من إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية إلى مراجعة الضرائب المفروضة على الاستثمارات، وصولًا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة الاقتصاد.. ملفات شائكة تفتحها لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار بمجلس الشيوخ، في تحرك برلماني يستهدف إعادة تقييم عدد من السياسات الاقتصادية، والبحث عن مسارات جديدة لجذب الاستثمارات وتعظيم العائد من موارد الدولة، وسط تساؤلات حول مستقبل بعض الهيئات الاقتصادية ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
وتكشف خطة عمل اللجنة، برئاسة النائب أحمد أبو هشيمة، خلال دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثاني 2026/2027، عن أجندة اقتصادية تحمل ملفات تتجاوز المناقشات التقليدية، لتضع تحت المجهر جدوى استمرار بعض الهيئات الاقتصادية بصورتها الحالية، وتأثير الضرائب الرأسمالية على حركة رؤوس الأموال، وإمكانية تحويل هيئة تنمية الصعيد إلى محرك استثماري، إلى جانب حماية الصناعة الوطنية ومراجعة التشريعات المنظمة للشراكة مع القطاع الخاص، في توجه يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول كفاءة إدارة الاقتصاد وتحويل الفرص المتاحة إلى استثمارات منتجة وعوائد ملموسة.
59 هيئة اقتصادية تحت المجهر.. دمج أم تصفية أم إعادة هيكلة؟
يأتي مستقبل الهيئات الاقتصادية في مقدمة الملفات التي تعتزم اللجنة دراستها، في ظل التوجه نحو إعادة تعريف دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص باعتباره أحد المحركات الرئيسية للنمو.
وتشير خطة اللجنة إلى وجود 63 هيئة اقتصادية، مع طرح مراجعة أوضاع 59 هيئة، بهدف تعظيم العائد الاقتصادي، ورفع كفاءة الأداء، وتقليل التداخل في الاختصاصات، وترشيد الإنفاق العام.
ولا تقف الدراسة عند حدود تقييم الأداء، بل تمتد إلى بحث مستقبل هذه الهيئات، من خلال عدة سيناريوهات تشمل تحويل بعضها إلى هيئات عامة، أو دمجها، أو تصفيتها، وفقًا لطبيعة نشاطها وجدواها الاقتصادية.
وتفتح هذه المراجعة أحد أكثر الملفات حساسية في إدارة الاقتصاد، إذ تطرح تساؤلات حول مدى قدرة الهيئات الاقتصادية على تحقيق عائد يتناسب مع الموارد المخصصة لها، وما إذا كانت هياكلها التنظيمية الحالية تساعد على رفع الإنتاجية أم تؤدي إلى تكرار الاختصاصات وزيادة الأعباء.
كما تثير قضية التوازن بين الدور الاقتصادي والخدمي لبعض الهيئات، خاصة أن تقييم المؤسسات العامة لا يمكن أن يعتمد على الأرباح المالية وحدها، وإنما يتطلب أيضًا النظر إلى طبيعة الخدمات التي تقدمها وأثرها التنموي والاجتماعي.
وبذلك، فإن أهمية الدراسة لا تكمن في عدد الهيئات التي قد يشملها الدمج أو التحويل أو التصفية، وإنما في وضع معايير واضحة لتحديد المؤسسات القادرة على تحقيق قيمة اقتصادية مضافة، وتلك التي تحتاج إلى تغيير جذري في طريقة إدارتها.
الضرائب الرأسمالية.. هل تؤثر على جاذبية الاستثمار؟
وفي ملف لا يقل أهمية، تتجه اللجنة إلى دراسة الضرائب الرأسمالية المطبقة في مصر، وانعكاساتها على الاستثمارات المحلية والأجنبية، في محاولة لتقييم مدى اتساق السياسة الضريبية مع أهداف الدولة في جذب رؤوس الأموال وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وتشمل الدراسة الضرائب المفروضة على الأرباح الرأسمالية للأسهم والأوراق المالية، وأرباح بيع الأصول والمعدات الرأسمالية، وغيرها من الأدوات الضريبية ذات الصلة.
وتستهدف اللجنة بحث الأهداف الاقتصادية والتشريعية وراء فرض هذه الضرائب، ومدى توافقها مع السياسات المالية للدولة، إلى جانب تحليل انعكاساتها على بيئة الاستثمار المحلي، سواء من حيث تحفيز نمو المشروعات أو إعاقته.
كما تمتد الدراسة إلى تأثير الضرائب الرأسمالية على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، ومدى احتمالية دفع بعض رؤوس الأموال إلى البحث عن أسواق بديلة، فضلًا عن رصد التحديات العملية التي تواجه المستثمرين عند تطبيقها.
وتعتزم اللجنة الاستعانة بتجارب دولية للمقارنة، بما يتيح تقييم أثر النظم الضريبية المختلفة على حركة الاستثمار.
وتبرز أهمية هذا الملف في ارتباطه بمعادلة اقتصادية دقيقة، تجمع بين حاجة الدولة إلى تعظيم إيراداتها الضريبية، وضرورة الحفاظ على بيئة استثمارية تنافسية.
فزيادة الحصيلة الضريبية لا تنفصل عن قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات وتوسيع النشاط الإنتاجي، وهو ما يجعل تقييم الأثر الفعلي للضرائب على قرارات المستثمرين عنصرًا أساسيًا في أي مراجعة للسياسات القائمة.
الذكاء الاصطناعي يدخل إدارة الاقتصاد والمالية العامة
وللمرة الأولى ضمن محاور خطة اللجنة المعروضة، يبرز ملف توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة الاقتصاد الكلي وتعزيز كفاءة المالية العامة، باعتباره أحد المسارات المقترحة لتطوير أدوات صنع القرار الاقتصادي.
وتستهدف الدراسة تقديم إطار شامل لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في السياسات المالية والنقدية، والشمول المالي، والاستثمار، والتحليل القطاعي، إلى جانب تطوير نماذج التنبؤ الاقتصادي والإنذار المبكر.
كما تشمل توظيف هذه التقنيات في تقييم الأثر التشريعي والحوكمة الاقتصادية، بهدف تحسين جودة القرار، ورفع كفاءة الإنفاق والإيرادات، وتعزيز استقرار الاقتصاد وزيادة قدرته التنافسية.
وتكمن أهمية هذا التوجه في إمكانية الانتقال من التعامل مع التطورات الاقتصادية بعد وقوعها إلى بناء أدوات تساعد على استشراف المخاطر المحتملة، وتحليل السيناريوهات المختلفة قبل اتخاذ القرارات.
فعلى سبيل المثال، يمكن لتقنيات التحليل المتقدمة أن تدعم تقدير الإيرادات العامة، ورصد الضغوط على الموازنة، وتحليل تأثير التغيرات الاقتصادية على القطاعات المختلفة.
لكن نجاح هذا التحول يظل مرهونًا بتوافر قواعد بيانات دقيقة ومتكاملة، وقدرة المؤسسات على توظيف النتائج بصورة صحيحة، إلى جانب ضمان الرقابة البشرية على القرارات التي تستند إلى النماذج الذكية.
هيئة تنمية الصعيد.. من جهاز خدمي إلى محرك للاستثمار
وفي أحد أكثر محاور الخطة ارتباطًا بالتنمية الإقليمية، تعتزم اللجنة دراسة الأثر التشريعي للقانون رقم 157 لسنة 2018 وتعديلاته، بشأن هيئة تنمية الصعيد، في ضوء ما كشف عنه التطبيق العملي من تحديات منذ صدور القانون.
وتنطلق الدراسة من مقترح لإعادة النظر في فلسفة عمل الهيئة، بما يسمح بتحويلها من مجرد جهة تنموية خدمية إلى محرك استثماري قادر على تحقيق عوائد اقتصادية مباشرة.
وتستهدف اللجنة معالجة الإشكاليات القائمة من خلال محورين رئيسيين، أولهما تفكيك المركزية وفض تشابك الاختصاصات، عبر منح الهيئة الولاية المباشرة والنهائية على الأراضي والمشروعات، بما يساعد على تسريع التنفيذ والحد من تعدد الجهات المسؤولة عن اتخاذ القرار.
أما المحور الثاني، فيرتبط بترسيخ مبادئ الحوكمة والجدوى الاقتصادية، من خلال مقترح حظر الصرف على أي مشروع قبل استكمال دراسات الجدوى، ووضع سقف مرن للنفقات الإدارية والاستشارية.
وتهدف هذه المقترحات إلى ضمان توجيه الموارد المالية نحو مشروعات إنتاجية وتنموية مستدامة، تحقق أثرًا ملموسًا في حياة المواطنين بمحافظات الصعيد.
وتكشف هذه الرؤية عن محاولة للانتقال من المفهوم التقليدي للتنمية، القائم على تنفيذ المشروعات وتقديم الخدمات، إلى نموذج يمنح أولوية أكبر للاستثمار والإنتاج وتوليد فرص العمل.
غير أن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب تحديد العلاقة بين الهيئة والمحافظات والجهات صاحبة الولاية على الأراضي، وضمان ألا تؤدي إعادة توزيع الاختصاصات إلى خلق مستويات جديدة من التعقيد الإداري.
حماية الصناعة الوطنية.. مواجهة الواردات وتعزيز الإنتاج المحلي
وتضع اللجنة السياسات الحمائية وأثرها في دعم الصناعة الوطنية ضمن أولوياتها، في ضوء أهمية تعزيز قدرة المنتج المصري على المنافسة، خاصة في القطاعات الصناعية الجديدة.
وتنطلق الدراسة من اعتبار السياسات الحمائية خط الدفاع الأول عن تشجيع الصناعة الوطنية، من خلال بحث دورها في الحد من استيراد المنتجات الأجنبية التي تتوافر لها بدائل محلية ضمن خريطة الصناعة المصرية.
وتولي الخطة اهتمامًا خاصًا بالصناعات الجديدة في المجالات التكنولوجية، التي تحتاج إلى صور متعددة من الدعم والمساندة حتى تتمكن من اكتساب قدرة تنافسية في السوق.
وتطرح هذه الدراسة قضية التوازن بين حماية الصناعات الناشئة والحفاظ على المنافسة، إذ يمكن أن توفر السياسات الحمائية فرصة لنمو بعض القطاعات المحلية، لكنها تحتاج في المقابل إلى آليات تضمن تحسين الجودة وزيادة الإنتاجية وعدم ارتفاع التكلفة على المستهلك.
كما تفتح الباب أمام تقييم مدى ارتباط إجراءات الحماية بخطط واضحة لتوطين التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي، بما يضمن تحول الدعم المقدم للصناعة إلى قدرة تنافسية مستدامة.
الشراكة مع القطاع الخاص.. مراجعة نتائج تطبيق القانون
وفي سياق متصل، تعتزم اللجنة دراسة الأثر التشريعي لقانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية التحتية والخدمات والمرافق العامة، الصادر بالقانون رقم 67 لسنة 2010، والمعدل بالقانون رقم 153 لسنة 2021.
وتستهدف الدراسة الوقوف على نتائج تطبيق القانون على أرض الواقع، ومدى قدرته على تحقيق الأهداف المرتبطة بتوسيع مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ وإدارة المشروعات.
ويكتسب الملف أهمية في ظل توجه الدولة نحو تعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، بما يتطلب بيئة تشريعية وتنظيمية قادرة على جذب الاستثمارات، وتوزيع المخاطر بصورة متوازنة، وضمان جودة الخدمات المقدمة.
ومن المنتظر أن تتيح المراجعة البرلمانية تقييم المعوقات التي تواجه تطبيق القانون، ومدى الحاجة إلى تطوير بعض أحكامه أو الإجراءات المرتبطة به.
رقابة برلمانية على تنفيذ السياسات الاقتصادية
ولا تقتصر خطة اللجنة على الدراسات الاقتصادية والتشريعية، بل تتضمن كذلك مناقشة مشروعات القوانين والاتفاقيات الدولية وخطط التنمية المحالة إليها، فضلًا عن استخدام الأدوات الرقابية البرلمانية في متابعة الملفات المرتبطة باختصاصاتها.
وتشمل هذه الأدوات طلبات المناقشة العامة والاقتراحات برغبة، إلى جانب دراسة ومناقشة بيانات رئيس مجلس الوزراء والوزراء المعنيين، سواء التي تُلقى أمام المجلس أو اللجنة أو تُنشر في وسائل الإعلام، وفقًا للأطر اللائحية المنظمة.
كما تعتزم اللجنة تنظيم زيارات ميدانية للوقوف على واقع المشروعات والموضوعات محل الدراسة، بما يساعد على إعداد تقارير تستند إلى متابعة التنفيذ الفعلي.
وتكتسب هذه الأدوات أهمية خاصة في الملفات الاقتصادية، التي تتطلب الربط بين التشريعات والسياسات المعلنة والنتائج المتحققة على أرض الواقع.
اختبار الإصلاح الاقتصادي.. من حجم الإنفاق إلى كفاءة العائد
وتكشف القراءة المتكاملة لخطة لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار عن توجه لفتح نقاش برلماني حول قضايا هيكلية تتجاوز البحث عن مصادر إضافية للتمويل، لتصل إلى كيفية إدارة الموارد القائمة وتعظيم الاستفادة منها.
فمراجعة الهيئات الاقتصادية ترتبط بكفاءة المؤسسات العامة، ودراسة الضرائب الرأسمالية تتصل بجاذبية الاستثمار، بينما يستهدف توظيف الذكاء الاصطناعي تحسين جودة القرارات الاقتصادية.
وفي المقابل، تفتح مراجعة قانون هيئة تنمية الصعيد ملف اللامركزية والجدوى الاقتصادية للمشروعات، فيما تتناول دراسة السياسات الحمائية مستقبل الصناعة الوطنية، وتبحث مراجعة تشريعات الشراكة مع القطاع الخاص مدى فاعلية الإطار القانوني للاستثمار.
وتجمع هذه المحاور قضية أساسية، تتمثل في أن تحقيق النمو الاقتصادي لا يعتمد فقط على زيادة حجم الإنفاق أو جذب التمويلات، وإنما يرتبط أيضًا بكفاءة المؤسسات، ووضوح التشريعات، وجودة القرارات، وقدرة السياسات العامة على تشجيع الإنتاج والاستثمار.