خالد إبراهيم

آليات المسرح عند إيناريتو.. من "الميتامسرح" إلى الخداع السردي في Digger

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 11:58 ص


(أزمة المناخ – الإدارة الأمريكية والرأسمالية – السخرية ومعضلة التطهير)...

مُستعينا بهذه الأفكار الثلاث، اصنع فيلما سينمائياً سوداوياً، فيما لا يزيد عن الساعتين من الزمن!

ربما كان هذا السؤال ـ الذى يُشبه سؤال التعبير في امتحانات اللغة العربية ـ على مائدة المخرج المكسيكي أليخاندرو جونزاليس إيناريتو، وهو يخطو خطواته الأولى في كتابة وتحضير فيلمه الجديد digger، فالفيلم ـ كعادة أفلام إيناريتو ـ مُعقدا ومُتشابكا، يتلاعب بعقول مُشاهديه، قبل أن يمنحهم جُرعة لا بأس بها من المُتعة السينمائية العميقة التي ـ ومع الأسف ـ تتوارى عالميا بفعل فاعل لتُفسح المجال لصالح أفلام الغرائز، جنسية كانت أو عنف أو كوميدية.

تعقيد فيلم digger ليس على مستوى أفكاره المُتداخلة، وفلسفته الإستشرافية، و"ديستوبيته" المخيفة فحسب، لكنه يحمل ذات التعقيد على المُستوى السردي، وبناءه الدرامي، وهي واحدة من السمات المميزة لسينما إيناريتو، فمنذ عرض فيلم digger، أُثيرت حالة من الجدل حوله، ومقارنات مع فيلمه birdman والذى أُنتج في عام 2014، وحاز على جائزة الأوسكار كأفضل فيلم، إذ قدم إيناريتو فيلم birdman بحالة سردية غير عادية، صال فيها وجال داخل ذلك الهامش الواسع ما بين واقع البطل وخياله، بين ذاته وصوته الداخلى.

التقارب بين الفيلمين، ليس فقط بسبب التشابه في الأسلوب السردي، ولكن هناك سبب آخر، يتمثل في أن بطلى الفيلمين، يجسدان دور "الممثل المسرحي"، ففي birdman البطل ممثل مأزوم نفسيا يعيش على أوهام الماضى، يتطلع إلى عودة الأمجاد والشهرة والأضواء، بينما في digger، فالممثل يعيش حالة من عدم التكّيف مع الدور الجديد الذى أُسند له، متداخلة مع حالة من القلق والترقب على مصير ابنته.

ولا يمكن بأى حال، أن نفصل تجربة فيلم bardo لنفس المخرج عن هذا الإطار السردى، وإن اختلف عن الفيلم الآخرين، لكن في فيلم bardo، يدخل البطل في حالات من الهذيان والاضطرابات النفسية، فيمزج إيناريتو بين أحلام البطل وتطلعاته وبين مخاوفه وأزماته، لنُصبح بصدد نفس الحالة السردية الإستثنائية في أسلوب المخرج.

ويبدو أن إيناريتو مغرماً بتقديم طبقات سردية مختلفة في أفلامه، فهناك القصة الأساسية أو العامة، ببناءها الخاص وشخصياتها وأحداثها، ثم لدينا طبقات أخرى من السرد، وقد حقق ذلك في Birdman، أما في Digger، نتابع باهتمام قصة ديجر روكويل رجل الأعمال وقطب التنقيب عن النفط، وهو يتسبب بأعمال الحفر في كارثة بيئية، وبعد نهاية الفصل الأول من القصة، نكتشف أننا بداخل بروفات لمسرحية يحمل اسم "حماقات الأحافير"، لندخل مستوى آخر من السرد يتعلق بشخصية كورتيس ماركسون "توم كروز"، الذى يجسد شخصية ديجر في المسرحية، ونرى أزمة شخصية الممثل وعالمه التعيس، ومن ثم يقفز إيناريتو بين العالمين في سلاسة، ويدفعهم للأمام في نفس الوقت.

في فيلمي "Digger" و"Birdman"، يلجأ إيناريتو إلى ما يُمكن أن يُسمى بـ "الميتامسرح"، فنحن أمام فيلم، يتحول في لحظة إلى بروفة مسرحية، وبعد أن كنا بداخل عمل فنى، خرجنا لنتحدث عنه، وهو تحول خطير ومفاجئ في الحبكة بل وربما مُربكاً.

ولشدة التصاق الأسلوب بإيناريتو، فقد لجأ إلى نفس الحيلة في أحد مشاهد فيلمه bardo، حينما كان بطل الفيلم يتحدث مع احدى الشخصيات التاريخية وهما يقفان على جبل من القتلى، لنكتشف أن هذا الجبل جزء من عرض يتم تصويره.

المسرح بالنسبة لإيناريتو، ليس فقط وسيلة للحكي، لكنه أداة للمواجهة، فهو يُحسن استخدام الفضاء المسرحي، ويُكسب من يقف عليه صفات خاصة، تختلف كلياً عن صفاتهم بعيدا عن خشبته، أبطاله على المسرح، أقرب إلى شخصيات الكاريكاتير، يتسمون بالمبالغات الشديدة في الأداء، يصرخون، وينطلقون بحرية، يتعايشون بإندماج شديد مع شخصوهم التي يجسدونها أمام الجمهور.

في فيلم Digger كان المسرح نافذة مثالية لأفكار إيناريتو، ليس فقط المتمثلة في توجيه أصابع الإتهام للإدارة الأمريكية التي تقود العالم برأسماليتها نحو الهاوية، ولا في التحذير من مخاطر التغيرات المناخية، ولكن أيضا في نقد السخرية وجمهورها معاً، فمنتج المسرحية التي تحكي القصة المأساوية بكوميديا سوداء، هو في الحقيقة ابن شقيقة ديجر، ومع ذلك، أراد أن يحكي قصة خاله مُدمر العالم، لم يهتم كيف تُحكى القصة بتراجيديا أم بكوميديا، فما أراده إيناريتو أن يقوله، أن مُدمر الكوكب الذى كان يحكم العالم بسطوته وأمواله ونفوذه، ورّث ابن شقيقته نفس المكانة، الذى يبدو وكأنه يدعم الفن الذى ينتقد الطبقة الاجتماعية التي جاء منها،  ليقدم للجمهور نوعا من التطهر النفسي الزائف.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة