جسد صغير يلتف حوله الشاش، وجروح لا تعرف طريقا إلى الالتئام، ودماء تسيل كلما اشتد الألم، بينما تحاول طفلة أن تتحمل ما يفوق قدرتها على الاحتمال، في الخارج، حرب ألقت بظلالها الثقيلة على كل تفاصيل الحياة في غزة، وفي الداخل، طفلة اسمها ريما تواجه مرضا جلديا نادرا، لا يرحم جسدها الغض، ولا يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها بعيدا عن الوجع.
لا تعرف ريما شيئا عن السياسة، ولا تفهم لماذا أصبح العلاج حلما بعيدا، أو لماذا تحولت أبسط احتياجاتها إلى معركة يومية تخوضها مع أسرتها، كل ما تعرفه أن جسدها يؤلمها، والجروح التي تغطي أجزاء منه تحتاج إلى رعاية طبية متخصصة، وأيامها التي يفترض أن تكون مليئة باللعب والضحك، أصبحت محكومة بالألم والضمادات والانتظار.
المرض وحده لم يكن كافيا ليثقل طفولتها، فقد جاءت الحرب لتضاعف معاناتها، وتضعها في مواجهة ظروف معيشية قاسية، تحرمها من الأمان والراحة، وتزيد صعوبة حصولها على الرعاية التي تحتاج إليها.
ريما
خيمة لا تحمي جسدا أنهكه المرض
في مكان النزوح، لا تجد ريما ما تحتاج إليه من ظروف ملائمة تساعدها على مواجهة مرضها، خيمة رقيقة لا تقيها برد الشتاء ولا حرارة الصيف، تحيط بها القوارض وتتسرب إلى محيطها مياه غير صالحة للاستخدام الآمن، في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والاستقرار.
هناك، يصبح الحفاظ على نظافة الجروح وتغيير الضمادات وتوفير المستلزمات الطبية تحديا إضافيا لأسرة تحاول النجاة وسط ظروف الحرب، فالجسد الذي يحتاج إلى عناية دقيقة لا يجد بالضرورة البيئة المناسبة لتلك الرعاية، والطفلة التي تحتاج إلى الراحة تجد نفسها محاصرة بتفاصيل النزوح القاسية.
وفي ظل تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى العلاج المتخصص، تتضاعف المخاوف من أن يؤدي تأخر الرعاية إلى مزيد من المضاعفات، بينما تبقى الأسرة أمام احتياجات تتجاوز قدرتها على توفيرها.
الطفة ريما
مرض نادر وطفولة مؤجلة
لا يقتصر وجع ريما على ما يظهر فوق جلدها من جروح وآلام، بل يمتد إلى تفاصيل حياتها اليومية، وإلى طفولة باتت بعيدة عن صورتها الطبيعية، فبدلا من أن تنشغل بما يشغل الأطفال في عمرها، تجد نفسها مضطرة إلى تحمل إجراءات الرعاية الطبية وما يصاحب المرض من ألم، في وقت يفترض أن تكون فيه محاطة بالأمان والاهتمام.
ومع كل يوم يمر، تصبح حاجتها إلى المتابعة الطبية المتخصصة أكثر إلحاحا، لاسيما أن الأمراض الجلدية النادرة قد تتطلب خطط علاج دقيقة، ورعاية مستمرة، ومستلزمات لا يمكن الاستغناء عنها بحسب طبيعة الحالة وتشخيصها، أما الحرب، فقد ضيقت الخيارات أمامها، وجعلت الوصول إلى العلاج خارج القطاع أملا تنتظره الأسرة، بحثا عن فرصة تمنح طفلتها الرعاية التي تحتاج إليها، وتخفف عنها وطأة الألم الذي يرافقها.
نداء للسفر.. قبل أن يطول الانتظار
اليوم، تحتاج ريما إلى أكثر من كلمات التعاطف، حيث تحتاج إلى فرصة حقيقية للوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة، وتقييم حالتها من قبل أطباء قادرين على تحديد العلاج المناسب ومتابعة تطورات المرض.
سفرها للعلاج، بعدما أقر الأطباء ضرورته وتعذر توفير الرعاية اللازمة داخل القطاع، يمثل خطوة أساسية في مسار علاجها، لكنه يظل مرتبطا بإتاحة الإجلاء الطبي والتنسيق اللازم، وتوفير وسيلة آمنة لوصولها إلى الجهة العلاجية المناسبة، وفي انتظار هذه الفرصة، تبقى الطفلة وأسرتها في مواجهة أيام ثقيلة، تتداخل فيها آلام المرض مع قسوة النزوح والخوف من المستقبل، فكل ما تحتاج إليه ريما هو أن تجد مكانا آمنا، وعلاجا ملائما، ورعاية تحمي جسدها الصغير من مزيد من المعاناة.
ريما لا تطلب المستحيل، إنها طفلة تريد أن تعيش دون هذا القدر من الألم، وتجد يدا تمتد إليها حين تعجز أسرتها عن توفير العلاج، وتحصل على حقها في الرعاية الصحية والحياة الكريمة، فخلف الشاش الذي يغطي جسدها، تختبئ طفولة تنتظر فرصة للشفاء، وكذلك خلف جدران الخيمة الهشة، تقف أسرة تناشد منح ابنتها فرصة للوصول إلى العلاج، حتى لا يبقى المرض والنزوح والحرب شركاء في سرقة ما تبقى من أيامها الصغيرة.