لماذا تنظر جماعة الإخوان الإرهابية إلى المصريين باعتبارهم قاصرين سياسيا؟.. قراءة في خطاب الوصاية على المجتمع ومحاولة احتكار فهم الدين والسياسة وتقديم التنظيم باعتباره الأقدر على تحديد مصالح الناس

الخميس، 29 أكتوبر 2026 10:00 ص
لماذا تنظر جماعة الإخوان الإرهابية إلى المصريين باعتبارهم قاصرين سياسيا؟.. قراءة في خطاب الوصاية على المجتمع ومحاولة احتكار فهم الدين والسياسة وتقديم التنظيم باعتباره الأقدر على تحديد مصالح الناس الاخوان

كتب عزوز الديب

تطرح العلاقة بين جماعة الإخوان الإرهابية والمجتمع المصري أسئلة تتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي، لتصل إلى طبيعة التصورات التي تحكم علاقة التنظيم بالمواطنين، ومدى اعترافه باستقلال اختياراتهم وقدرتهم على تحديد مصالحهم بأنفسهم.

وتتمثل إحدى أبرز الإشكاليات التي يناقشها منتقدو خطاب الجماعة في احتمال تبني نظرة وصائية تجاه المجتمع، تقوم على افتراض أن المواطنين يحتاجون إلى جهة تتولى توجيههم سياسيا وفكريا، وأن التنظيم يمتلك من المرجعيات والخبرات ما يؤهله لتحديد المسار الذي ينبغي أن يسلكوه.

وفي هذا التصور، لا يُنظر إلى المواطن باعتباره صاحب إرادة مستقلة، قادر على المفاضلة بين البرامج والأفكار والتيارات المختلفة، وإنما قد يجري التعامل معه باعتباره مستهدفا بالتوجيه والتعبئة، ضمن مشروع سياسي تسعى الجماعة إلى توسيع نفوذها من خلاله.

وتتعارض هذه النظرة مع جوهر المشاركة السياسية القائمة على حرية الاختيار وتعدد البدائل، إذ يفترض النظام السياسي التعددي أن المواطنين شركاء في تحديد مستقبلهم، وليسوا مجرد متلقين لخطاب يصدر عن تنظيم يرى نفسه أكثر قدرة على فهم احتياجاتهم.

احتكار التمثيل.. من يدعي الحديث باسم المصريين؟
 

تظهر مشكلة الوصاية بوضوح عندما يتجاوز التنظيم حدود التعبير عن برنامجه السياسي، إلى تقديم نفسه باعتباره الممثل الأصدق لمصالح المجتمع أو الفئة الأقدر على التعبير عن تطلعاته.

ففي الحياة السياسية، يحق لكل تيار أن يعرض رؤيته ويسعى إلى إقناع المواطنين بها، لكن هذا الحق لا يمنحه تفويضا دائما بالحديث باسمهم، ولا يسمح له بافتراض أن اختياراتهم يجب أن تتطابق مع مواقفه.

وتقوم الديمقراطية على أن التمثيل السياسي يستمد مشروعيته من إرادة الناخبين، ويظل خاضعا للمساءلة والتغيير، وليس من ادعاء امتلاك الحقيقة أو الاستناد إلى هوية أيديولوجية تقدم نفسها باعتبارها صاحبة التفويض الأخلاقي الدائم.

ومن هنا، تصبح دراسة خطاب جماعة الإخوان الإرهابية ضرورية لفهم الفارق بين السعي المشروع إلى كسب التأييد السياسي، ومحاولة تقديم التنظيم باعتباره مرجعية أعلى من المجتمع، قادرة على تفسير أولوياته وتحديد ما ينبغي أن يختاره.

ويؤدي هذا الخلط، إذا ترسخ داخل بنية التفكير التنظيمي، إلى إضعاف الاعتراف بالتعددية، لأن أصحاب الاتجاهات المختلفة لا يعودون شركاء متساوين في المجال العام، وإنما يتحولون إلى أطراف يجري تقييم مواقفها وفقا لمدى اقترابها من رؤية الجماعة.

صناعة الوعي.. المواطن بين حرية الاختيار والتعبئة التنظيمية
 

لا تتوقف الوصاية السياسية عند التصريحات المباشرة، بل يمكن أن تظهر في أساليب تقديم المعلومات وتفسير الأحداث وتحديد القضايا التي ينبغي أن تشغل اهتمام الأفراد.

فالتنظيم الذي يسعى إلى توجيه أعضائه ومناصريه بصورة مستمرة قد يعمل على تقديم الأحداث من زاوية واحدة، وربطها بسردية سياسية محددة، بما يؤثر في طريقة استقبالهم للمعلومات وفهمهم للتطورات العامة.

وتزداد خطورة هذا النمط عندما يجري التعامل مع الرواية التنظيمية باعتبارها التفسير الوحيد المقبول، بينما تُصنف الآراء المخالفة باعتبارها مضللة أو غير جديرة بالاهتمام، دون إخضاعها لنقاش موضوعي.

وفي هذه الحالة، تتراجع قدرة الفرد على بناء موقف مستقل اعتمادا على مصادر متعددة، ويصبح أكثر ارتباطا بالتفسيرات الجاهزة التي تقدمها له الدائرة التنظيمية.

ولا تعني هذه الملاحظة أن كل أشكال التعبئة السياسية تمثل وصاية، فالتعبئة جزء من العمل السياسي المشروع في مختلف المجتمعات، لكن الفارق الأساسي يكمن في احترام استقلال المتلقي، وإتاحة المعلومات والبدائل أمامه، والاعتراف بحقه في رفض الرسالة السياسية أو مراجعتها.

أما عندما تتحول التعبئة إلى وسيلة لإلغاء السؤال أو تقويض حق الاختلاف، فإنها تقترب من نموذج يضع التنظيم في موقع الموجه الدائم، والمواطن في موقع المتلقي الذي يُفترض أن يتبع دون مراجعة.

الولاء قبل الإرادة.. كيف تتعامل البنية التنظيمية مع الرأي المستقل؟
 

تتصل مسألة الوصاية على المجتمع بطبيعة العلاقات داخل التنظيم نفسه، لأن الجماعة التي لا توفر مساحة كافية للنقاش الداخلي قد تجد صعوبة في التعامل مع التعددية خارجها.

فإذا كانت العلاقة بين العضو والقيادة تقوم على تقديم التعليمات التنظيمية باعتبارها مرجعية لا يجوز تجاوزها، فإن ذلك قد ينعكس على نظرة العضو إلى المجتمع، ويجعله أكثر ميلا إلى الاعتقاد بأن إدارة الشأن العام ينبغي أن تخضع لمن يمتلك سلطة التوجيه والخبرة التنظيمية.

وفي المقابل، تقوم المشاركة السياسية الصحية على الاعتراف بأن الخبرة لا تمنح صاحبها حق إلغاء إرادة الآخرين، وأن المعرفة السياسية لا تعني امتلاك سلطة مطلقة على اختيارات المواطنين.

وتبرز أهمية هذا الفارق عند التعامل مع قضايا التعليم والاقتصاد والخدمات العامة والسياسات الاجتماعية، وهي مجالات تتطلب الاستماع إلى أصحاب الخبرة والمواطنين معا، وموازنة المصالح المختلفة، وإتاحة الفرصة لتقييم النتائج وتصحيح المسار.

فلا يمكن لأي تنظيم، مهما امتلك من كوادر أو خبرات، أن يدعي احتكار فهم جميع احتياجات المجتمع، لأن هذه الاحتياجات تتغير وتتعدد، وتختلف من منطقة إلى أخرى ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.

الدولة والمجتمع.. التعددية في مواجهة احتكار القرار
 

تتطلب إدارة المجتمعات الحديثة مؤسسات قادرة على الاستماع إلى المواطنين، وآليات واضحة للمساءلة، وقواعد تضمن تداول المسؤولية ومراجعة السياسات العامة. ولا يمكن استبدال هذه المنظومة بادعاء أي جماعة أنها تعرف وحدها ما يصلح للمجتمع.

كما أن العمل السياسي لا يكتسب قيمته بمجرد امتلاك خطاب تعبوي مؤثر، وإنما بقدرته على تقديم برامج قابلة للتقييم، وتحديد أهداف واقعية، والخضوع للمحاسبة بشأن النتائج.

ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة خطاب الوصاية لا تعني رفض مشاركة أصحاب المرجعيات الدينية في الحياة العامة، ولا مصادرة حق أي تيار في التعبير عن آرائه، وإنما تعني التمسك بقواعد المساواة السياسية، وعدم منح أي تنظيم امتيازا فوق إرادة المواطنين.

ويظل من حق المصريين الاختلاف في الرؤى والبرامج، وتأييد تيار أو معارضته، وتغيير مواقفهم وفقا لما يرونه مناسبا لمصالحهم، دون أن يصبح هذا الاختلاف سببا للطعن في وعيهم أو قدرتهم على اتخاذ القرار.

استقلال المواطن.. المعيار الحقيقي لأي مشروع سياسي
 

تكشف قضية الوصاية السياسية عن سؤال جوهري يتعلق بطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط أي تنظيم بالمجتمع: هل يسعى إلى إقناع المواطنين ببرنامجه وترك القرار لهم، أم يتعامل مع نفسه باعتباره الجهة التي ينبغي أن تحدد لهم ما يجب أن يختاروه؟

والفارق بين النموذجين أساسي؛ فالأول يعترف بحرية الفرد واستقلاله، ويقبل احتمال خسارة التأييد السياسي، بينما يقوم الثاني على تصور يجعل التنظيم مرجعية أعلى من إرادة المواطنين.

ومن هنا، فإن تقييم خطاب جماعة الإخوان الإرهابية يتطلب فحص مواقفها وممارساتها الفعلية، ومدى احترامها للتعددية، وقدرتها على تقبل النقد والاختلاف، بدلا من الاكتفاء بالشعارات المعلنة.

وتبقى القاعدة الأساسية أن المصريين ليسوا قاصرين سياسيا، ولا يحتاجون إلى وصاية أيديولوجية تحدد لهم مصالحهم نيابة عنهم. فالمواطن هو صاحب الحق في الاختيار والمساءلة وتغيير موقفه، وأي مشروع سياسي يسعى إلى اكتساب ثقة المجتمع مطالب باحترام هذا الحق، لا التعامل معه باعتباره عائقا أمام نفوذه أو امتدادا لمشروعه التنظيمي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة