انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكي، المقررة فى 3 نوفمبر باعتبارها محطة مهمة قد تعيد رسم حدود العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، فى ظل تصاعد الخلافات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب فى أوكرانيا، ومستقبل الوجود العسكرى الأمريكي داخل القارة، والرسوم الجمركية التي تهدد التجارة عبر الأطلسى، فضلا عن تداعيات المواجهة مع إيران على أسعار الطاقة والاقتصاد الأوروبى.
وأشارت صحيفة لاراثون الإسبانية فى تقرير نشرته على صفحتها الإلكترونية إلى أن هذه الانتخابات تأتى فى توقيت حساس بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبى ، الذى يواجه تحديات متزامنة تتعلق بأمنه الدفاعى واستقرار أسواق الطاقة وحماية صادراته .
ولا تتعلق أهمية انتخابات التجديد النصفى فقط بتحديد الحزب الذى يسيطر على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وإنما بمدى قدرة الكونجرس على فرض رقابة أكبر على قرارات ترامب الخارجية ، وتقييد بعض تحركاته من خلال الموازنة والتشريعات والتحقيقات البرلمانية.
وأشارت صحيفة البيريوديكو الإسبانية فى تقرير لها إلى أن خسارة الحزب الجمهورى السيطرة على إحدى غرفتى الكونجرس أو كلتيهما قد تضعف النفوذ السياسى لترامب ، وتحوله إلى ما يعرف باسم البطة العرجاء أي رئيس تتراجع قدرته على تمرير أجندته السياسية ، رغم احتفاظه بصلاحياته التنفيذية.
وترى كالوتا جارسيا إنسيتا ، الباحثة الرئيسة فى الشئون الأمريكية والعلاقات عبر الأطلسى بالمعهد الملكى الإسبانى إلكانو ، أن فوز الديمقراطيين لن يؤدى بالضرورة إلى تغير جذرى فى السياسة الخارجية الأمريكية ، لكنه قد يرفع التكلفة السياسية لبعض قرارات ترامب ، ويجعل تنفيذ عدد من تحركاته الخارجية أكثر صعوبة.
1- أوكرانيا.. هل تعيد الانتخابات حسابات الدعم الأمريكي لكييف؟
يأتي مستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا في مقدمة الملفات التي تراقبها أوروبا، وسط مخاوف من أن يؤدي تغير أولويات واشنطن إلى تقليص المساعدات العسكرية والمالية لكييف، بما يضع ضغوطًا إضافية على الحكومات الأوروبية لتعزيز إنفاقها الدفاعي وقدراتها العسكرية.
وفي حال استعادة الديمقراطيين السيطرة على الكونجرس، فقد يدفعون نحو حزم جديدة من المساعدات لأوكرانيا، وتعزيز العقوبات على موسكو، إلى جانب مطالبة إدارة ترامب بتوضيحات بشأن المفاوضات مع روسيا، وهو ما قد يؤثر في مسار الحرب وحسابات الأمن الأوروبي.
كما يمكن لمجلس النواب استخدام سلطته على الموازنة للتأثير في قرارات الإدارة الأمريكية المتعلقة بتمويل أوكرانيا، بما قد يصعب اتخاذ قرار مفاجئ بوقف الدعم أو تقليصه بصورة كبيرة.
2- القوات الأمريكية في أوروبا.. هل يستطيع الكونجرس وقف الانسحاب؟
يمثل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا ملفًا حساسًا، خاصة بعد إعلان ترامب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا وإلغاء نشر 4 آلاف عسكري في بولندا، وسط مخاوف أوروبية من توسيع الانسحاب بما يؤثر على قدرات حلف الناتو ويزيد أعباء الدفاع على الدول الأوروبية.
وفي المقابل، يفرض قانون الدفاع الأمريكي لعام 2026 قيودًا على خفض القوات في أوروبا إلى أقل من 76 ألف جندي، ويلزم وزارة الدفاع بتقييم تداعيات الانسحاب والتشاور مع الحلفاء، كما يضع ضوابط على سحب المعدات وإغلاق المنشآت العسكرية. وتفرض التشريعات أيضًا قيودًا على انسحاب واشنطن من الناتو بصورة منفردة، إذ يتطلب ذلك موافقة الكونجرس أو ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.
3- الرسوم الجمركية.. صادرات أوروبا أمام اختبار جديد
تمتد مخاوف أوروبا من نتائج الانتخابات الأمريكية إلى الاقتصاد والتجارة، خاصة مع الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب، وما تسببه من ضغوط على صادرات الدول الأوروبية إلى السوق الأمريكية، لا سيما قطاعات الزراعة والغذاء والسيارات والصناعة، التي قد تتأثر بارتفاع تكاليف المنتجات وتراجع قدرتها التنافسية.
وفي حال استعادة الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب، فقد يدفعون نحو تشريعات لإلغاء بعض الرسوم أو تقييد صلاحيات ترامب في فرض رسوم جديدة دون موافقة الكونجرس، الذي يمتلك دستوريًا سلطة تنظيم التجارة الخارجية، رغم الصلاحيات الواسعة المفوضة للرئيس، ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في السياسة التجارية الأمريكية.
4- حرب إيران وأسعار الطاقة.. كيف تتأثر أوروبا؟
تأتي الحرب الأمريكية مع إيران ضمن الملفات التي قد تتأثر بنتائج الانتخابات، إذ يمكن للأغلبية الديمقراطية زيادة الرقابة على العمليات العسكرية، ومحاولة تقييد تمويلها أو التدخل الأمريكي في المنطقة، بما ينعكس على مسار التصعيد في الشرق الأوسط.وتكتسب هذه التطورات أهمية لأوروبا بسبب تأثير الحرب على إمدادات النفط والغاز وأسعار الطاقة والتجارة الدولية، إذ قد يخفف تراجع المواجهة الضغوط التضخمية في إسبانيا وبقية القارة، والتي أشار التحليل الإسباني إلى اقترابها من 5%. ومع ذلك، تظل قدرة الكونجرس على إجبار ترامب على وقف العمليات محدودة، في ظل الحاجة إلى أغلبية الثلثين لتجاوز الفيتو الرئاسي.
5- الناتو وأمن أوروبا.. هل تتغير موازين العلاقة عبر الأطلسي؟
تتجاوز تداعيات الانتخابات الملفات المنفردة لتصل إلى مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين داخل الناتو، خاصة في ظل الخلافات بشأن توزيع الأعباء الدفاعية، وحجم الالتزام الأمريكي بأمن القارة.
فالدول الأوروبية تسعى إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، لكنها لا تزال ترى في الوجود الأمريكي عنصرًا أساسيًا في منظومة الردع والدفاع الجماعي.
ومن هنا، فإن أي محاولة لتقليص القوات الأمريكية أو المعدات والمنشآت العسكرية في أوروبا قد تثير تساؤلات حول مدى استقرار الالتزامات الأمريكية تجاه الحلف، وتدفع الحكومات الأوروبية إلى تسريع خططها الدفاعية.
وقد تؤدي سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس إلى زيادة الرقابة على قرارات الإدارة المتعلقة بالناتو، ومطالبتها بتوضيح تداعيات أي تغيير في الانتشار العسكري على أمن الولايات المتحدة والحلفاء.
كما يمكن أن يفتح ذلك المجال أمام نقاش أوسع داخل واشنطن بشأن حدود الصلاحيات الرئاسية في التعامل مع التحالفات الدولية، ومدى تأثير القرارات الأمريكية على استقرار العلاقات مع أوروبا.
3 سيناريوهات لنتائج الانتخابات.. أيها الأكثر تأثيرًا على أوروبا؟
تطرح الانتخابات ثلاثة سيناريوهات رئيسية وفق التحليل الإسباني. يتمثل الأول في استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب ومجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين، وهو السيناريو الأكثر قوة من الناحية التشريعية، لأنه قد يسمح بتجاوز الفيتو الرئاسي. ويتطلب ذلك الحصول على 290 مقعدًا في مجلس النواب و67 مقعدًا في مجلس الشيوخ، إلا أن استطلاعات الرأي لا ترجح تحقق هذه النتيجة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استعادة الديمقراطيين السيطرة على المجلسين بأغلبية محدودة، وهو الاحتمال الذي وصفه التحليل بأنه الأكثر ترجيحًا. وفي هذه الحالة، سيكون بإمكانهم التأثير في التشريعات والموازنة وفتح التحقيقات، وفرض شروط تصعب بعض التحركات الخارجية لإدارة ترامب.
أما السيناريو الثالث، فهو استعادة مجلس النواب وحده، وهو ما يمنح الديمقراطيين قدرة على تعطيل مشروعات القوانين وفتح التحقيقات وممارسة الضغط خلال مفاوضات الموازنة، لكن تأثيرهم المباشر على الحروب والرسوم الجمركية سيظل محدودًا.
أوروبا تنتظر نتائج واشنطن.. هل تتراجع الضغوط الأمريكية؟
بالنسبة إلى أوروبا، لا تكمن أهمية انتخابات 3 نوفمبر في تغيير السياسة الأمريكية بين ليلة وضحاها، وإنما في تحديد مدى قدرة الكونجرس على مراقبة قرارات ترامب ووضع قيود سياسية ومالية أمام بعض تحركاته.
ففي أوكرانيا، قد تعني النتائج استمرار مساحة الدعم الأمريكي لكييف أو زيادة صعوبة تقليصه، وفي ملف الناتو قد تحدد مدى قدرة الإدارة على إعادة تشكيل الوجود العسكري الأمريكي في القارة، بينما تظل الرسوم الجمركية والتوترات التجارية عامل ضغط على الاقتصاد الأوروبي.
أما في الشرق الأوسط، فقد يؤدي تشديد الرقابة على العمليات العسكرية إلى زيادة الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية، وهو ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على أسواق الطاقة الأوروبية.