"لماذا لا نستطيع الاتصال ببابا؟".. ثلاث سنوات على رحيل الشهيد أحمد أبو حبل في غزة.. وأم تخفي دموعها وتحاول أن تكون الأب والأم لطفليها بينما تفتش براءتهما عن طريق يعيد إليهما حضنا غيّبه الموت

الأحد، 01 نوفمبر 2026 03:00 م
"لماذا لا نستطيع الاتصال ببابا؟".. ثلاث سنوات على رحيل الشهيد أحمد أبو حبل في غزة.. وأم تخفي دموعها وتحاول أن تكون الأب والأم لطفليها بينما تفتش براءتهما عن طريق يعيد إليهما حضنا غيّبه الموت الشهيد أحمد ابو جبل وأبنائه

كتب أحمد عرفة

في غزة، لا تنتهي الحكاية عند لحظة الفقد، فبعد رحيل الأحبة، تبدأ حكاية أخرى مع الأطفال الذين لا يفهمون معنى الموت كما يفهمه الكبار، ويظلون ينتظرون إجابة عن أسئلة صغيرة، لكنها تمزق قلوب من يسمعونها.

"لماذا لا نستطيع الاتصال ببابا؟ وهل لا توجد سيارة توصلنا إلى الجنة؟"، سؤالان يختصران وجع طفولة حُرمت من أبيها، وحيرة أم تحاول أن تجمع شتات قلبها لتجيب عن أسئلة طفليها، مسك ومحمود، بعدما غيب الموت والدهما، الشهيد أحمد أبو حبل.

الشهيد أحمد أبو جبل وأبنائه
الشهيد أحمد أبو جبل وأبنائه

كيف يمكن لأم أن تشرح لطفليها أن الأب الذي كان يجيب عن أسئلتهما، ويمنحهما الأمان، ويختصر العالم في حضوره، لم يعد بإمكانهما الاتصال به؟ وكيف تخبر طفلة صغيرة أن الجنة التي تتخيل أباها فيها ليست مكانا يمكن الوصول إليه بسيارة، ولا هاتفا يمكن الاتصال به لسماع صوته والاطمئنان إلى أنه ما زال يتذكرهما؟

منذ ثلاث سنوات، تحاول زوجة الشهيد أحمد أبو حبل أن تتعلم الحياة بوجهين، وجه الأم التي تمنح طفليها الحنان والرعاية، ووجه الأب الذي غاب، وترك وراءه مسؤولية ثقيلة وذكريات لا تزال حاضرة في تفاصيل يومهما، وبين الدورين، تخفي دموعها قدر استطاعتها، وتحاول أن تبدو قوية أمام طفلين لا يعرفان لماذا أصبح مقعد أبيهما فارغا، ولماذا لم يعد صوته يأتي عبر الهاتف.

أسئلة طفولة لا تملك الأم إجابات عنها

بالنسبة إلى مسك ومحمود، لا يبدو الغياب حقيقة مكتملة كما هو في عيون الكبار، فالأطفال لا يستوعبون الموت دفعة واحدة، ولا يفهمون بسهولة أن من اعتادوا اللجوء إليه في كل صغيرة وكبيرة لن يعود إلى المنزل، ولن يجيب عن اتصالاتهم، ولن يكون حاضرا في تفاصيل يومهم كما كان.

تأتي أسئلتهم بعفوية الطفولة وبراءتها، لكنها تقع على قلب الأم كأنها تعيد لحظة الفقد من جديد، "ليه ما بنقدر نتصل على بابا؟"، سؤال قد يبدو بسيطا لطفل، لكنه يضع الأم أمام واحدة من أصعب المهمات الإنسانية، أن تشرح الغياب من دون أن تحطم ما تبقى من طمأنينة، وتجيب عن الحيرة بينما هي نفسها تبحث عن إجابة تخفف ألمها.

وحين تتخيل الطفلة أن هناك سيارة يمكن أن تصل بها إلى الجنة، فإنها لا تبحث عن وسيلة سفر بقدر ما تبحث عن طريق يعيدها إلى أبيها، في عالمها الصغير، لا يزال اللقاء ممكنا، ولا يزال الهاتف وسيلة للحديث، ولا تزال المسافة شيئا يمكن تجاوزه إذا وجد من يدلها على الطريق، أما الأم، فتعرف أن بعض الحقائق أكبر من قدرة الأطفال على استيعابها، وعليها أن تواجه أسئلتهم بصبر وحنان، من دون أن تمنحهم وعودا لا تستطيع تحقيقها، أو تتركهم وحدهم في مواجهة الحزن.

وصية أخيرة ومسؤولية لا تنتهي

لم تترك الأيام للأم رفاهية الانهيار طويلا، فهناك طفلان يحتاجان إليها كل يوم، يحتاجان إلى من يطمئنهما حين يشتاقان، ويستمع إلى أسئلتهما حين يعود الحديث عن الأب، ويمنحهما الشعور بأن الحياة لا تزال تحمل شيئا من الأمان رغم كل ما فقداه.

وتحمل الأم في قلبها وصية زوجها الأخيرة: "ديري بالك عالأولاد"، كلمات قليلة، لكنها أصبحت بالنسبة إليها مسؤولية ممتدة لا تعرف متى تخف وطأتها، فالعناية بمسك ومحمود ليست مجرد توفير احتياجاتهما اليومية، بل محاولة لحمايتهما من قسوة اليتم، ومساعدتهما على النمو وسط واقع يثقل حتى قلوب الكبار، ومنحهما فرصة لأن يعيشا طفولتهما رغم الفراغ الذي تركه غياب أبيهما.

تخفي الأم دموعها أحيانا حتى لا تزيد حزنهما، وتستجمع قوتها لتمنحهما ما يحتاجان إليه من حنان وطمأنينة، لكنها، خلف هذا التماسك، تحمل وجعا لا يراه الطفلان كاملا، وجع امرأة فقدت شريك حياتها، وأصبحت مطالبة بأن تكون السند والملاذ، فيما تحاول هي الأخرى أن تتعايش مع الغياب.

الدعاء يصبح وسيلة للقاء

ثلاث سنوات مرت، لكن الزمن لا يقاس دائما بعدد الأيام التي تنقضي، فهناك لحظات تعود مع كل سؤال، وكل ذكرى، وكل مرة يبحث فيها طفل عن أبيه بين تفاصيل الحياة اليومية، فقد يكبر مسك ومحمود، وقد تتغير طريقة سؤالهما، وربما يفهمان مع مرور الوقت ما لم يستطيعا فهمه اليوم، لكن حاجتهما إلى أبيهما ستظل جزءا من حكايتهما، كما ستظل الأم تحاول أن تحفظ لهما صورته في الذاكرة، وتجعله حاضرا في الدعاء والحكايات والذكريات الجميلة.

لا تستطيع الأم أن تعيد إليهما صوته، ولا أن تمنحهما لقاء يعوض سنوات الغياب، ولا أن تملأ وحدها كل المساحة التي تركها رحيله، لكنها تستطيع أن تبقى إلى جوارهما، وتسمح لهما بالاشتياق، وتستمع إلى أسئلتهما مهما كانت مؤلمة، وتمنحهما الحب الذي يحتاجان إليه كي يواصلا الحياة.

في غزة، حيث تتوالى حكايات الفقد، لا تُقاس المأساة بلحظة الرحيل وحدها، بل تمتد إلى ما بعدها؛ إلى طفل يسأل عن أبيه، وأم تبحث عن الكلمات المناسبة، وبيت يحاول أن يتعلم كيف يعيش بنصف حكاية.

وربما لا تملك هذه الأم جوابا عن سؤال السيارة التي توصل إلى الجنة، ولا وسيلة تجعل الهاتف يعيد صوت أحمد أبو حبل، لكنها تملك ما تستطيع أن تمنحه لطفليها، حضنا لا يغيب، وقلبا يحمل عنهما بعض الألم، ويدا تمسك بأيديهما كلما اشتد الحنين، فبعض الأسئلة الصغيرة لا تحتاج إلى إجابات بقدر ما تحتاج إلى قلب يحتمل وجعها، وبعض الأطفال لا يريدون من العالم كله سوى مكالمة واحدة، يسمعون فيها صوت أبيهم، ويخبرونه أنهم ما زالوا يشتاقون إليه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة