لم تعد أم بتول المشهراوي تنتظر يوما ترى فيه ابنتها ترتدي ثوب التخرج، أو تسمعها تخبرها بنجاحها في امتحانات الثانوية العامة، كل ما تتمناه اليوم أمنية تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة إليها تختصر العالم كله، أن تفتح ابنتها عينيها، وأن تسمع صوتها يناديها من جديد "ماما" .
بتول المشهراوي
غيبوبة داخل المستشفى
قبل أكثر من عام، كانت بتول، الطالبة التي تستعد لامتحانات التوجيهي وتحلم بمستقبلها، على أعتاب مرحلة جديدة من حياتها، تحمل آمالها وأحلامها مثل أي فتاة تنتظر أن تفتح لها الأيام أبوابها، لكن قصفا أصاب رأسها، ليقلب حياتها وحياة أسرتها رأسا على عقب، ويضعها منذ ذلك اليوم في غيبوبة داخل المستشفى، لم تستيقظ منها حتى الآن.
مناشدة الأم
منذ تلك اللحظة، توقف الزمن بالنسبة إلى عائلتها، مضت الشهور، وتعاقبت الأيام، فيما بقيت الأم معلقة بين الخوف والرجاء، تراقب ابنتها الراقدة في المستشفى، وتتعلق بأمل أن يأتي اليوم الذي تستعيد فيه وعيها، ولو لتسمع منها كلمة واحدة، وتقول الأم: "نفسي أصحى من النوم وأسمع بنتي تناديني: ماما… ماما".
ليست كلمات عابرة، بل أمنية أم حُرمت من أبسط تفاصيل الحياة مع ابنتها، فلا حديث عن الامتحانات، ولا استعداد لفرحة النجاح، ولا أحلام تُرسم لمرحلة ما بعد المدرسة، كل ما يشغلها أن تعود بتول إليها، أن تفتح عينيها، وتسمع صوتها الذي غاب منذ أن أصابها القصف.
بتول المشهراوي ووالدتها
علاج في الخارج
عام كامل أو أكثر مر على هذه الأم وهي تنتظر، في الوقت الذي كان يفترض أن تنشغل فيه بمستقبل ابنتها، وبنتائج امتحاناتها، وبالخطوات الأولى نحو الجامعة والحياة التي حلمت بها، وجدت نفسها تخوض معركة مختلفة، معركة الانتظار أمام سرير المستشفى، والتشبث بأمل أن تستعيد ابنتها وعيها، وتحصل على العلاج الذي قد يمنحها فرصة جديدة للنجاة.
بتول لم تقدم امتحاناتها، ولم تعش فرحة التوجيهي، ولم تستيقظ من غيبوبتها، لكن حكايتها لم تنته بعد، فما زالت أمها تنتظر، وما زال صوتها الداخلي يردد النداء نفسه: ماما.
اليوم، تناشد والدة بتول العالم التدخل العاجل لإخراج ابنتها من غزة، وتأمين العلاج اللازم لها خارج القطاع، في محاولة لمنحها فرصة للنجاة واستعادة وعيها، لا تطلب استعادة الأيام التي سرقها القصف، ولا إعادة الأحلام التي تبدلت، بل تطلب فرصة لابنتها كي تتلقى العلاج، ونافذة أمل قد تعيدها إلى الحياة.
خلف حكاية بتول، تقف أم لا تريد أكثر من أن تسمع ابنتها تناديها كما كانت تفعل من قبل، أم لا تنتظر شهادة نجاح، ولا احتفال تخرج، ولا مستقبلا مرسوما كما تمنته، إنها تنتظر فقط أن تعود ابنتها إليها، " نفسي أسمعها تقول ماما "، كلمات قليلة، لكنها تحمل وجع عام كامل من الغياب، وأمل أم لم تتوقف عن الانتظار.