لا تبدأ التنظيمات الإرهابية مسيرتها الدموية برفع السلاح فجأة، ولا تولد جماعات العنف من الفراغ؛ بل تُحفر أصولها الأولى دائماً في حبر الكتب والمقالات وأدبيات الفكر الإقصائي. وحين يُعاد إنتاج العقلية التي تقسم المجتمع إلى فسطاطين، وتصنف البشر درجات وفق عقائدهم، فإنها تضع الحجر الأساس لبناء عوالم الكراهية والرفض للآخر. من هنا تتضح خطورة أدبيات جماعة الإخوان الإرهابية؛ فهي لا تقف عند حدود التنظير السياسي النخبوي، بل تحفر في وجدان أتباعها جذور الاستعلاء والتمييز، لتمهد الطريق أمام حلقات متسلسلة من التطرف تفضي حتمًا إلى العنف المجتمعي المسلح.
لتفكيك هذه الدائرة الخبيثة وربط الفكر النظري الإقصائي بالواقع الدموي للتنظيمات المتطرفة، يأتي هذا التقرير المستند إلى رؤى وتحليلات الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة، سامح فايز، موثقاً بالدلائل والشواهد التاريخية والفكرية.
البذرة الأولى: كيف يمهد الفكر الإقصائي لتربة العنف؟
يؤكد الباحث سامح فايز في مستهل تحليله أن أخطر ما في أدبيات جماعة الإخوان الارهابية ليس فقط نصوصها السياسية، بل قاعدتها الفكرية الصلبة التي تتعامل مع "الآخر المختلف دينياً" بريبة واستعلاء مستدام.
يقول سامح فايز: حين تُغرس في عقل الشاب منذ اليوم الأول لتنظيمه فكرة أن المجتمع يعيش في جاهلية، وأن المواطنة الحقيقية حصراً لمن يدور في فلك المشروع الإسلامي للتنظيم، فإنك تفرز إنساناً مصاباً بعمى التعددية. هذا الإنسان يرى في غير المسلم مواطناً منقوص الأهلية أو ضيفاً مؤقتاً في وطنه، وهو ما يمثل نقطة الانطلاق الأولى نحو إزاحة هذا الآخر معنوياً، تمهيداً لإزاحته فعلياً عند أول اختبار للقوة.
ويضيف فايز موثقاً بالدليل: إذا راقبنا مسار انتقال الأفراد من الأدبيات الإخوانية الكلاسيكية مثل كتابات حسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب إلى التنظيمات الجهادية الصريحة مثل الجماعة الإسلامية أو التنظيمات التكفيرية اللاحقة، سنجد أن الخيط الناظم هو مفهوم الولاء والبراء. هذا المفهوم جرى تمديفه بحيث يتحول من مجرد عقيدة إيمانية شخصية إلى أداة فرز مجتمعي تقسم الدماء والحقوق والكرامات بناءً على الهوية الدينية، وهو بذره التطرف الكبرى.
من التهميش النظري إلى العنف الميداني: أدلة تاريخية
لا يقف تحليل سامح فايز عند حدود التنظير، بل يسوق أدلة وشواهد تاريخية واضحة على كيف أفرزت أدبيات التمييز الإخوانية بيئة حاضنة لكل أشكال العنف الطائفي والمجتمعي.
قال سامح فايز: لقد شهدنا تاريخياً كيف أن الخطاب الذي يصنف غير المسلمين كـ "أهل ذمة" بمفهوم استعلائي، يترجم على الأرض في أوقات الاحتقان إلى اعتداءات على دور العبادة أو ممتلكات الأقباط، لأن الشاب المنبي فكرياً على هذه الأدبيات لا يرى في الشريك القبطي مواطناً له ذات الحقوق الدستورية والوطنية، بل يراه مستأمناً تزول حصانته متى ضعفت الدولة أو تغيرت موازين القوى.
وأضاف فايز: إن أدبيات الجماعة أسست لمفهوم الاستعلاء الإيماني، وهو النسخة الفكرية الموازية للاستعلاء العرقي. هذا الاستعلاء يخلق شعوراً بالوصاية المطلقة على مقدرات الوطن. وحين تتبنى جماعة بحجم الإخوان هذا الخطاب في أدبياتها الداخلية، فإنها تمنح المجموعات الأكثر تطرفاً المبرر الشرعي المزعوم لارتكاب العنف، لأنهم يعتبرون أنفسهم يطبقون ما ورد ضمناً في كتب التراث الحركي حول هيمنة الدين وتهميش المخالفين.
الحلقة المفقودة: لماذا تمثل الأدبيات "حاضنة" وليست مجرد "آراء"؟
يوضح سامح فايز خطأ الشائع في الفصل بين الفكر الحركي للإخوان وبين العمليات الإرهابية المسلحة التي تقودها التنظيمات المتطرفة؛ فالأول هو المفرخة والأخير هو الحصاد. مشيرا، إلى هذه النقطة بدقة قائلاً: الخطأ القاتل الذي يقع فيه البعض هو التعامل مع أدبيات الإخوان بوصفها مجرد آراء فقهية أو سياسية قد تستصوب أو تُخطأ، الواقع أنها أدبيات حركية صُممت لهندسة وعي أفراد يعزلون أنفسهم عن المجتمع. وحين تعزل نفسك وتنظر لغيرك باعتباره مواطناً من الدرجة الثانية، تصبح مسافة الخطوة بين التهميش اللفظي وبين العنف المادي أقصر مما تتخيل. التطرف لا ينبت في الصحراء، بل ينبت في المناهج الفكرية التي تقنن الكراهية وتبرر إقصاء الشركاء في الوطن.
ويضيف فايز مضيئاً على خطورة الاستمرار في تدوير هذه النصوص عبر المنصات الرقمية الحديثة: الجماعة اليوم تحاول تجميل وجهها للخارج، لكنها تحافظ في السراديب الرقمية ومجموعات الشباب المغلقة على ذات النصوص التي تُرسخ التمييز. هذا الانفصام هو المسؤول الأول عن تفريخ أجيال جديدة من المتطرفين الذين يمارسون الإرهاب النفسي والمجتمعي باسم الدفاع عن الهوية.
تجفيف منابع الكراهية الفكرية
يختتم الباحث سامح فايز رؤيته التحليلية بالتأكيد على أن معركة الدولة والمجتمع ضد التطرف والإرهاب لن تُحسم أمنياً فحسب، بل يجب أن تمتد إلى الجذور الفكرية المتمثلة في أدبيات التمييز والإقصاء. وإن تجفيف منابع الإرهاب يبدأ أولاً بتفنيد هذه النصوص الكلاسيكية التي تحط من قدر الشركاء في الوطن، وإعادة الاعتبار الكامل لمفهوم "المواطنة المتساوية" الدستورية الخالية من أي تصنيفات طبقية أو دينية؛ فحماية النسيج الوطني تبدأ من إغلاق الحاضنة الفكرية التي تفرخ الكراهية والعنف.