تواجه الأوطان عبر مسيرتها الممتدة تحديات جسامًا تستهدف تقويض بنيانها وزعزعة أمنها واستقرارها، وتأتي الحركات المتطرفة في طليعة تلك التهديدات الخبيثة التي تسعى لهدم الكيانات السياسية القائمة؛ فالتنظيم الإخواني الإرهابي منذ نشأته الأولى ناصب المؤسسات الدستورية العداء السافر، رافضًا فكرة الوطن الجامع الذي يحتضن أبناءه دون تفرقة أو تمييز، ومستبدلًا إياها بأوهام أممية عابرة للأقطار لا تعترف بالحدود الجغرافية وتتنكر للقومية، ولذلك سخرت هذه الفئة الضالة كل أدواتها الدعائية والتنظيمية لتفتيت النسيج الاجتماعي وإثارة النعرات الطائفية، طامعة في فرض هيمنتها وإخضاع الإرادة العامة لنزواتها السلطوية التي تجافي المواطنة.
تكشف القراءة الفاحصة لتاريخ جماعة الإخوان الإرهابية عن منهجية تدميرية متكاملة الأركان تتوزع أدوارها بين العمل السري المسلح والتحريض السياسي والإعلامي الممنهج؛ فلم تترك تلك العصابة المتآمرة وسيلة غير مشروعة إلا وسلكتها لإرباك المشهد العام وتعطيل مسيرة النهضة والتعمير، متخذة من الشعارات الدينية المزيفة قناعًا خادعًا لتبرير جرائمها النكراء وممارساتها الانتهازية الرخيصة، كما راهنت في شتى المراحل على استنزاف الموارد الاقتصادية وتقبيح المنجزات الحضارية عبر خلايا عنكبوتية ممولة خارجيًا، غير أن اليقظة الجماهيرية والمنعة المؤسسية كانتا بالمرصاد لكل تلك الدسائس المسمومة، فأحبطتا مساعي الخراب وحفظتا للبلاد هيبتها المصونة ومكانتها الشامخة بين سائر الشعوب العريقة والأمم المتحضرة في العالم.
معاداة الدولة والهوية الوطنية
تتأسس أيديولوجية الجماعة وتنظيمها الدولي على الانتهازية المطلقة والافتقار للإيمان بفكرة الدولة الوطنية المستقلة؛ فأدبياتها المنحرفة تخلو كليًا من أي مشروع فكري حقيقي ينهض بالأمم أو يحقق مستهدفات المجتمعات المعاصرة، وتضع قاعدة الولاء للمرشد والعشيرة فوق الانتماء للتراب القومي تلبية لمخططها الأممي العابر للحدود، ونتيجة لهذا الانحراف العقائدي بات الفرد المنتمي لتلك الطغمة منسلخًا عن بيئته ومجافيًا لأبناء جلدته، لا يرى في موطنه سوى ساحة مستباحة لتنفيذ مؤامرات خبيثة تواكب أجندات معادية تتجاوز الأسوار الجغرافية، ماضيًا بلا هوادة نحو هدم دعائم الاستقرار الدستوري وتمزيق الروابط التاريخية الأصيلة التي تجمع المواطنين تحت راية واحدة وقيادة شرعية رشيدة.
ينتهج الفصيل الإخواني سياسة المتاجرة بالمقدسات وتوظيف الخطاب الديني المسيس لتحقيق أطماعه ومآربه السلطوية؛ فتنصب قياداته نفسها وصيًا حصريًا على الشريعة لتقسيم المجتمع وشق الصفوف على أسس عقائدية مقيتة، مستبيحة دماء المخالفين لتوجهاتها فكريًا وسياسيًا تحت مظلة فتاوى التكفير المدونة في مراجعها منذ تأسيسها، وبواسطة هذا التضليل الممنهج تحول الوعظ لديهم إلى معول هدم يزرع الضغينة في الصدور ويشرعن الخروج على القانون، متجاهلًا مقاصد الرسالة السمحاء التي تدعو إلى التآخي والتعايش السلمي وصون الأنفس المعصومة، لينكشف زيف ادعاءاتهم تجاه الحقائق الدامغة التي تفضح استغلالهم البشع للعاطفة الفطرية لدى البسطاء وتلاعبهم الخبيث بالعقول والأفئدة في كل زمان ومكان.
تسعى الخلايا الإخوانية بشكل ممنهج إلى تجريف الوعي الثقافي والفني والحضاري المتأصل في وجدان الشعب المصري العريق؛ فتعمد أقلامهم المغرضة إلى إعادة صياغة التاريخ زورًا وتشويه الرموز الوطنية العظيمة التي صنعت أمجاد الكنانة، هادفة إلى طمس الهوية المصرية الأصيلة وفرض ثقافة هجينة ومشوهة تروج لأوهام أستاذية العالم والخلافة المزعومة، ومن خلال هذه المحاولات اليائسة يأمل المتآمرون في قطع صلة الأجيال الصاعدة بجذورها الضاربة في أعماق الزمان، لتسهل السيطرة على عقولها وتوجيهها نحو معاداة تراثها القومي وتحقير منجزاتها الخالدة، غير أن عراقة الإرث الحضاري لوادي النيل تظل عصية على التشويه والمحو والتبديل مهما تعاظمت مؤامرات الحاقدين وكيديات المتربصين.
آليات الاختراق والتمكين
ثبت بالبرهان أن الجماعة الإرهابية كانت تعمل وفق خطط تنظيمية خبيثة لاختراق مؤسسات الدولة والسيطرة على مفاصلها الحيوية، مع إقصاء الكفاءات المهنية النزيهة لحساب أهل الثقة من عشيرة التنظيم؛ سعيًا لأخونة الوظائف الإدارية وتحويل مقدرات البلاد إلى ضيعة تابعة للمكتب الإرشادي، وبالتوازي مع هذا التغلغل كانت وما زالت القيادات الحركية تمارس الخداع الإستراتيجي والتقية السياسية باتخاذ الشعارات البراقة والمبررات الواهية ستارًا لإخفاء أهدافها الهدامة؛ فتصدر للغرب والمجتمع الدولي خطابًا ناعمًا ومزيفًا يدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان والمظلومية، بينما تبطن وتنفذ في الداخل نهجًا استئصاليًا متشددًا يمزق وحدة الصف الطني ويحرض على الكراهية والعنف لتمرير صفقاتها المشبوهة وتحقيق مآربها على حساب المصالح العليا للأوطان.
اتخذت الجماعة الإرهابية من الجمعيات الأهلية والمراكز الطبية والنقابات العمالية واجهة خادعة لاستغلال حاجة البسطاء وعوز الفقراء في شتى الأقاليم؛ فحول العمل الخيري والتكافلي إلى أداة للابتزاز الانتخابي وحشد الأصوات، فضلًا عن توظيفه حجابًا خفيًا لغسل الأموال المشبوهة وتمويل الأنشطة الإرهابية غير المشروعة، وقد كشفت التحقيقات القضائية كيف سخرت الجماعة التبرعات لخدمة أجندتها التوسعية ودعم شتى صور الفوضى، متاجرة بآلام المرضى ومعاناة المحتاجين لحصد مكاسب تنظيمية زائلة تتنافى كليًا مع أبسط المبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية النبيلة التي يتشدقون بها زورًا وبهتانًا لدى الجماهير المخدوعة بمعسول الكلام وزخرف القول.
تستهدف سياسة التنظيم الإخواني الإرهابي عقول النشء والشباب عبر خلايا مغلقة وأسر سرية تنشط بدأب في غسل الأدمغة وتغييب العقل النقدي؛ فتحرص مناهجهم الحركية على مصادرة الفكر الحر وترسيخ مبدأ السمع والطاعة العمياء لقيادات الجماعة دون نقاش أو مراجعة، طمعًا في تحويل هؤلاء الفتيان المخدوعين إلى أدوات ووقود لمعاركهم الخاسرة ضد أوطانهم ومجتمعاتهم، وبهذا الأسلوب التلقيني المظلم يتم عزل الشاب نفسيًا وفكريًا عن أسرته وبيئته الطبيعية، ليصبح مجرد ترس في آلة التخريب الدموية ينفذ أوامر القتل والتدمير تحت وهم الجهاد المزعوم ونصرة العشيرة على حساب أهله وذويه ومستقبله الدراسي والمهني المشرق الذي يضيع هدرًا.
المساومة على مقدرات الوطن ومنهجية المنظومة المشوهة
تعتمد الجماعة الضالة على منظومة إعلامية مشوهة تعيش على الأزمات المفتعلة، وتدير شبكات واسعة من المنصات واللجان الإلكترونية والأبواق الممولة التي تنشط بتناغم خبيث لضخ محتوى تحريضي ممنهج يرمي إلى تزييف الإدراك الجمعي والحقائق، ونشر الإحباط واليأس في نفوس الشعوب، وبث أفكار مسمومة تعادي قيم الولاء الفطري، وتتحرك هذه الغرف الرقمية المظلمة وفق تعليمات مركزية لتضخيم المشكلات اليومية واختلاق الأكاذيب الفجة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ظنًا منها أن تكرار الافتراءات سيفقد المواطنين ثقتهم في قيادتهم الرشيدة ومؤسساتهم العريقة، غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما تفضح بهتانهم وتكشف زيف ادعاءاتهم المغرضة لدى الرأي العام المستنير في الداخل والخارج.
تقود الكتائب الإخوانية حربًا نفسية واقتصادية شعواء عبر ضخ آلاف الشائعات الممنهجة للتشكيك في المشروعات القومية الكبرى ومناهضة مسارات التنمية الشاملة وتشتيت الجهود الوطنية، بالتوازي مع التحريض المستمر لضرب قطاعات السياحة والاستثمار والعملة المحلية؛ سعيًا لتأليب الجماهير واستغلال التحديات الاقتصادية العالمية لإثارة الفوضى، ومن خلال هذا المسلك الإجرامي يراهن المتآمرون على تعطيل قاطرة البناء والتحديث وتقبيح كل منجز عمراني تشهده ربوع البلاد، رغبة في إرباك الساحة الداخلية وإعاقة خطط النهوض الشامل التي تخطوها الدولة المصرية بعزيمة وإرادة لا تلين حيال المحن والأزمات المتلاحقة التي يفتعلها أعداء النجاح والتقدم والرخاء الإنساني والازدهار العمراني.
تتعامل فلول الجماعة وأذرعها الهاربة مع الأزمات الطارئة بمنطق التجارة الرخيصة والارتزاق السياسي المفضوح؛ فتضع مصالح الممولين والأطراف الخارجية المعادية فوق أي اعتبار وطني أو مبدأ أخلاقي، وتتحول أبواقها إلى أدوات مستأجرة وصدى صوت مكرر ينفذ تعليمات مشغليه حرفيًا مقابل حفنة من الأموال، في مساومة صريحة على مقدرات الوطن وتفريط كامل في أمنه القومي، كما توظف منظومات من جماعات الضغط واللوبيات والهيئات الحقوقية المشبوهة الممولة لإصدار تقارير مسيسة ومغلوطة تقصد تشويه صورة الدولة المصرية، والتحريض السافر على فرض عقوبات دولية أو استدعاء التدخل الأجنبي في الشؤون السيادية للبلاد.
العمل المسلح ومؤامرات الجماعة الإرهابية
لازم النهج الدموي مسيرة التنظيم الإرهابي ولم يتخل يومًا عن عقيدة الصدام منذ تأسيس النظام الخاص؛ فدأبت قياداته على إنشاء حركات وميليشيات مسلحة ولجان نوعية تتبنى الاغتيالات الغادرة والتفجيرات الإجرامية، وتستهدف رجال القوات المسلحة والشرطة والقضاء الشامخ، وتخرب المرافق العامة وشبكات الكهرباء والبنية التحتية؛ لشل حركة الدولة وإثارة الفتن وهدم استقرار الجبهة الداخلية، وقد أثبتت الوقائع التاريخية أن العنف المسلح ليس انحرافًا عارضًا لدى الجماعة، وإنما هو أصل ثابت في بنيانها الفكري والحركي تلجأ إليه كلما لاحت لها فرصة الغدر أو فشلت حيلها الخبيثة في إخضاع المجتمع وإرهاب المواطنين الآمنين في مختلف ربوع الوطن ومدنه وقراه.
أفرز المسار الانحداري المتواصل للجماعة وأبواقها المأجورة قطيعة مجتمعية واسعة وعزلة خانقة جردت هذه الكيانات المارقة من أي حاضنة اجتماعية أو تعاطف جماهيري، بعد أن لفظها الوجدان الشعبي ووصم ممارساتها بالخيانة العظمى والتآمر الدنيء على سلامة البلاد وأمن الأهالي؛ فلم يعد للشعارات الدينية المزيفة التي طالما تلاعبوا بها أي أثر في عقول المصريين الذين خبروا غدر التنظيم وعاينوا جرائمه الدموية على أرض الواقع، ليصبح الانتماء لهذه الفئة الباغية مرادفًا للغدر والعمالة في نظر الناس، وتوصد بوجههم جميع أبواب العودة إلى المشهد السياسي بعد سقوط أقنعتهم الخادعة وانكشاف سوءاتهم المخزية للعيان في كافة الأوساط الشعبية والنخبوية والمهنية.
تتكسر جميع المخططات التحريضية والأكاذيب الممنهجة للجماعة يوميًا أمام يقظة الوعي المجتمعي القويم والتفاف الشعب الأبي حول مؤسسات دولته العريقة؛ لتفشل كافة أدواتها المسمومة ورهاناتها الخاسرة في النيل من عزيمة الدولة أو زعزعة ثباتها، وتنتهي مساعي التنظيم وأذرعه المرتزقة إلى العزلة الكاملة وغياهب النسيان؛ فالتلاحم الوثيق بين المواطنين وقيادتهم المخلصة وقواتهم الباسلة شكل حائط صد منيعًا أحبط أخطر المؤامرات التي استهدفت وجود الوطن وهويته، لتبقى مصر شامخة أبية تمضي بثبات في طريق البناء والتنمية، بينما يتلاشى السراب الإخواني الإرهابي إلى غير رجعة بعد أن خسر رهانه الدنيء وفقد وجوده المشبوه إلى الأبد في مزبلة التاريخ.