تحولت اتهامات التزوير في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي جرت الثلاثاء، إلى مصدر إحراج سياسي لحزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعدما كشفت تقارير صحفية إسرائيلية أن الحزب ناقش قبل ظهور النتائج إمكانية إطلاق حملة للتشكيك في نزاهة الانتخابات حال خسارته، قبل أن يوجه بالفعل اتهامات واسعة للأحزاب العربية بالتلاعب في الأصوات، في وقت أكدت فيه الشرطة الإسرائيلية عدم امتلاك أدلة تحقيقية أو استخباراتية تدعم هذه المزاعم.
وتكمن المفارقة في أن الاتهامات لم تظهر باعتبارها رد فعل مفاجئا على مخالفات ثبت وقوعها خلال الاقتراع، وإنما سبقتها، وفق تقارير إعلامية، مناقشات داخل الليكود بشأن كيفية التعامل مع احتمال خسارة الانتخابات، بما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت رواية سرقة الأصوات تستند إلى وقائع انتخابية، أم أنها تحولت إلى وسيلة سياسية للطعن في النتائج التي لا تحقق للحزب الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة.
قبل التصويت.. الليكود يستعد لرواية الانتخابات المسروقة
بدأت القصة قبل فتح صناديق الاقتراع، عندما نشرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل، صباح الثلاثاء، تقريرا نقل عن وسائل إعلام عبرية أن مسؤولين فى الليكود ناقشوا احتمال التشكيك في نتائج الانتخابات إذا لم يتمكن نتنياهو من تحقيق الفوز.
وبحسب التقرير، كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن الحزب بدأ إعداد شكاوى تتعلق بمراكز الاقتراع في البلدات العربية، فيما تحدثت صحيفة هآرتس عن مناقشات داخل الليكود بشأن إطلاق اتهامات بتزوير واسع النطاق، على نحو يشبه حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتشكيك في نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2020.
وشملت التحضيرات، وفق التقارير، نشر آلاف الناشطين لمراقبة التصويت في المناطق العربية، والتركيز على مسائل تتعلق بالتحقق من هوية الناخبات المنقبات وإجراءات الاقتراع داخل بعض المراكز، رغم وجود قواعد تنظم هذه المسائل.
ولم تثبت هذه التقارير أن نتنياهو أصدر شخصيا تعليمات بإعداد الحملة، لكنها كشفت أن التشكيك في النتائج كان مطروحا داخل حزبه قبل معرفة ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع.
يوم الانتخابات.. اتهامات بالسرقة قبل اكتمال الفرز
ومع بدء التصويت، انتقلت الاتهامات من المناقشات الداخلية إلى الخطاب السياسي العلني، إذ تحدث نتنياهو عن محاولات لسرقة الانتخابات، موجها اتهاماته إلى خصومه السياسيين، وهو ما دفع حزب يشار بقيادة جادي آيزنكوت إلى اتهامه بمحاولة تقويض الثقة في العملية الانتخابية.
واعتبر الحزب أن نتنياهو يمهد للطعن في النتائج إذا جاءت على غير ما يريد، داعيا الناخبين إلى التصويت بكثافة حتى لا يتركوا مجالا للتشكيك في النتيجة.
وفي اليوم نفسه، أعلن ممثل الليكود المعني بنزاهة الانتخابات تقديم 775 شكوى إلى لجنة الانتخابات المركزية بشأن مخالفات مزعومة، بعدما تحدث الحزب في وقت سابق عن تلقي 620 بلاغا تتعلق بمراكز الاقتراع في المناطق العربية، غير أن تقديم الشكاوى لا يعني ثبوت المخالفات، وهو الفارق الذي سيصبح محورا أساسيا في الجدل خلال الساعات التالية.
19 مقعدًا للأحزاب العربية.. والليكود يتحدث عن سرقة الانتخابات
وتصاعدت الاتهامات أمس الأربعاء، بعدما أظهرت نتائج الفرز الأولية تقدم الأحزاب العربية نحو الحصول على 19 مقعدا، في مقابل تراجع معسكر نتنياهو إلى 53 مقعدا، بعيدا عن الأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة.
وأصدر الليكود بيانا اتهم فيه الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات عبر الرشوة والتهديد والعنف والتزوير واستخدام برامج محظورة لحشد الناخبين، مطالبا الشرطة وجهاز الأمن الداخلي ولجنة الانتخابات المركزية بفتح تحقيق شامل.
وادعى الحزب امتلاكه مئات الشهادات والأدلة، من بينها مزاعم بوجود مظاريف تحتوي على أموال إلى جانب بطاقات اقتراع للقائمة العربية الموحدة، فضلا عن التصويت المزدوج والتلاعب في أعداد المظاريف. لكن هذه الادعاءات لم تكن قد ثبتت بصورة مستقلة، ولم تعلن السلطات المختصة اكتشاف عملية تزوير منظمة تؤثر في نتائج الانتخابات.
الشرطة تفاجئ الليكود.. لا أدلة تدعم الاتهامات
جاء التطور الأكثر إحراجا للحزب صباح اليوم الخميس، عندما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصدر بالشرطة عدم وجود أدلة تحقيقية أو استخباراتية تدعم اتهامات الليكود بشأن سرقة الانتخابات.
وأكد المصدر أن يوم الاقتراع شهد عددا محدودا من الحوادث المتعلقة بنزاهة التصويت، حتى بالمقارنة مع الانتخابات السابقة.
وكشفت بيانات الشرطة تلقي 48 شكوى على مستوى إسرائيل بشأن شبهات التزوير وانتحال الهوية حتى مساء الأربعاء، مقابل نحو 80 شكوى في الانتخابات السابقة، بانخفاض يقارب 40%.
كما سبق أن رفض مسؤول بـ لجنة الانتخابات الإسرائيلية اتهامات التزوير الواسع، فيما أكدت اللجنة تلقي شكوى الليكود وفحصها ضمن الإجراءات المعتادة للتحقق من المخالفات.
وهكذا، وجد الحزب نفسه أمام تناقض واضح بين اتهاماته العلنية بوقوع سرقة واسعة للانتخابات، وبين الموقف المعلن للجهات المختصة التي لم تجد حتى ذلك الوقت أدلة تدعم هذه الرواية.
وبحسب النتائج الأولية، لا يستطيع نتنياهو تشكيل حكومة اعتمادًا على معسكره وحده، بينما يمتلك معسكر المعارضة والأحزاب العربية معا أغلبية حسابية، وإن كانت الخلافات السياسية تحول دون تحويلها تلقائيًا إلى ائتلاف حكومي.
وفي هذا السياق، يصبح التشكيك في أصوات الأحزاب العربية مرتبطا بصورة مباشرة بمعركة تفسير النتائج وتحديد الطرف الأحق بتشكيل الحكومة، خاصة أن الليكود يرفض أصلا اعتماد المعارضة على هذه الأحزاب للوصول إلى السلطة.
وبينما تستمر مراجعة الشكاوى واستكمال فرز الأصوات، لم يعد السؤال مقتصرا على من سيحصل على الأغلبية داخل الكنيست، بل امتد إلى مدى استعداد القوى السياسية لقبول نتائج الانتخابات عندما لا تمنحها التفويض الذي تسعى إليه.