من خلف شاشة هاتف، وبضغطة زر واحدة، يمكن أن تبدأ معركة كاملة على وعي الناس، لا رصاصة تنطلق، ولا دبابة تتحرك، ولا صافرة إنذار تدوي، فقط منشور مجهول أو فيديو مجتزأ أو صورة خارج سياقها، ثم تبدأ ماكينة التدوير في العمل حتى تتحول الكذبة الصغيرة إلى رواية تتداولها الآلاف، ويصبح الوصول إلى الحقيقة أصعب من الوصول إلى الشائعة.
هذه هي المعركة التي أتقنت جماعة الإخوان الإرهابية استغلال مساحتها الرقمية، عبر منصات وحسابات تروج لرواياتها وتعيد تدوير الادعاءات المضللة، مستفيدة من سرعة انتشار السوشيال ميديا وقدرتها على تحويل المحتوى المثير إلى موجات متلاحقة من التفاعل. ولم تعد المعركة مجرد محاولة لتمرير معلومة كاذبة، وإنما استهداف الثقة نفسها، وإغراق الجمهور في سيل من الادعاءات حتى تختلط الحقيقة بالشائعة ويصبح التشكيك غاية في حد ذاته.
الشائعة.. رصاصة رقمية بلا صوت
الشائعة لا تحتاج إلى غرفة عمليات ضخمة حتى تنطلق، فقد تبدأ من حساب مجهول، أو صفحة بلا هوية واضحة، أو منشور يحمل عبارة من نوع "مصدر خاص" أو "أنباء عاجلة"، ثم تنتقل إلى صفحات أخرى، وتتحول إلى فيديو قصير، ثم إلى ريلز، ثم تعود في صورة منشور جديد يحمل تفاصيل إضافية لم تكن موجودة في الرواية الأولى، وهنا تكمن الحيلة الأخطر وهي إعادة التكرار تصنع وهما بالمصداقية، فالمستخدم يرى الرواية أمامه مرة، ثم ثانية، ثم عاشرة، فيتصور أن كثرة تداولها دليل على صحتها، بينما قد لا يكون وراء كل هذا الضجيج مصدر موثوق واحد.
الإخوان.. صناعة رواية من خلف الشاشات
تملك جماعة الإخوان الإرهابية سجلا طويلا في توظيف الأدوات الإعلامية لخدمة صراعها السياسي، ومع اتساع مساحة السوشيال ميديا أصبحت المنصات الرقمية ساحة إضافية لإعادة إنتاج الرسائل نفسها وتوجيهها إلى جمهور أوسع.
المعركة لا تستهدف الخبر.. بل الثقة
الأخطر من الشائعة نفسها هو الأثر الذي تتركه بعد انتشارها، فالمحتوى المضلل لا يحتاج دائما إلى إقناع الجميع برواية واحدة، يكفي أن يزرع الشك لدى قطاع من الجمهور، ويخلق حالة من الارتباك، ويدفع الناس إلى التساؤل: من نصدق؟ وأين الحقيقة؟
وحين تتكرر هذه العملية عشرات المرات، يصبح الهدف أكبر من تمرير خبر كاذب، الهدف هو إرباك الصورة الذهنية للجمهور وضرب الثقة في المعلومات الموثوقة.
وتشير بيانات المركز الإعلامي لمجلس الوزراء إلى ارتفاع معدل الشائعات بنسبة 113% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة المناظرة، مع تصدر قطاعات الاقتصاد والطاقة والتموين قائمة القطاعات الأكثر استهدافا، وهو ما يوضح أن الشائعة قد تتجه مباشرة إلى الملفات الأكثر حساسية بالنسبة للمواطنين.
منشور صغير.. وأثر أكبر من حجمه
خطورة السوشيال ميديا أنها تختصر المسافة بين صانع الشائعة والجمهور، منشور واحد يمكن أن ينتقل خلال دقائق من حساب مجهول إلى عشرات الصفحات، ثم إلى مجموعات مغلقة، ثم إلى فيديوهات قصيرة، وبعدها يصبح مادة للنقاش في الشارع.
وفي الملفات الاقتصادية تحديدا، يمكن للمعلومة المضللة أن تستهدف مشاعر القلق لدى المواطنين، خصوصا عندما تتعلق بالأسعار أو العملة أو السلع أو الطاقة، ولذلك يصبح التعامل معها أكثر حساسية، لأن الشائعة هنا لا تستهدف معلومة فقط، وإنما يمكن أن تؤثر في سلوك الجمهور وتزيد حالة القلق والارتباك.
ولهذا رصد المركز الإعلامي لمجلس الوزراء الاقتصاد والطاقة والتموين كأكثر القطاعات استهدافا بالشائعات خلال النصف الأول من 2026.
"الشير".. الذخيرة المجانية
صانع الشائعة يستطيع كتابة المنشور، لكنه لا يستطيع وحده منحه هذا الانتشار، وهنا يأتي دور المستخدم فكل شخص يعيد نشر معلومة مجهولة المصدر، أو يشارك فيديو دون التأكد من تاريخه، أو ينسخ عنوانا مثيرا دون قراءة التفاصيل، يمنح الشائعة فرصة جديدة للحياة.
وبهذه الطريقة تتحول السوشيال ميديا إلى دائرة مغلقة، صانع يطلق الرواية، وحسابات تعيد تدويرها، ومستخدمون يمنحونها الانتشار، ثم تعود الرواية إليهم مرة أخرى وكأنها حقيقة مستقلة.
وهذا تحديدا ما حذرت منه وزارة الدولة للإعلام، التي دعت في أغسطس 2026 إلى التحقق من المصدر الأصلي وتاريخ النشر والسياق، والحذر من العناوين المثيرة والحسابات المجهولة والمقاطع المجتزأة، مؤكدة أن إعادة التداول قد توسع نطاق الضرر.
الذكاء الاصطناعي.. الشائعة ترتدي وجها جديدا
المعركة دخلت مرحلة أكثر تعقيدا مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو مصطنعة تبدو للمتلقي في ظاهرها حقيقية، وهنا يصبح الفيديو وحده غير كاف لإثبات الواقعة، ولكن من نشره؟ متى ظهر؟ ما مصدره الأول؟ هل توجد نسخة أصلية؟ هل يتوافق مع الوقائع الموثقة؟ وهل جرى اجتزاء جزء منه من سياقه؟، أسئلة أصبحت ضرورية في زمن يستطيع فيه المحتوى المصطنع أن يمنح الشائعة شكلا أكثر إقناعا، بينما تظل الحقيقة في حاجة إلى البحث والتدقيق.
المعركة في يد كل مستخدم
أرخص سلاح في هذه الحرب ليس جهازا متطورا ولا منصة إعلامية ضخمة، وإنما معلومة كاذبة تجد من يحملها إلى الآخرين مجانا، والحل يبدأ من اللحظة التي يتوقف فيها المستخدم قبل المشاركة ففي معركة الوعي لا يحتاج المستخدم إلى خوض حرب مع أحد، وإنما يحتاج فقط إلى ألا يتحول إلى جندي مجاني في حرب لا يعرف من أطلقها.