من لبنان إلى الإنسانية.. جوان بجالي مديرة جمعية بلادي اللبنانية فى حوار مع "اليوم السابع": 6 أشهر من العمل لتوثيق ما أصاب القرى والمباني التاريخية خلال الحرب.. ونعد معرضا كبيرا لعرض حجم الدمار الذى طال التراث

السبت، 03 أكتوبر 2026 08:30 م
من لبنان إلى الإنسانية.. جوان بجالي مديرة جمعية بلادي اللبنانية فى حوار مع "اليوم السابع": 6 أشهر من العمل لتوثيق ما أصاب القرى والمباني التاريخية خلال الحرب.. ونعد معرضا كبيرا لعرض حجم الدمار الذى طال التراث جوان بجالي مديرة جمعية بلادي اللبنانية

حوار / أحمد عرفة

 

<< توثيق التراث والدفاع عنه أصبحا من ضروريات الحرب

<< 66% من المباني التاريخية تضررت في المرحلة الأولى من التوثيق

<< أكثر ما بقي حاضرا في ذاكرتي مشهد التدمير الممنهج للمباني التاريخية

<< عندما تصل نسبة تدمير المباني التاريخية إلى 90% تصبح القضية أكبر من مجرد دمار مادي

<< الحرب لا تدمر الحجر فقط وإنما يمكن أن تقطع العلاقة بين الإنسان وأرضه

<< التوثيق ونقل المعلومات إلى الأجيال المقبلة هما من أهم الوسائل لمحاربة عملية محو الآخر

<< هناك صعوبة كبيرة في إعادة الإعمار بجنوب لبنان

 

من بيروت، حيث اختارت أن تبقى قريبة من الناس والذاكرة، وجدت جوان فرشخ بجالي نفسها أمام مهمة تتجاوز حدود العمل الثقافي التقليدي، مهمة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة لبنان، وتوثيق ما تعرض له تراثه من دمار، حتى لا تختفي حكايات الأماكن مع اختفاء مبانيها.

جوان فرشخ بجالي، مديرة جمعية "بلادي" اللبنانية المتخصصة في حماية التراث والتعريف به، عاشت الحرب من موقع مختلف، لم تنزح من منزلها، لكنها كانت محاطة بالنازحين الذين تركوا بيوتهم قسرا، وشهدت عن قرب كيف يمكن للحرب أن تغير حياة الإنسان وتدفعه إلى البحث عن معنى جديد للأرض والانتماء، ومع اتساع رقعة الدمار، لم يعد الحفاظ على التراث بالنسبة إليها ترفا ثقافيا، بل أصبح ضرورة لحماية ذاكرة الناس وهويتهم وصلتهم بالأماكن التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم.

من هنا بدأت جمعية "بلادي" عملية واسعة لتوثيق المباني والمراكز التاريخية في عدد من قرى الجنوب اللبناني، مستعينة بطلاب ومتخصصين ومتطوعين، قبل أن تفرض الظروف الأمنية لاحقا طرقا أخرى لجمع المعلومات عبر التواصل مع الأهالي والصور والخرائط والوثائق.

وفي هذا الحوار، تتحدث جوان بجالي عن تجربتها خلال الحرب، ومعنى أن يرى الإنسان المكان الذي يحمل ذاكرته يتحول إلى أنقاض، وتكشف تفاصيل عملية توثيق شملت نحو 400 مبنى تاريخي في عدد من قرى الجنوب، وما رصدته الجمعية من مستويات مرتفعة من الدمار، كما تتحدث عن الصعوبات التي واجهها فريقها، وأهمية التكنولوجيا في إعادة توثيق المواقع المهدمة، ودور الشباب في حماية الذاكرة الثقافية.

وبين الخسارة والأمل، تؤكد أن التوثيق هو إحدى أهم أدوات الحفاظ على الذاكرة، ومعرفة ما كان موجودا، وتسجيله بالصور والخرائط والأرقام والوثائق، قد تكون الخطوة الأولى حتى لا يتحول تاريخ الأماكن التي دمرتها الحرب إلى مجرد حكايات بعيدة عن الحقيقة، وإلى نص الحوار..

جوان بجالى
جوان بجالى

بداية.. كيف عشتِ الأيام الأولى للحرب؟

كنا جميعا نعيش أجواء الحرب ونشهد تداعياتها، لم نكن في الصف الأول من المواجهة، بل في الصفين الثاني والثالث، لكننا كنا محاطين بأعداد كبيرة من النازحين، وهم أهلنا من الجنوب أو من مناطق أخرى في بيروت، حاولنا خلال الحرب أن نساعد النازحين قدر الإمكان، خاصة في تأمين الاحتياجات الأساسية وضروريات الحياة، لأن الحرب شردت الناس إلى الطرقات بسرعة كبيرة، ولم تعد أبسط الاحتياجات الأساسية متوافرة لهم، لذلك، كان الهدف في المرحلة الأولى من الحرب هو أن نتكاتف ونتعاون فيما بيننا حتى نستطيع الصمود في مواجهة الحرب.

ما الذي تركته من أثر على حياتك الشخصية والمهنية؟

على المستوى الشخصي والمهني، فقد غيرت الحرب كل شيء، كنا دائما نقول إننا مستعدون للحرب ومتهيئون لها، لكن الحقيقة أن أحدا لا يستطيع أن يستعد لأي نوع من الحروب، ولا سيما لهذه الحرب، أنا مواطنة لبنانية نشأت وترعرعت خلال الحرب الأهلية، وكانت طفولتي كلها مرتبطة بالحرب، لذلك كنا معتادين إلى حد ما على مفهوم الحرب، كما أنني عملت في السنوات السابقة في سوريا والعراق، وبالتالي فإن أجواء الحرب ليست غريبة عني.

هل تعرضتِ مثل كثير من اللبنانيين لتجربة النزوح؟

كنا من المحظوظين الذين لم يضطروا إلى النزوح أو ترك منازلهم، أنا أعيش في بيروت، في منطقة الضاحية الشمالية، ولذلك لم نضطر إلى النزوح، لكننا كنا محاطين بأعداد كبيرة من النازحين، وكانوا أهلنا من الجنوب أو من مناطق أخرى في بيروت، ولذلك حاولنا خلال الحرب مساعدتهم في تأمين الاحتياجات الأساسية وضروريات الحياة.

كيف أثرت هذه التجربة عليكِ

هذه الحرب مختلفة عن الحروب السابقة، لأنها حملت، كما عشناها، إرادة وقدرة على محو الآخر، وهذا يغير كثيرا نظرة الإنسان إلى انتمائه للأرض وتعلقه بالوطن، في الحروب الأهلية، يكون واضحا أن الآخر قد يستهدفك أو يستهدف عائلتك، وهناك عامل القتل والعنف المرتفع والمؤثر جدا في حياة الإنسان، إضافة إلى القصف العشوائي والقتل الذي قد يحدث من دون سبب، لكن هذه الحرب كانت مختلفة في طبيعتها وإطارها، ومن خلال متابعة الأخبار وتطورات الأحداث، كان واضحا أن هناك محاولة لإزالة الآخر بشكل كامل.

عندما يصبح الإنسان مهددا في حياته اليومية.. كيف يمكنه مواصلة الدفاع عن التراث والثقافة؟

منذ الأيام الأولى للحرب، ومع متابعة حجم الدمار وبدء عملية التوثيق، تبين لنا أن توثيق التراث والدفاع عنه أصبحا من ضروريات الحرب، لأن التراث كان ضحية لهذه الحرب مثل أي ضحية أخرى، صحيح أن الإنسان يأتي في المرتبة الأولى، ولكن الدفاع عن التراث يختلف عن الدفاع عن منشأة حيوية، مثل شبكة المياه، فإذا تعرضت شبكة المياه للدمار، يمكن إعادة بنائها، أما المباني التاريخية فإذا دُمرت فلا يمكن إعادة بنائها بالطريقة نفسها، وإذا أعدنا بناءها من جديد، فإنها تصبح مباني زائفة لا تحمل القيمة التاريخية الأصلية، وعندما يُدمر المبنى التاريخي، فإنك تلغي امتداد الإنسان في الزمن، وتقطع صلته بالأجيال السابقة التي ينتمي إليها.

هل كان هناك موقف أو مشهد خلال الحرب لا يزال حاضرا في ذاكرتك سواء تعلق بالنزوح أو باستهداف موقع تراثي؟

أكثر ما بقي حاضرا في ذاكرتي هو مشهد التدمير الممنهج للمباني التاريخية، وما كشفته عملية التوثيق من حجم الخسارة، فعندما تصل نسبة تدمير المباني التاريخية إلى مستويات مرتفعة للغاية، فإن الأمر يصبح أكبر من مجرد خسارة حجر أو مبنى، ويتحول إلى عملية محو للذاكرة وفك للارتباط بالأرض.

بصفتكِ مديرة جمعية "بلادي" اللبنانية.. كيف تعاملتم مع الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية والتراثية خلال الحرب؟

بدأنا عملية التوثيق بهدف تثبيت ما حدث، خاصة من خلال الصور والوثائق، حتى تكون لدينا قاعدة معلومات يمكن الرجوع إليها خلال مرحلة إعادة الإعمار.

ما أبرز المواقع أو المعالم التي تعرضت للتدمير أو الضرر؟

بدأت عملية التوثيق في مدينة النبطية الفوقا، ومدينة النبطية التحتا، وقرى كفرتبنيت، وزوطر الغربية، وزوطر الشرقية، وتبين لنا أن هذه القرى تضم مراكز تاريخية ونحو 400 مبنى تاريخي، ما بين مبان دينية وسكنية وإدارية، وهي قرى تاريخية يعود جزء من بنائها إلى القرن السابع عشر، أي إن هناك مباني يصل عمرها إلى نحو 300 عام، ومن خلال هذه المباني يمكننا أن نرى تطور المجتمع اقتصاديا وتاريخيا، وطريقة تشكل الحياة الاجتماعية فيه، إضافة إلى الارتباط غير الملموس بين أفراد المجتمع ومكانهم، وهذا الارتباط يشكل جزءا من الهوية الشخصية للفرد، ومن ذكرياته مع الأماكن والمجموعة التي يعيش بينها، وهو ما يُعرف بالذاكرة الجماعية التي تربط الشعوب بأرضها ومكانها.

كيف تمكنتم من توثيق الاعتداءات على المواقع التراثية رغم الظروف الأمنية الصعبة؟

في عام 2024 تمكنا من النزول إلى الميدان، وكان معنا طلاب من قسم العمارة في الجامعة اللبنانية، وقاموا بإعداد خرائط للمباني التاريخية رغم القصف والخطر الأمني، أما في عام 2026، فلم يعد النزول إلى الميدان ممكنا، ولذلك اعتمدنا على الإنترنت وعلى التواصل المباشر مع أهالي القرى، ووصل عدد أفراد الفريق الذي شارك في جمع المعلومات إلى نحو 40 شخصا، عملوا لأكثر من ستة أشهر على توثيق المعلومات وجمعها ومقارنتها وتأكيدها.

ما الصعوبات التي واجهتكم في جمع المعلومات وتوثيق حجم الدمار؟

واجهتنا صعوبات كبيرة في جمع المعلومات وتأكيدها وتحديدها، وفي عام 2026 تحديدا، كان النزول إلى الميدان مستحيلا، ولذلك اعتمدنا على التواصل مع أهالي القرى وعلى المعلومات والصور المتاحة، وعملية التوثيق نفسها كانت صعبة ومؤلمة جدًا، لأننا كنا نوثق بالأرقام حجم ما نراه من دمار وفقدان، وعندما تصل نسبة تدمير المباني التاريخية إلى 90%، فإن القضية تصبح أكبر من مجرد دمار مادي، وتصبح مرتبطة بذاكرة المكان وهويته وتاريخه.

هل ترين أن استهداف التراث هو جزء من استهداف هوية الشعوب وتاريخها وليس مجرد تدمير للحجر؟

بالتأكيد، وهذا هو جوهر عملية التوثيق التي قمنا بها، فالمباني التاريخية والثقافية والتراثية تمنح الإنسان جزءا أساسيا من هويته، لأنها أشياء ملموسة يستطيع رؤيتها وفهم عمقها التاريخي، المباني التاريخية هي شاهد حي على الماضي، يستطيع الإنسان من خلالها أن يرى تاريخ المكان ويفهم امتداده عبر الزمن، وعندما يُجبر الإنسان على النزوح، ثم تُدمر أرضه وكل ما عليها من منشآت حيوية وتاريخية، تنقطع صلته بالمكان، وعندما تتغير معالم القرى، وتُدمر المباني التاريخية، وتتعرض القبور والمقابر للتدنيس، فإن ذلك يضرب عامل التاريخ والارتباط بالأرض.

11

كيف تصفين حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع التراثية والثقافية في لبنان خلال الحرب؟

في القرى التي قمنا بتوثيقها، كان هناك نحو 400 مبنى تاريخي، وخلال حرب عام 2024، وصل حجم التدمير إلى نحو 66% من المباني التاريخية في هذه القرى، بينما وصلت نسبة الدمار، وفق عملية التوثيق التي قمنا بها، خلال حرب عام 2026 إلى حدود 85% و90%، وهذا الحجم من الأضرار يمثل خسارة كبيرة ومؤلمة للذاكرة التاريخية والثقافية للمكان، لأننا لا نتحدث فقط عن مبان مادية، وإنما عن تاريخ متراكم وذاكرة جماعية مرتبطة بهذه المباني.

إلى أي مدى تؤثر الحروب على الهوية الثقافية للشعوب وليس فقط على الحجر والمعالم الأثرية؟

الحرب لا تدمر الحجر فقط، وإنما يمكن أن تقطع العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة، فالإنسان يرتبط بمكان معين، وإذا كان ارتباطه تاريخيا، فإنه يرتبط بأجداده الذين سبقوه إلى هذه الأرض، وتوفوا فيها، ودفنوا فيها، كما يرتبط ببيوت العائلة وتراثها وعاداتها، وعندما تُقطع هذه الأوصال، يصبح الإنسان مشردا ومقطوع الصلة بمكانه، ويحاول إعادة بناء كيانه في مكان آخر، لذلك فإن حماية التراث هي أيضًا حماية للهوية والذاكرة الجماعية.

ما أهمية توثيق الانتهاكات التي تستهدف التراث الثقافي؟

التوثيق مهم جدا، لأنه يثبت ما كان موجودا وما تعرض للدمار، ونحن نعد تقارير، ونحضر لمعرض كبير نستطيع من خلاله عرض جميع المعلومات التي جُمعت خلال عملية التوثيق.

هل يمكن أن يشكل هذا التوثيق أساسا للمساءلة القانونية مستقبلا؟

يمكن وضع هذه المواد في إطار عمل الجمعيات التي تسعى إلى المطالبة بالمحاكمة والمحاسبة، كما يمكن وضعها في يد الجهات اللبنانية المعنية، ومنها وزارة الثقافة، ونحن في جمعية "بلادي"، وهي جمعية لبنانية متخصصة في حماية التراث خلال فترات الطوارئ والتدريب والاستعداد لها، نعمل على التوثيق، ثم نعيد هذه المعلومات إلى أهالي القرى.

برأيكِ هل يحظى التراث الثقافي بالحماية الكافية في القانون الدولي أثناء النزاعات المسلحة أم أن هناك حاجة إلى آليات أكثر فاعلية؟

لم أتطرق بشكل مباشر إلى تقييم مدى كفاية القانون الدولي، لكن تجربتنا العملية أظهرت أن هناك حاجة كبيرة إلى توثيق علمي وأكاديمي دقيق يمكن الاعتماد عليه، خاصة في ظل صعوبة الوصول إلى المواقع المتضررة أثناء الحرب.

كيف يمكن توظيف هذا التوثيق لاحقا في حماية الحقوق والمطالبة بالمساءلة؟

التقارير التي نعدها، والمعرض الذي نعمل على تحضيره، يمكن أن يوضعا في إطار الجهود التي تقوم بها الجمعيات المطالبة بالمحاكمة والمحاسبة، كما يمكن تسليمهما إلى الجهات اللبنانية المعنية، وعلى رأسها وزارة الثقافة، وبالنسبة إلى جمعية "بلادي"، فإن دورنا الأساسي هو توثيق ما حدث وإعادة هذه المعلومات إلى أهالي القرى، حتى يمتلكوا معرفة دقيقة بحجم الخسارة التي تعرضوا لها.

من خلال تجربتكِ.. ما أوجه التشابه بين ما تعرض له التراث اللبناني وما يتعرض له التراث الفلسطيني؟

بالنسبة إلي، فإن ما نشهده في لبنان اليوم يعادل النكبة التي حدثت عام 1948، مع فارق أن الأساليب والمنهجيات تطورت مع مرور الزمن في محاولة لمحو وجود الآخر من التاريخ، وأوجه التشابه كبيرة جدا، لأن هناك أساليب وطرقا وآليات تهدف، في إطار من العنف، إلى محو وجود الآخر وقطع صلته بأرضه وتاريخه.

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الدولية في حماية التراث في لبنان وفلسطين؟

لم أتناول بشكل مباشر تقييم أداء المؤسسات الدولية، لكن ما أؤكد عليه هو أن التوثيق العلمي والأكاديمي يمثل في الظروف الحالية وسيلة أساسية لمواجهة محاولات محو التاريخ والهوية، وللحفاظ على الأدلة والمعلومات التي يمكن الرجوع إليها مستقبلا.

هل شهدتم مبادرات شعبية أو فردية نجحت في إنقاذ مقتنيات أو أرشيفات أو مبان تراثية خلال الحرب؟

لم نعمل على توثيق مبادرات محددة لإنقاذ مقتنيات أو أرشيفات، لكننا قمنا بمبادرة واسعة للتوثيق بالتعاون مع نحو 40 شابا وشابة، واستمرت عملية جمع المعلومات لأكثر من ستة أشهر.

جوان فرشخ بجالي
جوان فرشخ بجالي

كيف يمكن استخدام التكنولوجيا مثل التصوير ثلاثي الأبعاد أو الخرائط الرقمية في توثيق المواقع الأثرية المهددة أو المدمرة؟

سنعود إلى استخدام التكنولوجيا والتصوير ثلاثي الأبعاد والخرائط الرقمية بهدف إعادة تكوين الممتلكات الثقافية، ولو بصورة ثلاثية الأبعاد، للمواقع التي لدينا معلومات عنها، وذلك بهدف توثيقها والحفاظ على ذاكرتها.

كيف يمكن للشباب أن يكونوا جزءا من حماية التراث حتى في ظل الحروب والنزوح؟

نحن نعمل مع نحو 40 شابًا وشابة في عملية التوثيق، وقد شاركوا معنا لأكثر من ستة أشهر في جمع المعلومات المتعلقة بالقرى والمباني التاريخية، وأعتقد أن مشاركة الشباب في عملية التوثيق ونقل المعلومات إلى الأجيال المقبلة تمثل جزءا أساسيا من حماية التراث، لأن الشباب هم حلقة الوصل بين الذاكرة التي نحاول الحفاظ عليها والمستقبل الذي نريد أن تصل إليه.

كيف يمكن للإعلام أن يسلط الضوء على استهداف التراث بوصفه جزءا من معاناة المدنيين وليس مجرد خسارة معمارية؟

من المهم أن يعرف الناس أن خسارة مبنى تاريخي ليست مجرد خسارة حجر، فهذا المبنى يحمل تاريخا وذاكرة وارتباطا بالمكان والأجيال، وعندما يتم عرض حجم الخسارة بالأرقام والصور والوثائق، يستطيع الناس أن يفهموا أن ما حدث ليس مجرد دمار معماري، وإنما خسارة لجزء من تاريخهم وهويتهم.

بعد كل ما شهدتموه.. هل أنتم متفائلون بإمكانية إعادة ترميم ما دُمر والحفاظ على الذاكرة الثقافية للأجيال القادمة؟

هناك صعوبة كبيرة وإشكالية حقيقية في إعادة الإعمار في جنوب لبنان، بسبب طبيعة الأسلحة المستخدمة، والتي يمكن أن تؤدي إلى تفتيت الحجر التاريخي بشكل كامل، بحيث يتحول إلى غبار ومسحوق، وهنا تظهر إشكالية كبيرة في إعادة الإعمار، لأنه في كثير من الأحيان لا تعود هناك أحجار تاريخية يمكن استخدامها، وهذا الأمر يحتاج إلى أهل الاختصاص والمهندسين والوزارات المعنية للتفكير في الآليات المناسبة لإعادة الإعمار، وما إذا كانت ستُستخدم الأساليب نفسها التي اتُبعت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أم سيتم ابتكار آليات وأساليب جديدة.

بعد كل ما مررتِ به من خسارة ومشاهدة للدمار.. من أين تستمدين الأمل للاستمرار في الدفاع عن التراث؟

بالنسبة إلي، وللشعب اللبناني وللشعب الفلسطيني، فإن عملية المقاومة الثقافية الوحيدة الممكنة حاليا هي التوثيق، فالطرف المقابل يحاول أن يقوم بكل ما يمكن من أجل محو الآخر، وإذا لم نستطع أن نعرف وأن نوثق، فإن تاريخنا قد يتحول إلى مجرد أساطير وقصص، أما التوثيق العلمي والأكاديمي القائم على الأرقام، فإنه يكسر هذه الآلية، ويسمح للناس بمعرفة تاريخها، وحتى إذا تدمر المكان، فإنني إذا كنت أعرف تاريخه، أستطيع أن أحافظ عليه ولو في الذاكرة والفكرة، وهذه الطريقة استخدمتها شعوب كثيرة تعرضت للإبادة أو لمحاولات محو هويتها، سواء الأرمن أو شعوب في جنوب أمريكا، وكانت وسيلة لمواجهة محاولات محو الشعوب والتاريخ.

ماذا تقولين لكل شخص فقد منزله أو مدينته ويشعر أنه فقد جزءا من هويته أيضا؟

من المهم، حتى في لحظة الخسارة، أن يعرف الإنسان حجم ما خسره، صحيح أن رؤية حجم الخسارة مؤلمة، لكن عندما يكون الإنسان مدركا لتاريخه، فإن هذا التاريخ لا يعود مجرد أسطورة، بل يصبح قادرا على القول بالأرقام، هذا المبنى عمره 200 عام، وكان يتميز بهذه الخصائص، وهذه هي قصته، نحن نعمل على إعداد معرض سيشارك فيه أهالي القرى في الجنوب، وسيكون بإمكانهم رؤية حجم الخسارة التي تعرضوا لها بالأرقام، ومعرفة حجم التاريخ الذي خسروه، قد يكون مؤلما أن ترى حجم الخسارة، لكن معرفة ما خسرناه هي الخطوة الأولى للحفاظ على الذاكرة ومنع ضياعها.

ما رسالتكِ إلى الشعبين اللبناني والفلسطيني حول أهمية التمسك بالثقافة والتراث حتى في أحلك الظروف؟

بالنسبة إلى الشعبين اللبناني والفلسطيني، فإن التوثيق ونقل المعلومات إلى الأجيال المقبلة هما من أهم الوسائل لمحاربة عملية محو الآخر، حتى إذا دُمر المكان، فإن معرفة تاريخه وتوثيقه بالصور والخرائط والأرقام والوثائق تسمح للأجيال المقبلة بأن تعرف ما كان موجودا، وتدرك أن هذا المكان كان جزءا من تاريخها وهويتها، لذلك، فإن المقاومة الثقافية اليوم تبدأ من أن نعرف، ونوثق، ونحفظ، وننقل المعرفة إلى الأجيال التي ستأتي بعدنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة