محمد نبيل محمد

حكايات الأولاد والأرض.. والد الشهيد مصطفى الجزار: اقتنص 4 تكفيريين ونال الشهادة

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 01:00 ص


كانت تحلم بيوم زفافه، فهي دائمًا ما تراه عريسًا، ومع كل ليلة كانت تختلي في غرفتها مع بدلته العسكرية البيضاء وقبعته البيضاء، تجهز زي وليدها العريس بدقة وعناية، وتتحسس بأناملها كتافات بدلته التي تتسع للنجوم، وتصعد بيدها إلى أعلى لتتلمس تفاصيل وجهه الباسم الذي يعلو نجوم السماء، وتنظر إليه رافعة هامتها لله، وتناديه: «... مصطفى، فرحك يا ضنايا خلّى رأسي مرفوعة على طول، عريس يا بني، عريس إن شاء الله. كنت بتحلم بالبدلة البيضاء، وما كنتش فاكرة إن قصدك: الجنة، وعروستك: سيناء».

تحكي السيدة البطلة المهندسة عزة محمد، والدة الشهيد نقيب بحري مصطفى محمود الجزار: «الشهيد اتولد في الإسكندرية، العجمي، البيطاش، شهر العسل، في 8 مايو 1990، وأنهى كل مراحله التعليمية. كان ترتيبه الطفل الثالث لي، وكان أسمر اللون، بشوش الوجه، هادئ الطبع، محبًّا لكل من حوله. في عامه الرابع من عمره، التحق بمدرسة سموحة الخاصة للغات بسموحة في مرحلة الحضانة، واستمر بالمدرسة حتى المرحلة الإعدادية، وكان من الطلبة المتفوقين، وكان ترتيبه الأول في كل مراحل تعليمه.

وكان مدرسو المدرسة يحبونه لأخلاقه وتفوقه في الدراسة، حتى إنني في كثير من أيام الدراسة كنت سعيدة من معاملة المدرسين له، فدائمًا ما كانوا يعطونه الهدايا لتشجيعه. وكان يتعامل مع المدرسين وزملائه بأخلاق عالية، فاستحق منهم كل الحب والاحترام، وحصل على شهادات تقدير كثيرة جدًا، حتى وصل إلى المرحلة الإعدادية، وكان ترتيبه الأول على محافظة الإسكندرية في الشهادة الابتدائية.

والتحق بمدرسة الجمعية الخيرية الإعدادية، وواصل التفوق والاحترام من مدرسيه وزملائه، ولم تحدث منه أي مشاكل أو شكاوى من أحد، إلا أن الكل شهد له بالسيرة الطيبة. وواصل التفوق حتى التحق بمدرسة العباسية الثانوية العسكرية، وكان وقتذاك والده يعمل بإحدى الدول العربية.

وحدث موقف مع ابني في مدرسته بسبب سوء تفاهم بين مصطفى والمدرس، واتضح أن ما حدث مع المدرس كان سوء تصرف منه، فاعتذر المدرس لابني مصطفى أمام كل أعضاء هيئة التدريس وطلبة المدرسة، وما كان من مصطفى إلا أن قبّل رأس المدرس واعتذر له بكل أدب واحترام وحسن تربية. واستمر في تفوقه ونجاحه المستمر حتى انتهى من المرحلة الثانوية بتفوق، بمجموع 97%.

مصطفى كان الابن الثالث لي. أخوه الأكبر، ابني المهندس أحمد محمود محمد محمود عبد الله، خريج كلية الحاسبات بجامعة عين شمس، ومتزوج ويعمل بدولة الإمارات العربية، وله ابنان، يحيى وياسين. والأخ الثاني، رائد بحري محمد محمود محمد محمود عبد الله. والابن الثالث، رائد بحري مصطفى محمود عبد الله، كان عند استشهاده برتبة نقيب، ولكنه حصل على رتبة رائد بحري كرتبة شرفية بعد الاستشهاد. ثم الأخ الأصغر للشهيد، وهو يوسف محمود محمد محمود عبد الله، بالفرقة الرابعة بكلية الهندسة ونظم المعلومات بجامعة زويل في 6 أكتوبر.

ونال مصطفى المركز الرابع في بطولة الهوكي وهو في الثانوية العامة بنادي سموحة الرياضي. وكما كان متفوقًا في دراسته، كان متميزًا في رياضته التي أحبها، وهي لعبة الهوكي، وبعدها بدأ يهتم برفع لياقته حتى يتفوق أثناء اختبارات الكلية البحرية.

ابني من يومه وهو بيحلم بالبدلة البيضاء. أخوه محمد هو اللي علّمه يحب البحرية، وسبقه للالتحاق بالكلية البحرية، ولما اتخرج كانت فرحة مصطفى ما تتوصفش، وكان أخوه هو المثل الأعلى له. وأنا كنت بشجعه إنه يكون زي أخوه ضابطًا بالقوات المسلحة، وهو فضّل البحرية على أي كلية تانية، لدرجة إنه ما كانش بيحضر بالجامعة، وكان على ثقة من ربه إنه سبحانه وتعالى هيوفقه للقبول بالكلية البحرية. حتى لما ظهرت نتيجة الشرطة بعد إعلان قبوله بالبحرية، أصر على الاستمرار في العيش داخل حلمه الوحيد، زي ما كان دايمًا يقول: "البحرية هي حلمي الوحيد".

وفعلًا، لما اتخرج من أوائل الكلية، كان مهتمًا بالحصول على الفرق والدورات التدريبية اللي بترفع كفاءته وتختصر الزمن ومسافاته علشان يوصل لهدفه بسرعة، لدرجة إنه كان بيرتب نفسه إنه يخلص فرقة، وبعدها بفترة قصيرة جدًا يلتحق بدورة تدريبية أو مسابقة، حتى إنه كان مشهور وسط إخواته في البيت إن شنطة مصطفى ما بتلحقش تفضى إلا وتتجهز تاني.

فاكرة فرحته لما حصل على مركز متقدم في بطولة العالم للقناصة في الأردن، وقد إيه كان سعيدًا لما أنهى فرق الصاعقة الراقية والمتقدمة، واتأهل لفرقة السيل وفرقة الضفادع البشرية وفرقة القتال المتلاحم، وغير فرق ودورات المظلات اللي تفوق فيها، واتعرف بالاسم في القوات البرية، وخاصة القوات الخاصة من الصاعقة والمظلات.

فتقدم مصطفى للحصول على جميع الفرق البحرية، وفعلاً اجتازها بتفوق، إما امتياز أو جيد جدًا، ودائمًا الترتيب الأول، وحصل على 23 فرقة من الدورات والفرق البحرية، منها على سبيل المثال: الضفادع البشرية، والصاعقة، والمظلات، والقفز المتلاحم، والغطس، وغيرها كثير.

كان ينتهي من أداء فرقة، ثم يأتي للمنزل ويقول لي: "من فضلك يا أمي، اغسلي لي الشنطة؛ لأن عندي فرقة أخرى". ولإشفاقي الشديد عليه، كنت أقول له: "تمهّل يا مصطفى حتى تستعيد لياقتك البدنية". كان يقول لي: "لو ما أخدتش الفرق ورا بعض، هكسل ومش هعرف أخدهم حتى أكمل كل الفرق". ثم التحق بفرقة السيل، وهي من أصعب الفرق.

ولما أمضى مصطفى سنوات دراسته بالكلية البحرية بتفوق، وتخرج في عام 2011، كانت وقتذاك ثورة 25 يناير. ونظرًا لما مرت به البلاد من فوضى، اشترك في الكمائن التي شارك فيها كل ضباط القوات المسلحة للحفاظ على أمن مصر، وبدأ يمارس مهام عمله كضابط.

ونظرًا لطموحه الزائد في أن يطور من نفسه ويحصل على أركان حرب بالرغم من صغر سنه، تقدم لمسابقة مداهمة بالأردن، وتمت الموافقة على سفره للأردن، وتفوق وحصل على الترتيب الرابع عالميًا من بين 17 دولة تقدمت لهذه المسابقة، وكان الوحيد من الكلية البحرية الذي تقدم لهذه المسابقة.

وعندما عاد من الأردن، قدم أوراقه لطلب بعثة لأمريكا، وأثناء هذه الفترة تقدم للمنطقة الشمالية ليأخذ دورة لتحسين اللغة الإنجليزية لديه، وكان يخرج من اللواء الذي التحق فيه بلواء الوحدات الخاصة البحرية، ويذهب ليأخذ المحاضرة في المنطقة الشمالية، وبمجرد ما ينتهي، يعود لعمله بلواء الوحدات الخاصة، حتى كانت العملية الشاملة سيناء في الحرب ضد الإرهاب بسيناء.

وألحّ على القادة لتتم الموافقة على مشاركته في العملية الشاملة سيناء، وتمت الموافقة على ذهابه إلى سيناء. وحضر للمنزل ليرتب حقيبته، وأخذ إجازة يومين يقضيهما معنا، ولاحظت وقتها أن تصرفاته معنا كأنه بيودعنا؛ مش عاوز ينام، ولا عاوزنا ننام، عاوز يقعد يتكلم ويحكي. ونصحني بالاهتمام بصحتي أنا ووالده، وقعد يهزر مع إخواته ويضحك كتير معانا، وأنا مستغرباه.

حتى انتهى اليومان واستعد للخروج من المنزل، وجدته يفتح الأسانسير ويرجع. أسأله: "فيه حاجة يا مصطفى؟" يبص لي كتير، وييجي يبوسني، ويقول لي: "نسيت حاجة في الأوضة بتاعتي". يدخل أوضته ويطلع ما فيش حاجة معاه، وتكرر هذا المشهد ثلاث مرات، ونفس الأحداث تتكرر.

لدرجة إن دخلني هاجس خوّفني شوية، وأنا واقفة معاه عند الأسانسير لقيته بيقول لي: "أنا رايح سيناء". قلت له: "وماله يا مصطفى؟" قال لي: "مش قلقانة؟" قلت له: "كلها أراضي ربنا، ما تخافش يا حبيبي. أنت لو استشهدت هاحتسبك شهيد عند الله، ولو رجعت يا حبيبي بسلامة الله، يكفيك شرف المشاركة في العملية الشاملة سيناء". قال لي: "أخاف من إيه يا ماما؟! ده إحنا هنروح نفرمهم". قلت له: "أستودعك الله الذي لا تضيع عنده ودائعه". وذهب في أمان الله إلى سيناء الحبيبة.

في العاشر من شهر يناير 2018، كنت يوميًا أصبح وأمسي عليه بالكتابة على الواتساب، يرد مرة، وكتير ما يردش، حتى انقطع الاتصال تمامًا. وفوجئت به بيطلب مني أدفع له فاتورة التليفون، وبالفعل دفعت له فاتورة الموبايل، وكانت عالية شوية، فكتبت له أضحك معاه وأقول: "مالكش حجة يا صاصا، علشان تكلمني كل يوم". رد عليّ: "ما علش يا حبيبتي، ما فيش شبكة عندنا. ربنا يخليكي ليا، حبيبتي يا أجمل أم في الدنيا". والكلام ده كان قبل إعلان خبر استشهاده بثلاثة أيام.

وبعدها بيوم، كان فيه عندهم في سيناء مؤتمر صحفي، تم اختياره من القادة ليقوم بالتصوير في هذا المؤتمر، لبلاغته في الحوار ولكفاءته في عمله، حتى إن القائد قال لي بعد استشهاد مصطفى: "كلنا أجمعنا إن مفيش حد هيعرف يتكلم في المؤتمر غير مصطفى"، كأن الله أراد أن يخلد سيرته صوتًا وصورة.

وبعد يومين بالضبط، كنت خارج المنزل، وعند عودتي سألت والده، رحمه الله عليه، وقلت له: "هو مصطفى ما اتصلش؟" قال لي: "مصطفى كلّمه من موبايل تاني، وصوته مش هو صوت مصطفى". قلبي انخلع مني ومش عارفة ليه! والمكالمة حصلت مع باباه، يعني مفيش مشكلة في الشبكة. بدأ القلق يتسرب داخلي، وأيقنت وقتها أنه يوجد شيء غير طبيعي في الموضوع، وإنني لن أرى مصطفى مرة أخرى، وقلبي بدأ ينخلع مني حتى كاد أن يتوقف من شدة سرعة دقات قلبي.

قلت له: "اطلب يا بابا الإسعاف". قال لي: "وحّدي الله"، وبدأ يقرأ القرآن ويطمني. ومرت ساعة، وأنا بحاول أنسى قلقي بمشاهدة الموبايل، وجدت زوجي يقول لي: "اعملي لنا شاي". وقفلت الموبايل، وفي أثناء ذلك نزل خبر استشهاد مصطفى على الفيسبوك، والموبايل مقفول عندي. والتليفونات كثرت، وأرد وأسمع الكل يسألني: "عاملة إيه؟" وأنا أقول لهم: "الحمد لله، بخير"، وما حدش عاوز يعرفني أي حاجة.

وقتها أحمد ابني في الإمارات، وعرف وحجز علشان ينزل، وابني الثاني، رائد محمد، كان في مأمورية بين السعودية واليمن، والبحرية اتصلت به وعرّفته، وحجزوا له طيارة ليرجع يحضر جنازة أخوه. وابني الثالث يوسف كان وقتها في الثانوية العامة، وكان في درسه ولم يعلم بشيء.

وقتها كان فيه ضباط وجنود وعدد كبير جدًا واقفين تحت العمارة، وسادين الشارع، ويمنعون الدخول أو الخروج من الشارع، وعدم إبلاغ أسرة الشهيد، حتى يتم نقل جثمان الشهيد من العريش حتى بورسعيد لنقله للمستشفى البحري بالإسكندرية؛ لأن مصطفى قتل أربعة إرهابيين وأصاب ثلاثة آخرين، وكان مطلوبًا تسليم الشهيد مصطفى مقابل خمسة ملايين جنيه، ثمن ما فعله بهم، وكل هذا حدث ونحن لا نعلم بشيء.

حتى وجدت باب الشقة يُطرق بشكل يقلق، ففتح والد الشهيد الباب، وسيل من الضباط يرتدون أوفرولات يدخلون الشقة. وخرجت عليهم ورأسي مكشوفة بدون حجاب، وأنا ملهوفة ومجزوعة وقلبي تقريبًا توقف، وبقول لهم: "مصطفى مات؟" قالوا لي: "لا يا ماما، مصطفى ما ماتش، مصطفى استشهد".

شعرت بسكاكين تمزق قلبي وصدري، ووجدت زوجي ينهار ويبكي بشدة. قلت له: "لازم الصبر، الصبر عند الصدمة الأولى، ولازم ننجح في الاختبار على الابتلاء، والرضا بما قسمه الله لنا، ثم نبكي كيفما نشاء بعد ذلك". وانقطع صوتي، وانحبست الدموع في عيني، وبدأت أسترجع حياة حبيبي مصطفى، وبداخلي قلب ممزق ودموع محبوسة.

ساعتها افتكرت حاجات كتير مش مترابطة ببعضها: «... كان أقرب أصدقائه هو الضابط عمر النينجا، اللي كان دايمًا يقول: إحنا مطمنين على المداهمة وأنت معانا يا نينجا، وكل زمايله كانوا بيحبوه جدًا، لدرجة إن معلمه بفرقة الصاعقة قال لي: كنت شايف إن له مستقبلًا باهرًا؛ لأن إمكانياته متميزة وكفاءته عالية جدًا، ولما حصل على الفرقة كان زميلًا لي في الوحدة ومعايا في المداهمات، وكنت سعيدًا لدرجة الشرف إني أستاذه، لكني بخدم معاه.

... وشوفت ابني في ذاكرتي وهو لما ظهر في أحد أفلام الشؤون المعنوية على شاشات الفضائيات برسالة للتكفيريين، يقول لهم: "الرجالة في سينا بنقوم بأنبل رسالة وأشرف دور في سيناء، ومش هنمشي إلا لما نطهر سينا منكم".

وأصبح يومًا لا أنساه أبدًا، يوم 18 مارس 2018، وفي أثناء اشتراكه مع عناصر من وحدته بالبحرية مع القوات البرية بالعملية الشاملة في سيناء، اللي كانت عروسة أحلامه، وكان دايمًا يقول لي: "نفسي أخدم في سيناء يا أمي، ادعي لي أكون مع أبطال سيناء". وما كنتش عارفة قصده ساعتها.

وحكى لي زمايله إنه لاقى ربه مقبلًا غير مدبر، وإنه اقتنص ببندقيته أربعة من التكفيريين وأصاب اثنين تانيين، وكان زميله ومساعده يعدّ عدد القتلى نتيجة طلقات مصطفى، وبعد الطلقة التانية قال له: "يا فندم، لازم نخلي الموقع، إحنا كده اتكشفنا، وعرف التكفيريون موقعنا". لكنه قال له: "اخلي أنت بسرعة، ما فيش وقت، الرجالة متحركة في اتجاه الأعداء ولازم أغطيهم، وما فيش وقت أتحرك لمكان تاني؛ لأن ممكن أثناء التحرك يتصاب بطل من رجالتنا".

فقال له المساعد: "يا فندم، الطلقة كده جاية لينا". فقال الشهيد له: "اتحرك أنت وسيب الطلقة لي أنا؛ لأني مش هخلي مكاني طول ما القوات متحركة على الأرض، حياتي قبل حياتهم". وبالفعل، أبلغ المساعد عن قنص ثالث من التكفيريين ورابع، وإصابة خامس وسادس، وبعدها نال البطل ما تمناه، فجاءته رصاصة من التكفيريين الذين حولوا كل نيرانهم تجاه مصدر طلقاته حتى يوقفوا نزيف القتل بينهم.

وانشغل الأعداء التكفيريون، كما أراد الشهيد، بالقناص، وتحركت القوات المهاجمة بحرية ودون تهديد من نيران التكفيريين التي توجهت ناحية البطل ابني، حتى ارتقى إلى ربه.

وبعد أن أعلن الرئيس نهاية حالة الطوارئ، كان ذلك بمثابة رد اعتبار لدماء ابني وزملائه الشهداء، وده كان أكبر تكريم في نظري؛ لأن دماءهم الطاهرة ما راحتش هدر.

وبعد كده استدعانا الفريق أحمد خالد، قائد القوات البحرية، ثاني يوم من استشهاد مصطفى، بعد ما تم نقل جثمانه من العريش لمستشفى بورسعيد، ثم للمستشفى البحري بالإسكندرية، لكي يقدم لنا واجب العزاء، وجلس معنا يتحدث عن بطولات مصطفى ويعرفنا بميعاد الجنازة وميعاد العزاء.

أقسم بالله، كانت زفة عريس، تقدمها السيد الفاضل قائد القوات البحرية أحمد خالد، والعديد من قادة القوات البحرية، وحشد هائل من الضباط والجنود، والسيد محافظ الإسكندرية، والسيد مدير الأمن، وأصدقاء ابني الشهيد من داخل مصر وخارجها، والأقارب والجيران.

وقام الفريق أحمد خالد بإصدار أوامره بإحضار ابني محمد، أخو الشهيد، من مأموريته بالسعودية لحضور الجنازة. وكانت جنازة وزفة مهيبة، بقدر ما كنت حزينة وقتذاك لفقدان ابني، إلا أنني شعرت بالفخر لتقدير قائد القوات لنا نحن أسرة الشهيد، وهكذا تكون المؤسسات العسكرية التي لم تنس أبناءها الشهداء.

ولم أنم ليلتها، وكيف أنام وقطعة من قلبي قد فارقتني للأبد؟! وجاء اليوم الثاني من الاستشهاد، وبلغنا قائد القوات، الفريق أحمد خالد وقتها، باستدعائنا أنا ووالد الشهيد وإخوته لرؤية جثمان الشهيد للمرة الأخيرة في حياتنا. وكم هي صعبة تلك اللحظة التي لم ولن أنساها ما حييت!

وذهبنا لمستشفى رأس التين البحرية، وتم إخراج الجثمان من الثلاجة، ونظرت لوجه ابني الشهيد، ووضعت يدي على رأسه وقلت له، والجميع يبكون بشدة: "لا تهن ولا تحزن يا مصطفى، فإن موعدك الجنة يا حبيبي". وقبّلت رأسه، وقلت له: "الحمد لله الذي شرفني باستشهادك يا مصطفى، وأدعو الله أن يجمعني بك في مستقر رحمته"، واستودعته الله الذي لا تضيع ودائعه، ودعوت الله أن يجعله من الضاحكين المستبشرين بالجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وأقامت له القوات البحرية جنازة عسكرية مهيبة من مسجد السيد محمد كريم بالقوات البحرية، حضرها قائد القوات البحرية وقائد المنطقة الشمالية ومدير الأمن ونخبة عظيمة من نواب مجلس الشعب والشورى وعدد غفير من قادة القوات البحرية ورجال القوات المسلحة ورجال الشرطة المصرية، وتمت الصلاة عليه أربع مرات، وأُقيمت مراسم العزاء في مسجد القائد إبراهيم ليلًا، وحضر أيضًا محافظ الإسكندرية الجنازة العسكرية.

... وتم تشريفنا وتكريمنا من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوم الشهيد، وتخليدًا لذكرى ابني البطل، تم إطلاق اسمه على مدرسة البيطاش بالإسكندرية، وتم إطلاق اسمه على الفرقاطة التي شاركت في شد المركب التي جنحت في قناة السويس، والتي تعتبر أكبر وسام يُمنح لضابط بالقوات البحرية تخليدًا لبطولته الفائقة. وتم منحها باحتفالية كبيرة من سيادة الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس.

وبعد ذلك، تم إطلاق اسم الشهيد البطل مصطفى محمود على قاعة بالوحدات الخاصة البحرية التي كان الشهيد يعمل بها، وتسمية فرقة بالقوات البحرية باسم الشهيد رائد بحري مصطفى محمود عبد الله.

... وصدر قرار من القوات المسلحة بتكريم والد الشهيد البطل رائد بحري مصطفى محمود بمنحه الحج في نفس السنة التي استشهد فيها الشهيد البطل مصطفى محمود. وكنت في حفل تكريم لي بالقوات البحرية، وفوجئت بقدوم مجموعة من ضباط القوات البحرية، جاءوا إلى الحفل وطلبوا مقابلتي، وبلغوني بأنهم مدينون لابني الشهيد البطل مصطفى بأرواحهم؛ لأنه أنقذهم وفداهم بروحه الطاهرة.

وساعتها كانت الفرحة والفخر بابني كبيرين جدًا، وتوجهت إلى ربي بالحمد والشكر على كرمه لابني. وما فيش دقائق معدودة، إلا وبلغوني أن السيد الرئيس أمر بأن سيادته يقابلني، وأن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي موجود في قصر رأس التين ويريد مقابلتي.

وذهبت لقصر رأس التين لمقابلة سيادة الرئيس، وسبحان الله، كانت مقابلة رائعة وحفاوة بالغة. وبلغني سيادة الرئيس أن جميع ملوك ورؤساء الدول العربية هنّؤوه باستشهاد مصطفى لما علموا عنه من بطولاته في سيناء، ولأنه أول ضابط بحري يستشهد بعد حرب أكتوبر. وأكرمني السيد الرئيس بالحج، وشكرت سيادة الرئيس على حبه ورعايته لأسر الشهداء.

والحمد لله، جلست بيني وبين نفسي، وكانت مرحلة حياة مصطفى وكأنها شريط فيديو، منذ لحظة ميلاده حتى مرحلة استشهاده، ومرت أمام عيني بكل تفاصيلها...

ابني راح عند ربه بالبدلة اللي كان بيحبها وبيحلم إنه يكون عريسًا بها؛ لأن الشهيد مش بيتغسل وبيروح لربه بزيه اللي عليه، وترك لي بدلة تانية فيها ريحته، آخدها في حضني كل يوم وأقرأ القرآن له ولوالده، رحمهما الله.

أنا مش زعلانة، أنا مؤمنة إن ابني قدم اللي عليه لربه بإخلاص، ودافع عن بلده وناسه بوطنية اتربى عليها هو وأخوه الكبير، الرائد بحري محمد، اللي كان مثله الأعلى. وحتى إخواته أحمد ويوسف، اللي دخلوا مجال الهندسة، اتعلموا من أخوهم يكونوا أبطال هم كمان، لما كل واحد يؤدي واجبه بإتقان، ويكونوا مؤمنين إن العمل عبادة.

أصحابه لما كانوا بيعزّوني في الشهيد، كل واحد منهم طلب حاجة من مقتنيات الشهيد تكون معاه ذكرى حلوة من البطل معاهم. وفعلاً طلعت لهم نظارته ورتبه وشارات الفرق وأفرولاته، وكل واحد منهم أخد حاجة من حاجات الشهيد، ومنهم اللي سمّى ابنه على اسم الشهيد.

وكمان صاحبه عمر النينجا لحق به، رحمهما الله، بعد شهر واحد من استشهاد مصطفى. في الجنة إن شاء الله مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبارك».

الشهيد مصطفى الجزار (1)
الشهيد مصطفى الجزار (1)

 

الشهيد مصطفى الجزار (2)
الشهيد مصطفى الجزار

 

الشهيد مصطفى الجزار (3)
الشهيد مصطفى الجزار 

 

 
الشهيد مصطفى الجزار (5)
الشهيد مصطفى الجزار 

 

الشهيد مصطفى الجزار (6)
مدرسة الشهيد مصطفى الجزار

 

الشهيد مصطفى الجزار (7)
الشهيد مصطفى الجزار

 

الشهيد مصطفى الجزار (8)
الشهيد مصطفى الجزار (8)

 

الشهيد مصطفى الجزار (9)
الشهيد مصطفى الجزار

 

الشهيد مصطفى الجزار (10)
الشهيد مصطفى الجزار 

 

الشهيد مصطفى الجزار (11)
صلاة الجنازة على الشهيد مصطفى الجزار 

 

الشهيد مصطفى الجزار (12)
الشهيد مصطفى الجزار والسيدة والدته

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة