وتكشف وثيقة "قرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي"، التي أصدرها محمد نور ونُشرت في مطبعة الشباب عام 1927، أن التحقيق تجاوز فحص الاتهامات الدينية إلى اختبار الأدلة العلمية التي استند إليها طه حسين، قبل أن ينتهي إلى التمييز بين الخطأ في البحث وتعمد الإساءة إلى الدين.
ثلاثة بلاغات وأربع قضايا أمام النيابة
بدأت القضية ببلاغ قدمه خليل حسنين، الطالب بالقسم العالي بالأزهر، في 30 مايو 1926، أعقبه خطاب من شيخ الأزهر في 5 يونيو، أرفق به تقريرًا أعده علماء الأزهر يطالب بمحاكمة المؤلف. وفي 14 سبتمبر تقدم عبد الحميد البنان، عضو مجلس النواب، ببلاغ ثالث.
وبعد عودة طه حسين من خارج مصر، بدأت النيابة التحقيق في 19 أكتوبر 1926، وحددت أربعة مواضع للاتهام: التشكيك في الروايات المتعلقة بإبراهيم وإسماعيل، وتفسير اختلاف القراءات القرآنية، والحديث عن نسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومناقشة صلة الإسلام بدين إبراهيم.
ورأى محمد نور أن الفصل في الاتهامات يستلزم قراءة العبارات في سياقها الكامل، حتى يمكن تحديد قصد المؤلف ومسؤوليته.
مواجهة حول النقوش ولغة العرب
خلال مناقشة الفصل الرابع، الخاص بالشعر الجاهلي واللغة، طلب المحقق من طه حسين بيان الفروق بين لغة حمير ولغة عدنان، وتقديم أمثلة تثبت الاختلاف.
وأوضح المؤلف أن الدراسات الحديثة وضعت قواعد ومعاجم للغة حمير، وأنها تختلف جوهريًا عن العربية الفصحى، لكنه أشار إلى أن إيراد النصوص والأمثلة يحتاج إلى الرجوع للكتب المتخصصة، لأنه لا يستطيع استحضارها من ذاكرته.
وعندما سأله محمد نور عن المراجع، جاءت إجابته: "أنا لا أقدم شيئًا".
وسجل المحقق أن المؤلف لم يقدم الأدلة المطلوبة في التحقيق، وانتقد استنتاجاته بشأن تاريخ اللغة، معتبرًا أن إثبات اختلاف لغتين في زمنين متباعدين لا يكفي لنفي الروايات المتعلقة بتعلم إسماعيل العربية من جرهم.
ابن سلام الجمحي.. المحقق يراجع نصوص المؤلف
امتدت المناقشة إلى رواية أبي عمرو بن العلاء عن اختلاف لسان حمير عن لسان أهل الحجاز.
وقارن محمد نور بين العبارة التي استخدمها طه حسين والنص الوارد في كتاب «طبقات الشعراء» لابن سلام الجمحي، مشيرًا إلى وجود اختلاف في الصياغة.
كما استشهد برواية أخرى نقلها ابن سلام عن أبي عمرو، تتعلق بنسب العرب إلى إسماعيل، معتبرًا أن المؤلف انتقى من المصدر ما يدعم استدلاله.
وكانت ملاحظة المحقق الأساسية أن الباحث لا يستطيع الانتقال من افتراض يحتاج إلى إثبات إلى نتيجة تاريخية جازمة دون أدلة إضافية.
القراءات القرآنية.. اتهام استبعده المحقق
في القضية الثانية، المتعلقة باختلاف القراءات القرآنية، عاد محمد نور إلى نصوص العلماء، ومنها تفسير الطبري، ليفحص ما إذا كان طه حسين ينكر المصدر الإلهي للقراءات.
وانتهى إلى أن المؤلف ناقش أثر اختلاف اللهجات في بعض أوجه القراءة، دون أن يتناول بالضرورة مسألة نزول القراءات من عند الله.
ولذلك اعتبر هذا الجانب بحثًا علميًا لا يتعارض مع الدين.
أما حديث طه حسين عن نسب النبي، فانتقد المحقق أسلوبه واعتبره غير لائق، بينما قبل إمكان تفسير عباراته المتعلقة بدين إبراهيم في إطار البحث عن أسباب انتحال الأشعار، مع اعتراضه على طريقة صياغتها.
"العلم والدين".. مقال استدعته النيابة لفهم طه حسين
من أهم وثائق القضية مقال «العلم والدين»، الذي نشره طه حسين في العدد التاسع عشر من «السياسة الأسبوعية»، خلال يوليو 1926، بالصفحة الخامسة.
واستعان محمد نور بالمقال لفهم دفاع المؤلف عن نفسه، إذ تحدث طه حسين عن إمكان اجتماع شخصيتين في الإنسان؛ إحداهما عقلية تبحث وتنقد، والأخرى وجدانية تؤمن وتطمئن.
وأثناء التحقيق أوضح طه حسين أنه يؤمن، بوصفه مسلمًا، بما ورد في القرآن عن إبراهيم وإسماعيل، بينما يلتزم، بوصفه باحثًا، بمناهج الإثبات التاريخي.
وانتقد محمد نور هذا الفصل بين الشخصيتين، لكنه اعتبر اعتقاد المؤلف بصحة منهجه عاملًا مهمًا عند تقدير نيته الجنائية.
لماذا حفظ محمد نور القضية؟
استند المحقق إلى المادتين 12 و14 من دستور 1923، المتعلقتين بحرية الاعتقاد والرأي، وإلى المادة 139 من قانون العقوبات الأهلي، وحدد أربعة أركان لجريمة التعدي على الأديان: وقوع التعدي، والعلانية، وتعلق الفعل بدين تؤدى شعائره علنًا، والقصد الجنائي.
واعتبر أن بعض العبارات تنطوي على تعدٍّ وفق تفسيره للقانون، وأن شرط العلانية تحقق بنشر الكتاب، لكنه لم يجد دليلًا على تعمد المؤلف الإساءة إلى الدين.
وهنا ظهرت المفارقة الحاسمة؛ فقد انتقد محمد نور أدلة طه حسين، واعترض على عدد من استنتاجاته، لكنه رأى أن المؤلف كتبها اعتقادًا منه أن البحث العلمي يقتضيها.
وفي 30 مارس 1927، أصدر قراره بحفظ الأوراق إداريًا لانتفاء القصد الجنائي.
وبذلك لم يحسم القرار صحة نظرية «الشعر الجاهلي»، وإنما قرر أن الاعتراض على نتائج الباحث، مهما بلغت حدته، لا يكفي وحده لإثبات تعمده ارتكاب جريمة.
وتلك هي القيمة التاريخية للوثيقة بعد مائة عام: محقق يناقش الأفكار ويرفض بعضها، ثم يميز بين حقه في نقدها وحدود سلطة القانون في معاقبة صاحبها.