في حياة أشرف خالد، لم يعد الزمن يُقاس بالأيام والشهور، بل بالألم الذي يتجدد مع كل صباح، وبالأسئلة التي لا تجد إجابة، وباحتياجات يومية تتجاوز قدرته على الاحتمال، فمنذ 21 يونيو 2024، لم يعد أشرف الشاب الذي كان يعرفه أهله قبل ذلك اليوم، حيث غير القصف حياته إلى الأبد، وتركه يواجه واقعا قاسيا بعدما خرج من تحت الأنقاض فاقدا يده ورجله.
معاناة أشرف
لم تكن النجاة من الموت نهاية المأساة، بل بداية رحلة أخرى من المعاناة، فبين إصابات غيرت جسده، وألم البتر الذي يرافق تفاصيل يومه، واحتياجات العلاج والرعاية، يجد أشرف نفسه في مواجهة ظروف معيشية بالغة الصعوبة، داخل خيمة هشة لا توفر الحماية الكافية من حرارة الصيف أو برد الشتاء، فيما تحيط به عائلة تحمل هي الأخرى أعباء النزوح والاحتياج والخوف على مستقبله.
لم يعد أشرف يواجه الألم وحده، بل أصبح واقع أسرته جزءا من معركته اليومية، فالإصابة التي أفقدته يده ورجله لم تسلبه قدرته الجسدية فحسب، وإنما جعلته أكثر احتياجا إلى الرعاية والمساعدة في تفاصيل الحياة التي كان يؤديها باستقلالية، وفي ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع، تتضاعف التحديات أمام المصابين الذين يحتاجون إلى متابعة طبية وتأهيل مستمرين، وإلى بيئة تساعدهم على التعافي وتحفظ كرامتهم.
أشرف خالد
حياة معلقة بين الألم وانتظار العلاج
خلف هذه الحكاية تفاصيل لا تظهر كلها في صورة أو كلمات قليلة، فهناك شاب يحاول التكيف مع جسد تغير بفعل القصف، وأسرة تحاول توفير احتياجاته الأساسية وسط ضيق الإمكانات، ومستقبل يظل مرهونا بقدرته على الوصول إلى العلاج والرعاية المناسبين.
ويعيش أشرف، ظروفا تجمع بين آثار الإصابة البالغة وصعوبة المعيشة داخل خيمة لا توفر له الحد الأدنى من الراحة والحماية، ومع فقدان أحد الأطراف العلوية وأحد الأطراف السفلية، تصبح احتياجاته اليومية أكثر تعقيدا، ويغدو توفير المساعدة الطبية والتأهيلية والدعم الإنساني ضرورة لا تحتمل التأجيل.
معاناة أشرف لا تختصرها إصابته وحدها، بل تمتد إلى الأسئلة المتعلقة بقدرته على مواصلة حياته، وإمكانية حصوله على العلاج، ومدى توافر الدعم الذي يحتاج إليه ليتمكن من مواجهة إعاقته المكتسبة واستعادة أكبر قدر ممكن من استقلاليته.
وفي وقت تتزايد فيه احتياجات المصابين والنازحين، تصبح الاستجابة الإنسانية مطالبة بالنظر إلى كل حالة باعتبارها قصة إنسان يحتاج إلى رعاية تتناسب مع إصابته وظروفه، لا مجرد رقم يضاف إلى قوائم المتضررين.
نداء من قلب المعاناة
لا يطلب أشرف المستحيل؛ إنما يحتاج إلى فرصة حقيقية للعلاج، ومساندة تخفف عنه وطأة الألم، وتساعد أسرته على توفير احتياجاته الأساسية، وتمنحه قدرا من الأمان والكرامة في مواجهة أيام لا يعرف ما تخبئه له، فتوفير الرعاية الطبية والتأهيلية للمصابين بإعاقات جسدية بالغة، وتأمين المأوى الملائم لهم، ومساندة أسرهم، تمثل احتياجات إنسانية أساسية ينبغي أن تحظى بالاهتمام، خاصة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها المدنيون في غزة.
وتبقى حكاية أشرف خالد تذكيرا بأن النجاة من القصف ليست نهاية المعاناة دائما، فهناك معارك أخرى تبدأ بعد توقف الانفجارات، معارك يخوضها المصابون لاستعادة قدرتهم على الحركة والتكيف مع واقعهم الجديد، وتخوضها أسرهم لتأمين العلاج والمأوى والاحتياجات اليومية.
أشرف الذي خرج من تحت الأنقاض فاقدا يده ورجله، لا يحتاج إلى التعاطف وحده، بل إلى مساعدة ملموسة تترجم الكلمات إلى علاج ورعاية ودعم، وبين ألم الجسد وقسوة النزوح وانتظار فرصة للتعافي، يظل الأمل في أن تصل حكايته إلى من يستطيع المساعدة، ويجد طريقا إلى العلاج وحياة أكثر أمانا وكرامة، فخلف كل إصابة حكاية إنسان، وخلف كل إنسان أسرة تنتظر، وأمام كل نداء استغاثة مسؤولية إنسانية تقتضي ألا يُترك المصابون وحدهم في مواجهة الألم.