في غزة، حيث تضع الحرب الإنسان أمام خيارات تفوق قدرته على الاحتمال، تتشكل حكايات موجعة تختلط فيها التضحية بالفقد، ويصبح التمسك بحياة الآخرين أحيانا آخر ما يستطيع الإنسان تقديمه قبل الرحيل، ومن بين هذه الحكايات، تبرز قصة الشهيد محمد عليان البيوك، الذي واجه خيارا قاسيا بين حياته وحياة عشرات الأرواح التي كانت داخل مدرسة تؤوي نازحين، فاختار الصعود إلى سطحها، في محاولة لإنقاذهم، قبل استشهاده.
لم يكن ذلك اليوم، يوما عاديا في حياة محمد، فقد وجد نفسه أمام تهديد يضعه بين احتمالين موجعين، أن يفقد حياته، أو أن يشهد استشهاد آخرين، بينهم أشخاص لجأوا إلى المدرسة بحثا عن الأمان بعدما دفعتهم الحرب إلى ترك منازلهم.
محمد عليان البيوك
"إما أن نمحو المدرسة بمن فيها.. أو تصعد أنت إلى السطح لتلقى حتفك"، كان على محمد الاختيار، في لحظة لم يكن فيها متسع من الوقت للتفكير في النجاة، أو البحث عن مخرج يحفظ حياته، ولكنه لم يتردد محمد طويلا، وصعد إلى السطح وهو يدرك خطورة الموقف، في محاولة لتجنيب الموجودين داخل المدرسة مصيرا مأساويا، كانت خطواته تحمل احتمال ألا يعود، لكنه مضى في طريقه، تاركا وراءه سؤالا إنسانيا موجعا عن الثمن الذي قد يدفعه الإنسان حين يجد نفسه أمام مسؤولية إنقاذ الآخرين، صعد لكنه لم يعد.
رحيل جديد في عائلة أنهكتها الحرب
لم تكن مأساة محمد عليان البيوك محصورة في الطريقة التي انتهت بها حياته، بل امتدت إلى عائلة سبق أن ذاقت مرارة الفقد، بعدما رحلت زوجته وأبناؤه وأشقاؤه قبله.
لم يكن استشهاده مجرد خبر جديد يضاف إلى أخبار الموت المتلاحقة في غزة، بل حلقة أخرى في سلسلة من الخسارات التي طالت أسرته، حتى بدا وكأن الحرب انتزعت منه أحباءه واحدا تلو الآخر، قبل أن يلحق بهم هو الآخر.
خلف هذا الرحيل، تقف حكاية رجل فقد أقرب الناس إليه، ثم انتهت حياته في ظروف قاسية، تاركا وراءه وجعا تختلط فيه خسارة الإنسان بألم العائلة التي لم تمنحها الحرب فرصة كافية لالتقاط أنفاسها.
مدرسة للنازحين ومكان كان يفترض أن يمنح الحياة فرصة
تحمل الحكاية، دلالة إنسانية مؤلمة، فالمدرسة التي يفترض أن تكون مكانا للتعليم، تحولت إلى ملاذ للنازحين الذين يبحثون عن سقف يحميهم من الخطر، ثم أصبحت مسرحا لواقعة انتهت باستشهاد محمد الذي خاطر بحياته من أجل الآخرين.
وفي ظل النزوح المتواصل، يجد المدنيون أنفسهم في أماكن مؤقتة لا توفر دائما الحماية التي يحتاجون إليها، بينما تصبح تفاصيل الحياة اليومية محكومة بالخوف من المجهول، وفي هذا الواقع، تكتسب كل محاولة لحماية الآخرين معنى يتجاوز حدود الفعل الفردي، لتكشف عن حجم المأساة التي يعيشها من يحاولون التمسك بالحياة وسط ظروف تهددهم في كل لحظة.
وتبقى قصة محمد، حكاية عن إنسان وجد نفسه أمام موقف بالغ القسوة، وعن عائلة أثقلتها الخسارات، ونازحين لم يكن مطلبهم سوى النجاة.
حكاية تضحية ووجع لا ينتهي
يبقى رحيل محمد عليان البيوك جزءا من الوجع الإنساني الذي تعيشه غزة، حيث لا تنتهي المأساة عند لحظة استشهاد شخص، بل تمتد إلى أسرته وذكرياته وأحبائه، وكل من عرفوه أو عاشوا تفاصيل الحكاية.
قصة تختصر وجوها متعددة للفقد، رجلا واجه الخطر في محاولة لإنقاذ آخرين، وعائلة سبق أن فقدت زوجة وأبناء وأشقاء، ونازحين وجدوا أنفسهم في مواجهة تهديد داخل مكان لجؤوا إليه بحثا عن الأمان.