لم تعد المنصات والشاشات المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج تؤدي دوراً موحداً في التعبير عن موقف التنظيم، بعدما تحولت إلى ساحات للصراع بين الجبهات المتنافسة في لندن وإسطنبول، تتبادل عبرها الاتهامات والتسريبات، وتتصادم فيها الروايات حول القيادة والشرعية والتمويل، في مشهد يكشف انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن.
تصاعد الصراع بين جبهة لندن
وتعود جذور هذا الانقسام إلى عام 2021، عندما تصاعد الصراع بين جبهة لندن بقيادة إبراهيم منير آنذاك، وجبهة إسطنبول التي كان يقودها محمود حسين. وتبادلت الجبهتان قرارات العزل والإقصاء، بينما تحولت البيانات والتصريحات إلى ما وصفته تقارير إعلامية بـ"حرب بيانات" و"حرب تسريبات"، في مؤشر على أن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما أصبح صراعاً على إدارة التنظيم في الخارج.
ومع اتساع الخلاف، دخلت الشاشات والمنصات الإلكترونية على خط المواجهة، فتحولت بعض المساحات الإعلامية إلى أدوات لعرض الاتهامات المتبادلة، بينما ظهرت قنوات وحسابات مخصصة لنشر التسريبات والرد على الطرف الآخر. وهكذا أصبح الإعلام جزء من معركة التنظيم الداخلية، بعدما كان يقدم نفسه باعتباره منصة موحدة للهجوم السياسي على الدولة المصرية.
ومن حرب الشاشات إلى حرب اللجان الإلكترونية، اتسع نطاق المواجهة مع اعتماد كل جبهة على أدوات رقمية للتأثير في قواعد التنظيم ومواجهة خصومها، وسط حديث عن مجموعات إلكترونية تعمل على تفنيد روايات الطرف الآخر، واستهداف الشخصيات المرشحة للصعود داخل التنظيم. وبذلك لم يعد الصراع على قيادة الجماعة يُدار فقط من خلال البيانات التنظيمية، وإنما أصبح جزء منه يجري عبر الفضاء الرقمي.
صراع الدكاكين المتناحرة
غير أن أخطر ما كشفته هذه المواجهة هو انتقال الخلاف إلى صراع على الخزائن والأصول والموارد. فقد ارتبطت الخلافات، بملفات تخص شركات واستثمارات وكيانات إعلامية وأصولاً موجودة في تركيا ودول أخرى. وفي فبراير 2026، كشفت تقارير عن نزاع وصل إلى القضاء التركي بشأن ملكية مبنى في إسطنبول، في واقعة عكست وصول الخلافات الداخلية إلى مستوى النزاع على الممتلكات والأصول.
ولا تنفصل هذه المعارك عن الضغوط المالية المتزايدة التي تواجه شبكات مرتبطة بالتنظيم في الخارج؛ ففي يناير 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تصنيف فرعي الجماعة في مصر والأردن كـ"إرهابيين عالميين محددين"، وقالت إن القرار يستهدف تعطيل موارد الجماعة، بالتزامن مع تصنيف الجماعة الإسلامية في لبنان.
ثم جاءت إجراءات يوليو 2026 لتضيف ضغطاً جديداً، بعدما أعلنت الخزانة الأمريكية استهداف مسؤول مصري بارز في الجماعة وثلاثة أفراد وثلاثة كيانات، وقالت إن اثنتين من الكيانات المستهدفة كانتا واجهتين خيريتين مرتبطتين بالجماعة وحولتا أموالاً إلى جهات متطرفة، وفقاً للبيان الأمريكي.
وفي ظل هذا المشهد، تتكشف مفارقة واضحة بين الخطاب الذي تحاول هذه المنصات تقديمه للخارج وبين ما يظهر من صراعات داخلية على القيادة والموارد. فالتراشق الإعلامي والتسريبات والاتهامات المالية لا تكشف فقط عمق الانقسام بين جبهتي لندن وإسطنبول، وإنما تضع أمام المتابع صورة لتنظيم تتعدد داخله مراكز القرار والمنابر والواجهات.
وهكذا تحولت شاشات الجماعة إلى مرآة لصراع "الدكاكين" المتناحرة؛ كل جبهة تمتلك خطابها ومنصاتها وروايتها، وكل طرف يحاول إثبات أحقيته في تمثيل التنظيم والسيطرة على موارده. ومع انتقال المعركة من البيانات إلى التسريبات، ومن التسريبات إلى اللجان الإلكترونية، ومن الصراع على الشرعية إلى النزاع على الأصول والتمويل، أصبح الخلاف الداخلي نفسه هو الخبر الأبرز الذي تفرضه الجماعة على شاشاتها، بدلاً من الرسائل السياسية التي اعتادت تصديرها إلى جمهورها.