- إسلام الكتاتني: كثافة التداول لا تعني تعدد الأدلة أو استقلال مصادرها
لم تعد خطورة الشائعات في البيئة الرقمية مرتبطة فقط باختلاق معلومة أو نشر خبر غير صحيح، بل تمتد إلى الكيفية التي يُعاد بها تقديم المحتوى ذاته حتى يكتسب مظهرًا مختلفًا عن صورته الأولى، فالمعلومة التي تظهر في البداية باعتبارها ادعاءً غير موثق يمكن أن تعود إلى الواجهة في صورة خبر، ثم تتحول إلى مادة للتحليل والتعليق، قبل أن يستقبلها المتابع باعتبارها رواية تتداولها جهات عديدة.
وتكشف هذه الآلية عن جانب مهم من طبيعة التضليل الإعلامي عبر المنصات المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، حيث لا تتوقف المسألة عند نشر محتوى يفتقر إلى الأدلة، وإنما تمتد إلى إعادة إنتاجه وتغيير طريقة عرضه، بما يوسع دائرة انتشاره ويجعل التمييز بين مصدر المعلومة والجهات التي أعادت تداولها أكثر صعوبة.
إعادة إنتاج المحتوى تمنح الادعاء عمرًا أطول
في هذا السياق، لا تحتاج الرواية غير الموثقة بالضرورة إلى معلومات جديدة حتى تستمر في التداول؛ إذ يمكن إعادة طرحها من زوايا مختلفة، أو ربطها بتطورات أخرى، أو تقديمها في عناوين أكثر حسمًا من المنشور الذي ظهرت منه للمرة الأولى.
ومع انتقال المحتوى بين الحسابات والصفحات والقنوات، قد تختفي الإشارات التي كانت تكشف طبيعته الأولية، مثل غياب المصدر أو عدم وجود مستندات أو اقتصار المنشور على استنتاج شخصي. وفي المقابل، تظهر النسخ اللاحقة في قوالب أكثر شبهًا بالمادة الإخبارية، وهو ما قد يمنحها درجة من المصداقية لا تستند بالضرورة إلى أدلة إضافية.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند تناول محتوى المنصات الإخوانية، إذ يتطلب تقييم الروايات المنشورة عليها التمييز بين الوقائع التي يمكن التحقق منها، والتفسيرات السياسية التي تُطرح بشأنها، والادعاءات التي لا تزال بحاجة إلى إثبات. فاختلاط هذه المستويات قد يدفع المتلقي إلى التعامل مع استنتاج أو اتهام باعتباره معلومة محسومة.
كثرة المنشورات قد تخفي وحدة المصدر
إحدى المشكلات الأساسية في متابعة الأخبار المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي هي أن انتشار الرواية على نطاق واسع لا يقدم، في حد ذاته، دليلًا على صحتها. فقد يتعامل الجمهور مع ظهور المعلومة في صفحات متعددة باعتباره تأكيدًا مستقلًا، بينما لا تكون هذه الصفحات قد أجرت أي تحقق، وإنما اكتفت بإعادة نقل محتوى سبق نشره.
وهنا يصبح الفارق جوهريًا بين تعدد جهات النشر وتعدد مصادر المعلومات؛ فالمصدر المستقل هو الذي يقدم معلومات أو أدلة يمكن فحصها بصورة منفصلة، وليس مجرد حساب يعيد نشر رواية سبق تداولها.
وفي حالة المحتوى الذي تتناقله منصات ذات توجهات متقاربة، تبرز الحاجة إلى فحص الروابط بين المنشورات، ومقارنة توقيتات ظهورها، والبحث عن أصل المعلومات التي تستند إليها. ومع ذلك، لا يمثل التشابه في الصياغة أو تقارب توقيت النشر دليلًا قاطعًا بمفرده على وجود تنسيق مسبق، وإنما يظل مؤشرًا يستدعي الفحص والتحقق.
كما أن استخدام تعبيرات مثل «مصادر مطلعة» أو «معلومات مؤكدة» لا يمنح الرواية مصداقية تلقائية، ما لم يكن بالإمكان تقييم مصدرها والتحقق من مضمونها. فالقيمة الإخبارية للمعلومة تُقاس بما يتوافر لها من أدلة، وليس بدرجة الجزم التي تُصاغ بها أو عدد المرات التي تظهر فيها.
المصدر الأصلي هو نقطة الفصل في التحقق
ولا تقتصر مواجهة هذا النمط من التضليل على تصحيح المنشور الأخير الذي وصل إلى الجمهور، بل تبدأ من العودة إلى نقطة انطلاق الرواية، ومراجعة ما إذا كانت النسخ المتعاقبة قد حافظت على مضمونها الأصلي أم أدخلت عليه إضافات واستنتاجات غيّرت دلالته.
ويتطلب ذلك تتبع التسلسل الزمني للنشر، ومقارنة الصياغات المختلفة، وفحص المستندات والتسجيلات التي يُستند إليها، والبحث عن مصادر مستقلة تؤكد المعلومات أو تنفيها. كما ينبغي التمييز بين غياب الدليل على صحة الادعاء ووجود دليل قاطع على بطلانه، لأن التحقق المهني لا يقوم على استبدال رواية غير مثبتة برواية أخرى غير مثبتة.
وتتضاعف أهمية هذه الخطوات عندما تتضمن المنشورات اتهامات لأشخاص أو مؤسسات، أو تربط وقائع منفصلة باستنتاجات سياسية واسعة؛ إذ إن تداول هذه المضامين دون سند قد يوسع نطاق التضليل، ويؤثر في قدرة الجمهور على تكوين موقف قائم على معلومات دقيقة.
إسلام الكتاتني: تكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة
من جانبه، قال إسلام الكتاتني، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، إن انتقال الشائعات بين الحسابات والمنصات الرقمية يساعد على توسيع نطاق انتشار الروايات غير الموثقة، خصوصًا عندما يعاد تقديم المعلومة نفسها بصيغ متعددة توحي بأن هناك جهات مختلفة تؤكد صحتها.
وأوضح الكتاتني أن خطورة هذه الممارسة لا تتعلق فقط بانتشار الادعاء، وإنما أيضًا بالطريقة التي يتغير بها شكله خلال التداول، إذ قد يبدأ بمنشور مجهول المصدر، ثم يظهر في منشورات أخرى تتضمن صياغات أكثر حسمًا أو استنتاجات إضافية، من دون أن يصاحب ذلك ظهور أدلة جديدة تثبت صحة المحتوى.
وأضاف أن تكرار المعلومة عبر عدد كبير من الحسابات لا يعني وجود مصادر مستقلة تؤيدها، مشددًا على ضرورة التفرقة بين حجم انتشار الرواية والقيمة الإثباتية للمعلومات التي تستند إليها. فعدد المنشورات لا يمكن أن يكون بديلًا عن التحقق من المصدر الأصلي ومراجعة الأدلة المرتبطة بالواقعة.
وأشار إلى أن بعض الصياغات الإعلامية قد تسهم في إضفاء طابع من اليقين على معلومات لم تُحسم بعد، خاصة عند استخدام عبارات عامة تشير إلى وجود مصادر أو معلومات مؤكدة دون تقديم ما يسمح بفحصها. ولفت إلى أن هذه الممارسات تفرض ضرورة مراجعة المحتوى المتداول، لا سيما عندما يتضمن اتهامات أو استنتاجات تمس أشخاصًا ومؤسسات.
وأكد الكتاتني أن التعامل المهني مع الشائعات يستلزم تتبع مصدرها الأول، ومقارنة النسخ المتداولة، ومراجعة التسلسل الزمني للنشر، والبحث عن أدلة مستقلة يمكن الاستناد إليها، بدلًا من اعتبار كثافة التداول مؤشرًا على المصداقية.
وشدد على أهمية الفصل بين الخبر والتحليل والاحتمال، وعدم تقديم الاستنتاجات باعتبارها وقائع مؤكدة قبل التحقق منها، موضحًا أن تعزيز وعي الجمهور بآليات انتشار المعلومات المضللة يمثل عنصرًا أساسيًا في الحد من تأثيرها.
واختتم بالتأكيد على أن التحقق من الأخبار مسؤولية تتطلب فحص المحتوى ومصادره قبل إعادة نشره، وأن سرعة انتشار الرواية لا تعفي المتلقي أو المنصة الناشرة من ضرورة التأكد من صحتها، خصوصًا في القضايا التي يمكن أن يترتب على تداول معلومات غير دقيقة بشأنها آثار سياسية أو اجتماعية.