سعيد الشحات يكتب: ذات يوم .. 5 أكتوبر 1970.. طه حسين يرثى جمال عبدالناصر فى اجتماع مجمع اللغة العربية: «عرفته منذ أوائل الثورة وكان صديقا وأخا حميما وبرا عطوفا على كل المواطنين»

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم .. 5 أكتوبر 1970.. طه حسين يرثى جمال عبدالناصر فى اجتماع مجمع اللغة العربية: «عرفته منذ أوائل الثورة وكان صديقا وأخا حميما وبرا عطوفا على كل المواطنين» جمال عبدالناصر و طة حسين

كانت الساعة الخامسة والنصف مساء 29 سبتمبر 1970 حين كان عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين يجلس فى فيلته «رامتان» بالهرم، ودخل مساعده محمد الدسوقى فوجده حزينا واجما يلبس رباطة عنق سوداء، حسبما يروى «الدسوقى» فى كتابه «طه حسين يتحدث عن أعلام عصره».

كانت وفاة جمال عبدالناصر يوم 28 سبتمبر 1970 تلقى بظلالها على اللقاء، وقال «العميد»: «أعظم الله أجرك، لقد روعت بنبأ وفاة الرئيس ولم أعرف هذا إلا فى صباح اليوم، وكل ما أرجوه أن يقى الله الأمة شر الخلاف والصراع من أجل الحكم، فالبلاد تمر بمرحلة دقيقة فى حياتها، وفى أشد الحاجة إلى الترابط والتكافل، لقد كان عبدالناصر رمزا لوحدة الأمة ونضالها من أجل حقوقها»، ثم أضاف: «إن الإرهاق الشديد كان من أسباب وفاة عبدالناصر، ولكل أجل كتاب والرجل ألمه أبلغ الألم أحداث الأردن الأخيرة «القتال بين الجيش الأردنى وقوات منظمة التحرير الفلسطينية»، وكان سعيه الدائب لوقف المذبحة الرهيبة هو الذى أدى به إلى هذه النهاية».

بعد أكثر من أسبوع عقد المجمع اللغوى جلسته الأولى فى الدورة السابعة والثلاثين، يوم 5 أكتوبر، مثل هذا اليوم، 1970 ورأسها طه حسين واستهلها بكلمة رثاء، قائلا: «يؤسفنى أشد الأسف أن أبدأ هذه الجلسة الأولى من دورة جديدة لمجمعنا بما لا يلائم افتتاح هذه الدورة من الحزن والأسى واللوعة، وكلكم فيما أعتقد يجد فى نفسه شيئا من هذه الآلام ومن الحزن والأسى واللوعة لهذا النبأ الفظيع الذى فاجأنا فنغص حياتنا تنغيصا لا نعرف له مثيلا».

يضيف طه حسين: «كنا نرجو، بل كنا نثق بأن الرئيس جمال عبدالناصر سيمد له فى الأجل لتحقيق أهداف الوطن، وهى مهمة لم تتح لأحد من قبل، وقد حاول موفقا لأبعد الحدود إلغاء الطبقات والأخذ بيد الضعفاء والفقراء، وتحقيق المساواة الكاملة بين المواطنين، وحاول شيئا ما أظنه حول من قبله وهو أن يلائم بين الاشتراكية والديانات السماوية، فأدخل فى هذه البلاد اشتراكية لا تمس الإسلام ولا المسيحية ولا غيرها من الأديان السماوية بأذى ولو من بعيد، فالاشتراكية تمس نظام الحياة المالية والإدارية والإسلام بنوع خاص لا يريد إلا العدل فى كل هذه الأشياء.

وأشهد أنى عرفت الرئيس عبدالناصر منذ أوائل الثورة، واتصلت بينه وبينى مودة فى غاية الإخاء وفى غاية المتانة، وله حق فضل لا أنساه، فهو قد تفضل ذات يوم وفاجأنى بأن أهدى إلىّ قلادة النيل، ولم يكن إهداء هذه القلادة للأفراد والمواطنين مألوفا من قبل إلا إذا نهضوا بمنصب رئيس الوزارة، وما أرسلت له برقية بتحية أو تهنئة إلا رد عليها بخير منها، فكان صديقا صادقا وأخا حميما، وكان برا عطوفا على كل المواطنين.

وهذه كلها أخلاق قلما عرفناها فى الذين ينهضون بالحكم، ثم يكفى أن الرئيس جمال عبدالناصر قاد الحرب ضد إنجلترا وفرنسا وإسرائيل فى سنة 1956، ولا أنسى له خطبة فى الأزهر الشريف التى كرر فيها كثيرا هذه الجملة «سنقاتل ولن نستسلم»، والواقع أنه لم يعرف الاستسلام ولم يقبله فى يوم من الأيام، وعندما أصابتنا كارثة النكسة سنة 1967 ثبت لها ثبوت الرجل الذى يعرف حق الشعب عليه، وحق الوطن على الشعب، كل هذا وكثير غيره من الأخلاق الكريمة الرصينة يذكرنا بهذا الرجل الذى فقدناه فجأة، فذهب ضحية العمل والجهد فى سبيل الوطن وفى سبيل العروبة.

كل هذا أظنكم تذكرونه وستذكرونه كما أذكره ما بقينا، وهذا أعظم وأثمن شىء يمكن أن نعمله لنسجل ونخلد حياة هذا الرجل الذى يستحق الخلود، ومع الأسف الشديد أختم هذه الكلمة، ولو أتيح لى الوقت لا أطلت وأطلت ولكنى أقف عند هذا، وأظنكم توافقون على وقف الجلسة دقائق حدادا عليه»، وأوقفت الجلسة.

يؤكد «الدسوقى»، أن صحيفة الأهرام نشرت هذه الكلمة فى اليوم التالى، ولم يكن صحيحا أن عميد الأدب العربى أصيب بالإغماء وهو يرثى عبدالناصر كما نشرت الأهرام، ويكشف «الدسوقى» أنه فى 16 أكتوبر 1970 كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل فى الأهرام مقالة بعنوان «الأربع والعشرون ساعة الأخيرة»، تحدث فيها عن اليوم الأخير فى حياة عبدالناصر، وسرد فيها الأحداث التى وقعت له، واهتم بتلك اللحظات التى مر بها عبدالناصر منذ انتهى من توديع أمير الكويت حتى أسلم الروح.

يضيف «الدسوقى»: «ختم الأستاذ هيكل مقالته بقوله: وكان جمال عبدالناصر فى حياته أكبر من الحياة، وفى موته أكبر من الموت، وقال الدكتور بعد قراءة هذه المقالة: إنها مقالة مؤثرة جدا، وكذلك المقالة التى كتبها فى الأسبوع الماضى تحت عنوان «الصراع مع الألم»، ولكنه أضاف: لا عيب على تلك المقالة سوى ما جاء فى ختامها، فالجملة التى انتهت بها سخيفة جدا، فقلت له: لعل الأستاذ هيكل يعنى أن جمال عبدالناصر بأمجاده وجهاده حى بيننا ولن ننساه فهو أكبر من الموت لهذا.. وصمت الدكتور دون تعقيب».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة