يمتد تاريخ الحضارة المصرية القديمة لآلاف السنين، شهدت خلالها البلاد تعاقب الملوك والأسر الحاكمة، وقيام الدول وسقوطها، وترك المصريون القدماء وراءهم نقوشًا وبرديات وقوائم ملكية ساعدت في حفظ جانب كبير من تاريخهم، ومع تعدد هذه المصادر، برزت محاولات مبكرة لجمع أخبار مصر وترتيب تاريخها في صورة متكاملة، بما يسمح بتتبع تطور الحكم وتعاقب الملوك عبر العصور، ومن بين أبرز هذه المحاولات ما قدمه الكاهن والمؤرخ المصري مانيتون، الذي وضع تقسيمًا لتاريخ مصر القديمة إلى أسرات حاكمة، أصبح أحد الأسس التي اعتمد عليها الباحثون في دراسة التاريخ المصري القديم.
من هو مانيتون
مانيثون (أو مانيتون)، هو المؤرخ المصري الذي أرسى أسس كتابة التاريخ المصري القديم، ومازال المؤرخون يأخذون بمنهجيته وأسلوبه في كتابه تاريخ مصر القديم إلى هذا اليوم؛ وذلك لتطابق ما كتبه مع المكتشفات الأثرية المصرية في الزمن الحالي، واعتماده في كتاباته عن تاريخ مصر على الوثائق والآثار المصرية القديمة، وذلك وفق ما جاء عبر الموسوعة العربية.
مانيتون الكاهن الأكبر بمصر القديمة
عاش الكاهن المصري مانيتون في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد إلى منتصف القرن الثالث (323- 245ق.م)، وُلد بمدينة Sebennytus (سمنود الحالية) بالدلتا، وتدرج بالمناصب الكهنوتية إلى أن وصل إلى مرتبة الكاهن الأكبر في مدينة «أون» (هليوبولِس) (عين شمس)، ولذلك كان متمكناً من اللغتين المصرية القديمة والإغريقية، وخبيراً بالخطوط المصرية القديمة، متعمقاً بالدين والتاريخ المصريين القديمين، وقد سهلت له وظيفته «الكاهن الأكبر» الوصول إلى السجلات القديمة في المعابد.
كتب مانيتون تاريخه في ثمانية كتب باسم «ايجبتياكا» أي تاريخ مصر، وقد كتبه باللغة اليونانية نحو عام 280 ق.م، بتكليف من بطلميوس الثاني فيلادلفيوس، وقد ساعدته الدولة حينئذ بوضع كل ما تملك من مصادر وما يوجد في المعابد من وثائق تحت تصرفه، ولكن لم يصلنا منه سوى فقرات يسيرة من خلال كتاب جوزيفوس «ضد أبيون» من القرن الأول الميلادي كما وصلتنا قوائم بأسماء ملوك الأسرات المصرية ومدد حكمهم مما نقله يوليوس أفريكانوس نحو 220 م وأوسبيوس نحو 320م، وآخر من نقل عن مانيتون الراهب جورجيس المسمى «سينكلوس» نحو 800م، ويمكن القول في هذا الصدد إن ما نقله أفريكانوس عن مانيتون كان الأكثر دقة، وما نقله سينكلوس الأكثر كمالاً، أما جوزيفوس فقد عمد إلى تزوير بعض الحقائق.
مانيتون يقسم تاريخ مصر إلى ثلاثين أسرة حاكمة
قسَّم مانيتون تاريخ مصر القديم إلى ثلاثين أسرة حاكمة، وقد أخذ الباحثون بهذا التقسيم لتوافقه مع القوائم الملكية المصرية المكتوبة على آثار مصر، ولكنه كتب أسماء الملوك المصرية باللغة الإغريقية، كما كان ينطقها الإغريق، وكانت طريقته في ترتيب أسماء الملوك كالآتي: رتب أسماء ملوك مصر القدامى حسب تسلسلهم الزمني، وكان يضع بجانب كل اسم ملك مدة حكمه، ثم يجمع الملوك الذين يتحدرون من جد واحد في أسرة حاكمة، نسبها إما للبلد الذي تنتسب إليه الأسرة، أو إلى العاصمة التي أقامت حكمها فيها، وأخيراً كان يرقم الأسر المصرية حسب تعاقبها من رقم 1 إلى 30، ويجمع مدة حكم كل أسرة، ويظن الباحثون المحدثون أن مانيتون قد أخذ منهجيته هذه عن بردية «تورين» التي كتبت في عصر الأسرة التاسعة عشرة، والتي قسّمت ملوك مصر إلى أسر حاكمة، وهكذا يمكن القول، إن الفضل في إرساء أسس كتابة التاريخ المصري القديم على قواعد صحيحة، إنما يعود إلى مانيتون الذي اعتمد في كتاباته على الآثار المصرية، وعلى المسارد المصرية القديمة عامة، وبردية تورين خاصة، في ترتيب تعاقب الأسر المصرية الحاكمة، فجاءت كتاباته أقرب ما تكون إلى الحقيقة، وقد أيدتها الكشوف الأثرية الحديثة، ولذلك أخذ الباحثون بمعظم ما جاء في كتابات مانيثون عن تاريخ مصر القديمة، التي ضمت ترتيب الأسر المصرية الحاكمة وبعض الأحداث التاريخية.

مانيتون