من أعماق البحر إلى ركام المنازل المدمرة.. أهالي غزة ينبشون بقايا باخرة غارقة بحثا عن الأسمنت لترميم بيوتهم وحماية أطفالهم من البرد.. رحلة تختصر شوق الفلسطينيين لمأوى يحتضنهم بعد سلب الحرب أبسط حقوقهم في الحياة

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 02:00 م
من أعماق البحر إلى ركام المنازل المدمرة.. أهالي غزة ينبشون بقايا باخرة غارقة بحثا عن الأسمنت لترميم بيوتهم وحماية أطفالهم من البرد.. رحلة تختصر شوق الفلسطينيين لمأوى يحتضنهم بعد سلب الحرب أبسط حقوقهم في الحياة الفلسطينيون يستخرجون الأسمنت

كتب أحمد عرفة

تخيل أن يضطر الإنسان إلى البحث في أعماق البحر عن الإسمنت، لا لبناء منزل جديد أو تشييد مبنى فاخر، بل لترميم جدار تصدع بفعل الحرب، أو سد فجوة في سقف لم يعد قادرا على حماية أطفاله من البرد والمطر، في غزة، حيث تحولت آلاف المنازل إلى ركام، وبات الحصول على مواد البناء تحديا إضافيا أمام العائلات التي تحاول استعادة الحد الأدنى من الحياة، أصبحت حكاية باخرة غارقة قبالة الشواطئ نافذة صغيرة للأمل وسط الدمار.

ترميم ما خلفته الحرب

منذ سنوات طويلة، ترقد الباخرة الغارقة في أعماق البحر قبالة القطاع، حاملة في جوفها بقايا شحنة من الإسمنت تحجرت بفعل الزمن والمياه، واليوم، تعود هذه الباخرة إلى الواجهة مع محاولات الأهالي الاستفادة مما تبقى من حمولتها، بحثا عن مادة يمكن أن تساعدهم في ترميم ما خلفته الحرب من جدران مهدمة وبيوت متصدعة.

ليست الحكاية مجرد محاولة لاستخراج الإسمنت من سفينة غارقة، بل صورة تختصر حجم المأساة التي يعيشها سكان القطاع، الذين يجد بعضهم نفسه مضطرا إلى البحث عن مواد البناء في أماكن غير مألوفة، بعدما أصبحت إعادة تأهيل المنازل مهمة شاقة في ظل القيود المفروضة على دخول مواد الإعمار، ونقص الإمكانات والموارد.

الفلسطينيون يستخرجون الأسمنت
الفلسطينيون يستخرجون الأسمنت

 

فقدان المنازل

بالنسبة إلى عائلة فقدت منزلها أو لم يتبق منه سوى جدران مهددة بالسقوط، قد لا يكون الإسمنت المستخرج من الباخرة سوى كمية محدودة، لكنه يحمل معنى يتجاوز قيمته المادية، فقد يعني جدارا يمكن ترميمه، أو غرفة تستعيد جزءا من قدرتها على حماية ساكنيها، أو فرصة لتخفيف معاناة أسرة أنهكها النزوح والتنقل بين أماكن الإيواء.

وفي غزة، لا تقاس احتياجات إعادة الإعمار بالأبنية الكبيرة وحدها، بل بالتفاصيل اليومية التي افتقدها الناس، سقف يحمي الأطفال من المطر، وجدار يصد الرياح الباردة، وغرفة تمنح أسرة أنهكتها الحرب شيئا من الخصوصية والاستقرار، وبين هذه الاحتياجات البسيطة في ظاهرها والصعبة في واقعها، يحاول الأهالي ابتكار حلول بديلة للبقاء، مستندين إلى ما يتوافر حولهم من إمكانات محدودة.

استخراج الأسمنت
استخراج الأسمنت

 

استخراج الإسمنت

استخراج الإسمنت من قاع البحر ليس مهمة سهلة، فهو يتطلب الوصول إلى موقع الباخرة وانتشال المواد من المياه، بالإضافة إلى صعوبات العمل البحري ومخاطر الغوص والتعامل مع حمولة قديمة تحجرت بفعل الزمن، كما أن صلاحية هذه المواد للاستخدام في البناء تحتاج إلى تقييم فني، حيث لا يعني تحجر الإسمنت أو بقاؤه داخل السفينة أنه ما زال صالحا للاستخدام الإنشائي الآمن.

ومع ذلك، تكشف هذه المحاولات عن واقع أكثر قسوة من تفاصيل الحكاية نفسها، أن يصبح العثور على مواد لترميم منزل مدمر رحلة إلى أعماق البحر، بدلا من الحصول عليها عبر الطرق الطبيعية لإعادة الإعمار.

إعادة بناء غزة لا تتعلق بالإسمنت وحده، بل بتوفير مستلزمات البناء، وفتح المجال أمام جهود الترميم، وتأمين المأوى اللائق للعائلات التي فقدت بيوتها، إلى جانب إزالة الركام ومعالجة الأضرار التي طالت البنية التحتية، وهي احتياجات لا يمكن تلبيتها بالحلول الفردية وحدها، مهما أظهرت من قدرة على الصمود والابتكار.

تبقى حكاية الباخرة الغارقة أكثر من قصة عن شحنة إسمنت قديمة، إنها حكاية أناس يبحثون عن فرصة للعودة إلى بيوتهم، ولو عبر بقايا سفينة لفظها الزمن في أعماق البحر، وبين ركام المنازل وأمواج الشاطئ، يتمسك أهالي غزة بأمل بسيط، أن يجدوا ما يكفي لبناء جدار، وترميم غرفة، واستعادة شيء من الحياة التي سلبتها الحرب.

أي قسوة تلك التي تجعل الإسمنت رحلة بحث في قاع البحر، فيما لا يطلب الناس سوى بيت يأويهم؟ في غزة، لا يزال الأمل يجد طريقه حتى من بين حطام السفن، لكن حق الأهالي في السكن الآمن وإعادة بناء منازلهم يجب ألا يظل مرهونا بمغامرات البحث عن بقايا مواد البناء.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة