تدخل أوروبا مرحلة أمنية جديدة لم يعد فيها مفهوم الحرب مرتبطا بالضرورة بإطلاق النار أو عبور الدبابات للحدود، بعدما تصاعدت خلال السنوات الأخيرة الهجمات الإلكترونية وأعمال التخريب وانتهاكات المجال الجوي وحملات التضليل واستهداف البنية التحتية، فى مشهد أطلق عليه المسؤولون الأوروبيون اسم «الحرب الهجينة».
ومع تصاعد المخاوف الأوروبية من الأنشطة المنسوبة إلى روسيا، يتحرك الاتحاد الأوروبي لتطوير آلية استجابة مشتركة للهجمات التي تقع دون مستوى «العدوان المسلح»، تشمل من حيث المبدأ عمليات التخريب، والهجمات السيبرانية، وتوغلات الطائرات المسيرة، مع محاولة تحقيق معادلة دقيقة تضمن قدرة أوروبا على الرد الجماعي دون الدخول في منافسة أو ازدواجية مع حلف شمال الأطلسي «الناتو».
ما هي «الحرب الهجينة» التي تستعد لها أوروبا؟
لم تعد التهديدات التي تواجه القارة الأوروبية محصورة في العمليات العسكرية التقليدية، إذ أصبحت المواجهة تشمل مجموعة واسعة من الأدوات، تبدأ من الهجمات السيبرانية والتضليل والتدخل المعلوماتي، وتمتد إلى التخريب واستهداف البنية التحتية واستخدام الطائرات المسيرة.
ويرى آلان بيرسيه، الأمين العام لمجلس أوروبا، أن طبيعة الحروب تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية أظهرت الدور المتزايد للطائرات المسيّرة، التي يمكنها إحداث أضرار من مسافات بعيدة وبتكلفة أقل مقارنة بوسائل الحرب التقليدية.
لكن بيرسيه شدد على أن الخطر لا يتعلق بالطائرات المسيرة وحدها، وإنما يمتد بصورة أكبر إلى المعلومات والبنية التحتية والتلاعب بالمعلومات والتدخل المعلوماتي، إلى جانب نقاط ضعف محتملة في أنظمة الطاقة والأمن والبنية التحتية بشكل عام.
مسؤول أوروبي: لسنا مستعدين بشكل جيد للحرب
وجاء التحذير الأبرز من بيرسيه، الذي قال إن الدول الأوروبية بحاجة إلى تطوير قدراتها لمواجهة التهديدات الهجينة، مضيفا بصراحة أن أوروبا «ليست مستعدة بشكل جيد فعلا لهذا الأمر».
ويعكس هذا التصريح اتساع الفجوة التي ترى بعض الأوساط الأوروبية أنها لا تزال قائمة بين حجم التهديدات الجديدة وبين الأدوات المتاحة لمواجهتها، رغم التحرك المتزايد لتعزيز الإنفاق الدفاعي وتطوير القدرات العسكرية.
وفي الوقت نفسه، أشار بيرسيه إلى أن أوروبا شهدت خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية تطورا مؤسسيا كبيرا، خاصة فيما يتعلق بالسعي إلى مزيد من الاستقلالية والقوة في مجالي التسلح والدفاع.
بروتوكول طوارئ أوروبي.. ماذا تريد بروكسل؟
و يناقش وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي تطوير «بروتوكول استجابة مشتركة» للتعامل مع الهجمات الهجينة، بحيث يوفر آلية أسرع وأكثر تنسيقا بين مؤسسات الاتحاد والدول الأعضاء.
وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قد اقترحت تطوير هذا البروتوكول، إلى جانب إنشاء «مجلس أمن أوروبي»، بهدف تعزيز قدرة الاتحاد على التحرك أمام عمليات التخريب والهجمات بالطائرات المسيّرة وغيرها من الأنشطة التي تقع دون عتبة النزاع المسلح.
وقالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن المناقشات تركز على إنشاء «بروتوكول أمني طارئ» يمثل جزءا من استراتيجية أوسع لمواجهة الهجمات الهجينة، فيما لا تزال التفاصيل المتعلقة بآلية عمله وأدوات الاستجابة قيد النقاش.
متى يتحرك البروتوكول؟
الفكرة الأساسية هي التعامل مع الهجمات التي لا تصل إلى مستوى العدوان المسلح، لكنها في الوقت نفسه تمثل تهديدا للأمن الأوروبي.
ومن بين السيناريوهات المطروحة: الهجمات السيبرانية، أعمال التخريب، توغل الطائرات المسيّرة، و استهداف البنية التحتية، وأنشطة أخرى تقع دون مستوى النزاع المسلح، لكن تفعيل آلية الاستجابة يرتبط أيضا بتحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، وفقا للمادة التي تم جمعها.
أوروبا تريد التحرك.. لكن دون تكرار «الناتو»
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الخلاف في المشروع الأوروبي الجديد، ففي الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تطوير آليات خاصة به لمواجهة الحرب الهجينة، حذر القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، من أن المبادرات الأوروبية يجب ألا تتحول إلى منافسة لحلف الناتو أو نسخة مكررة من هياكله العسكرية والأمنية.
ويقوم التصور المطروح على توزيع الأدوار: الناتو يظل مسؤولا بصورة أساسية عن الردع والدفاع العسكري، بينما يستطيع الاتحاد الأوروبي التركيز بصورة أكبر على تعزيز قدرة الدول على الصمود، ومواجهة الهجمات الهجينة، إلى جانب الجوانب الأمنية وتمويل الصناعات الدفاعية.
خلاف داخل أوروبا نفسها
ولا يبدو أن الدول الأوروبية تتفق تماما على الشكل الذي يجب أن تكون عليه العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والناتو في ملف الحرب الهجينة.
فبينما ترى بولندا وجود ثغرات في قدرة الناتو على مواجهة الأنشطة الهجينة، تدعو فنلندا وهولندا إلى تعاون وثيق مع الحلف وتجنب ازدواجية المؤسسات والهياكل.
وهكذا تواجه أوروبا معادلة مزدوجة: الحاجة إلى بناء قدرة أوروبية مستقلة على مواجهة التهديدات الجديدة، وفي الوقت نفسه تجنب إنشاء هياكل تنافس الحلف الذي يشكل العمود الفقري للدفاع العسكري الأوروبي.
من إستونيا إلى ألمانيا.. حوادث ترفع مستوى القلق
وتأتي التحركات الأوروبية في ظل سلسلة من الحوادث التي تنسبها دول أوروبية إلى أنشطة روسية أو جهات مرتبطة بها، ففي إستونيا، يجرى التحقيق في حريق متعمد داخل منشأة تابعة لشركة «ميلريم روبوتيكس» الدفاعية، بينما قالت الشرطة المحلية إن العملية نُفذت بتكليف من أجهزة الاستخبارات الروسية.
وفي ألمانيا،نقلت وسائل الاعلام محاولة اعتداء في مطار لايبزيغ، كما أشارت إلى تحذيرات أوروبية متزايدة من أعمال تخريب وهجمات إلكترونية تستهدف البنية التحتية.
كما شهدت الأشهر الأخيرة حوادث مرتبطة بالمجال الجوي، في وقت تتزايد فيه المناورات العسكرية في منطقة البلطيق ودول الشمال الأوروبي، بينما تستعد بعض الدول لسيناريوهات طوارئ أكثر صعوبة، بما في ذلك تحديث خطط إجلاء المدنيين واستقبال أعداد كبيرة من المصابين في المستشفيات.
هل تستعد أوروبا لحرب مع روسيا في 2029 أو 2030؟
لا تعني التحذيرات الأوروبية أن حربا مع روسيا ستندلع حتما في عام 2029 أو 2030، لكن نهاية العقد أصبحت إطارا زمنيا متكررا في النقاشات الأمنية الأوروبية.
والتفسير المطروح ليس أن أوروبا تتوقع اندلاع الحرب في موعد محدد، وإنما أن التقديرات تشير إلى إمكانية أن تكون روسيا، بحلول نهاية العقد، قد أعادت بناء قدراتها العسكرية بعد حرب أوكرانيا، بما يسمح لها باستعادة قدرات يمكن أن تشكل تهديدا للجناح الشرقي للناتو.
ويؤكد الجنرال كارستن بروير، المفتش العام للجيش الألماني، أن تحديد إطار زمني لا يمثل «نبوءة»، وإنما وسيلة لتقييم الفترة التي قد تكون روسيا خلالها استعادت جزءا من قوتها العسكرية.
أما مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، فقد استخدم فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات للتأكيد على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي، مشيرا إلى أن أوروبا آمنة الآن، لكنها قد لا تكون كذلك بعد هذه الفترة.
أرقام تكشف تصاعد «الحرب الهجينة»
وتكشف البيانات الواردة فى الصحف الأوروبية، عن زيادة في عدد الحوادث المسجلة رسميا، فبين يناير وأغسطس 2026، تم توثيق 100 حادثة حرب هجينة في أوروبا، مقابل 60 حادثة خلال الفترة نفسها من العام السابق، وفقا لمركز سهاجداشني الأمني الأوكراني.
وبحسب مصدر في الناتو، قد يتجاوز العدد الفعلي 200 حادثة إذا استبعدت الهجمات الإلكترونية من الحساب، بينما تواجه مؤسسات الحلف آلاف الهجمات الإلكترونية شهريا.
أوروبا تزيد الإنفاق الدفاعي.. لكن هل يكفي؟
وتتحرك الدول الأوروبية بالتوازي لتعزيز قدراتها الدفاعية، ومن المتوقع أن يتجاوز الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 516 مليار دولار خلال العام، بزيادة قدرها 75% مقارنة بما كان عليه قبل خمس سنوات، كما تستهدف خطة الاتحاد الأوروبي لإعادة تسليح أوروبا والجاهزية لعام 2030 توفير ما يصل إلى 800 مليار دولار إضافية للإنفاق الدفاعي.
لكن زيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة أن أوروبا أصبحت جاهزة بالكامل، إذ يشير تقرير للوكالة الأوروبية للدفاع إلى استمرار وجود فجوات في الجاهزية والاستدامة والتشغيل المشترك للقوات، بما يعني أن تعزيز القدرات العسكرية لا يزال دون مستوى الطموحات.
وهنا يبرز الجانب الآخر من معادلة الأمن الأوروبي، فبحسب رؤية بيرسيه، لا يمكن مواجهة الحرب الهجينة من خلال زيادة أعداد الجنود والأسلحة فقط، وإنما تحتاج أوروبا أيضا إلى الاستثمار في الأمن الديمقراطي، والبنية التحتية، والمعلومات، والمؤسسات القوية.
ويرى أن أوروبا أمام مهمة مزدوجة: تعزيز قدراتها الدفاعية من ناحية، وحماية الديمقراطية وسيادة القانون وحرية التعبير من ناحية أخرى، خصوصا في ظل تصاعد التضليل والتزييف العميق والاضطرابات السياسية.
بين الردع والحوار.. ماذا تريد أوروبا؟
في الوقت الذي تستعد فيه أوروبا لأسوأ السيناريوهات، لا تزال بعض الأصوات الأوروبية تدعو إلى إبقاء باب الحوار مفتوحا مع موسكو.
حيث دعا الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إلى فتح قنوات اتصال بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، إلى جانب استعداد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا لمفاوضات محتملة بشأن أوكرانيا، في وقت يناقش فيه الاتحاد الأوروبي تعيين جهة اتصال لهذه المحادثات.
فمن ناحية، يمكن أن يكون تعزيز القدرات العسكرية وسيلة للردع وإقناع الخصم بأن تكلفة الهجوم ستكون مرتفعة، ومن ناحية أخرى، فإن تحويل سيناريو الحرب إلى جزء دائم من الخطاب السياسي قد يزيد من التوتر ويجعل المواجهة تبدو أكثر احتمالا.
هل الحرب الأوروبية أصبحت حتمية؟
رغم تصاعد التحذيرات، تؤكد مصادر في حلف الناتو أنه لا يوجد حاليا تهديد وشيك بوقوع هجوم، كما لم يتلق الحلفاء إحاطة رسمية بشأن معلومات استخباراتية جديدة تشير إلى هجوم وشيك.
وفي المقابل، فإن التهديد الذي تتعامل معه أوروبا الآن أقل وضوحا من الحرب التقليدية، فهو يتمثل في سلسلة من العمليات المحدودة والسرية، من التخريب والهجمات السيبرانية إلى التضليل وانتهاكات المجال الجوي، والتي تختبر قدرة الدول الأوروبية والناتو على اكتشاف مصدر الهجوم والرد عليه.
أوروبا لا تقول إن الحرب قادمة، لكنها تستعد لاحتمالها
في النهاية، لا تعني التحركات الأوروبية أن القارة تتجه حتما إلى حرب مع روسيا، ولا أن عام 2029 أو 2030 يمثلان موعدا محددا لنشوب مواجهة عسكرية.
لكن التطورات تشير إلى تحول جوهري في طريقة تفكير أوروبا بشأن الأمن: لم يعد الاستعداد للحرب مقتصرا على بناء الجيوش والأسلحة، وإنما أصبح يشمل حماية شبكات الطاقة ، والبنية التحتية والمجال السيبراني والمعلومات والمؤسسات الديمقراطية.
وبينما يعمل الاتحاد الأوروبي على تطوير «بروتوكول طوارئ» للتعامل مع الهجمات التي تقع دون مستوى العدوان المسلح، يتمسك الناتو بدوره الأساسي في الردع والدفاع العسكري، لتبقى المعادلة الأوروبية قائمة على محاولة سد ثغرات «الحرب الهجينة» دون خلق منافسة جديدة مع الحلف.
وربما تكون الرسالة الأوضح في المشهد الأوروبي الحالي أن القارة لا تستعد بالضرورة لحرب تريد خوضها، وإنما لحرب تريد أن تمنعها من خلال الردع والاستعداد، مع إبقاء باب الحوار مفتوحا في الوقت نفسه.