3 سنوات على مجزرة عائلة سلمان أبو حصيرة في غزة.. ناجي من الموت ليعيش وجع الفقد وحيدا.. يحمل ذاكرة أب وأم وإخوة وأطفال غيبهم الركام.. ويواجه أياما لا تعود فيها وجوه صنعت عمره ولا يبقى من عائلته سوى الذكريات

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 09:00 م
3 سنوات على مجزرة عائلة سلمان أبو حصيرة في غزة.. ناجي من الموت ليعيش وجع الفقد وحيدا.. يحمل ذاكرة أب وأم وإخوة وأطفال غيبهم الركام.. ويواجه أياما لا تعود فيها وجوه صنعت عمره ولا يبقى من عائلته سوى الذكريات عائلة سلمان أبو حصيرة

كتب أحمد عرفة

في لحظة واحدة، انقلبت حياة كاملة إلى ركام، وغاب الأب والأم والإخوة وأطفال العائلة، وبقي الناجي وحيدا في مواجهة حقيقة لم يكن العقل قادرا على استيعابها بسهولة، أن البيت الذي كان يضج بالأصوات والضحكات والوجوه المألوفة، صار مكانا للفقد، والذين كانوا يشكلون تفاصيل يومه لن يعودوا ليفتحوا الأبواب أو ينادوا اسمه أو يجتمعوا حول مائدة واحدة.

ثلاث سنوات مرت على مجزرة عائلة سلمان أبو حصيرة، لكن الزمن، مهما امتد، لا يبدو كافيا لترميم ما تهدم في داخل الناجي، فبعض الخسارات لا تُقاس بعدد الأيام التي انقضت، بل بحجم الغياب الذي يتركه الراحلون في كل تفصيلة صغيرة، في الصباح الذي يبدأ بلا أصواتهم، وفي المساء الذي لا يجمعهم، وفي الذكريات التي تتحول من مصدر للطمأنينة إلى باب مفتوح على ألم لا يهدأ.

عائلة سلمان أبو حصيرة
عائلة سلمان أبو حصيرة

 

في غزة، حيث لا تتوقف الحكايات الإنسانية عند لحظة القصف، بل تمتد إلى ما بعدها، يصبح النجاة أحيانا بداية لمعركة أخرى، معركة لا تُرى في صور الدمار، ولا تظهر في إحصاءات الضحايا، لكنها تسكن قلوب من بقوا أحياء بعدما فقدوا عائلاتهم دفعة واحدة.

 

ينجو الجسد وتبقى الروح تحت الركام

ليست النجاة دائما نهاية للخطر، ولا تعني بالضرورة أن الحياة عادت إلى مسارها الطبيعي، فقد يخرج الإنسان من تحت الركام حيا، لكنه يجد نفسه أمام عالم لم يعد يشبه العالم الذي عرفه، وجوه غابت، وأماكن فقدت معناها، ومستقبل كان يتخيله مع أسرته أصبح محاطا بفراغ لا يعرف كيف يملؤه.

وهكذا، تتحول الذكريات إلى رفيق دائم للناجي، يستعيد من خلالها تفاصيل عائلته، ويتذكر البيت الذي كان يجمعهم، والحياة التي كانت تبدو عادية قبل أن تقطع الحرب خيوطها في لحظة واحدة، لم يعد الفقد متعلقا بشخص واحد يمكن استحضار ذكراه، بل بعائلة كاملة كانت تمثل له السند والانتماء والأمان.

 

ثلاث سنوات من الغياب الذي لا ينتهي

مرور ثلاثة أعوام على المجزرة لا يعني أن الحكاية أصبحت جزءا من الماضي، فبالنسبة إلى من فقدوا أحباءهم، لا تُطوى المأساة بمجرد انقضاء الزمن، بل تستمر في تفاصيل الحياة اليومية، وفي المناسبات التي كانت تجمع العائلة، وفي اللحظات التي يتمنى فيها المرء لو استطاع العودة ولو لدقائق إلى حياة لم يعد لها وجود.

وتزداد قسوة الفقد حين لا يخسر الإنسان أفراد أسرته فحسب، بل يخسر معهم إحساسه بالاستقرار والانتماء، والذاكرة المشتركة التي كانت تمنح أيامه معناها، فالعائلة ليست مجرد مجموعة من الأشخاص، بل هي البيت الذي يعود إليه المرء، والأصوات التي يعرفها دون أن يراها، والوجوه التي تمنحه شعورا بأنه ليس وحيدا في هذا العالم.

وحين يغيب الجميع، يجد الناجي نفسه مضطرا إلى حمل ذاكرة كاملة بمفرده، ذاكرة تضم تفاصيل الذين رحلوا، وأحلامهم التي لم تكتمل، والأيام التي كان يمكن أن يعيشوها معا لو لم تنتزعهم الحرب من الحياة.

 

الناجي الأخير.. حكاية تتجاوز أرقام الضحايا

تختصر أرقام الحرب جانبا من حجم المأساة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنقل ما يتركه فقد العائلة في حياة إنسان واحد، فخلف كل ضحية حكاية، وخلف كل ناج قد تختبئ خسارة لا تقل قسوة عن مشهد الدمار الذي نجا منه، ومن هنا، لا تبدو حكاية عائلة سلمان أبو حصيرة مجرد ذكرى لمجزرة وقعت قبل ثلاثة أعوام، بل شهادة إنسانية على الوجه الآخر للحرب، ذلك الذي يستمر بعد انقشاع الغبار، حين يبقى الناجي وحيدا أمام ذكرياته، ويحاول أن يتعلم كيف يعيش في عالم تغير إلى الأبد.

ثلاث سنوات على المجزرة، وما زال السؤال موجعا: كيف يمكن لإنسان أن يبدأ من جديد بعدما فقد الأب والأم والإخوة وأطفال العائلة في لحظة واحدة؟ وكيف يمكن للزمن أن يمضي بينما يظل جزء من الروح عالقا تحت الركام عند آخر لحظة جمعت الأحبة قبل أن يتحول البيت كله إلى ذكرى؟.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة