هويدا عزت

الانضباط والعدالة في تنظيم وقت العمل

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 01:05 ص


ترددت كثيرًا قبل كتابة هذه المقالة؛ لأنني لا أريد أن أدافع عن نظام عمل يراعي ظروف فئة من الموظفين على حساب أخرى، كما لا أريد أن تتحول مراعاة احتياجات الإنسان إلى مبرر للإخلال بالالتزام الوظيفي. ومن هنا، وجدت أن القضية لا تتعلق بمجرد الاختيار بين بدء العمل مبكرًا أو متأخرًا، بل بكيفية تنظيم وقت العمل بما يراعي احتياجات العاملين ويحافظ في الوقت نفسه على الانضباط والعدالة بينهم.

وبالنظر إلى هذه المسألة الإدارية، نجد أن آراء الموظفين تتباين بشأن تنظيم وقت العمل، وقد ازداد الاهتمام بهذه المسألة مع التغيرات التقنية وظهور أنماط عمل جديدة أتاحت قدرًا أكبر من المرونة في أداء المهام.

فهناك من يرى أن الالتزام بمواعيد الحضور والانصراف أساس لانتظام العمل، وأن السماح لزميل بالتأخر لمجرد تفضيله بدء يومه في وقت لاحق قد يخل بالعدالة، خاصةً عندما يلتزم الآخرون بالمواعيد المحددة ويتحملون مسئولياتهم وفقًا لها. وفي المقابل، يرى آخرون أن اختلاف ظروفهم وأنماط نشاطهم قد يؤثر في أوقات تركيزهم، وأنهم يستطيعون إنجاز مهامهم بكفاءة في أوقات مختلفة، إذا سمحت طبيعة العمل بذلك.

ومن خلال سنوات عملي، لاحظت اختلاف أنماط نشاط الموظفين، وأن الحضور المبكر أو المتأخر لا يكفي وحده للحكم على مستوى الإنجاز والكفاءة. لكن ذلك لا يقلل من أهمية الالتزام بالمواعيد؛ فالمطلوب هو النظر إلى توقيت الحضور في ضوء متطلبات الوظيفة، دون إغفال جودة العمل والقدرة على الوفاء بالمسئوليات.

وهنا يجب التمييز بين مراعاة اختلاف احتياجات الموظفين عند تنظيم العمل، والسماح لكل موظف بتحديد موعد حضوره وفقًا لرغبته الشخصية، بصرف النظر عن القواعد المنظمة للعمل؛ فمراعاة الاحتياجات قد تكون خيارًا إداريًا مناسبًا في بعض الوظائف والظروف، أما ترك تحديد المواعيد للرغبات الفردية دون ضوابط فقد يخل بالانضباط ويشعر الموظفين الملتزمين بالظلم، خاصةً إذا أدى إلى تحميلهم أعباء إضافية.

ومن المسائل الإدارية التي تؤثر في الحياة اليومية للعاملين والمؤسسة والمواطن المستفيد من الخدمة، طريقة متابعة الحضور والانصراف والاستفادة من بياناتهما في تقييم الأداء. ومع انتقال بعض المؤسسات من الدفاتر الورقية إلى أجهزة البصمة والأنظمة الإلكترونية، أصبح تسجيل الوقت أكثر سهولة ودقة. لكن هذه البيانات، رغم أهميتها في متابعة الالتزام بالمواعيد، لا تكفي وحدها للحكم على كفاءة الموظف؛ إذ يجب أن يصاحبها اهتمام بما ينجزه، وجودة التنفيذ، والقدرة على حل المشكلات.

وتختلف متطلبات العمل من وظيفة إلى أخرى؛ فبعض الوظائف تستلزم وجود الموظف في أوقات محددة وسرعة الاستجابة لضمان انتظام تقديم الخدمة، بينما تسمح وظائف أخرى بقدر أكبر من المرونة في توقيت بدء العمل وانتهائه. ومن ثم، ينبغي أن تتناسب معايير تقييم الأداء وتنظيم ساعات العمل مع طبيعة كل وظيفة، مع الحفاظ على جودة التنفيذ والالتزام بالمواعيد المطلوبة.

فالعدالة لا تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها في كل الأحوال، كما لا تعني منح بعض الموظفين استثناءات دون مبررات موضوعية. لذلك، لا ينبغي أن يشعر الموظف الملتزم بأن انضباطه أصبح عبئًا عليه، أو أن زميله يحصل على امتياز لا تستدعيه طبيعة وظيفته أو احتياجات العمل. وفي المقابل، ينبغي مراعاة اختلاف ظروف العاملين متى سمحت طبيعة الوظيفة بذلك، وفق قواعد واضحة تُطبق بعدالة، ودون الإضرار بحقوق الزملاء أو بجودة الخدمة المقدمة للمواطنين.

وتزداد أهمية مناقشة تنظيم وقت العمل مع ظهور أنماط مثل العمل الهجين والعمل عن بُعد، والتوسع في استخدام التكنولوجيا. ففي بعض المؤسسات، أصبح من الممكن أداء جزء من العمل خارج المقر، وهو ما أتاح إعادة النظر في العلاقة بين الحضور الفعلي وقياس الأداء. ومع ذلك، يظل مكان العمل وتوقيته أمرين مختلفين؛ فقد يعمل الموظف خارج مقر المؤسسة مع الالتزام بمواعيد محددة، وقد يعمل داخلها وفق نظام يسمح بقدر من المرونة في الحضور والانصراف.

ومن هنا، يمكن النظر إلى إعادة هيكلة الزمن الوظيفي باعتبارها مراجعة لطريقة تنظيم ساعات العمل بما يتناسب مع طبيعة الوظائف واحتياجات المؤسسة والعاملين. وتُعد ساعات العمل المرنة أحد الخيارات المتاحة؛ إذ تمنح الموظفين مساحة لتنظيم وقتهم عندما تسمح متطلبات العمل بذلك، وقد تساعد بعضهم على التوفيق بين حياتهم الشخصية ومسئولياتهم الوظيفية. ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير ساعات العمل أو توسيع نطاق المرونة، بل بالنظر إلى الوقت باعتباره موردًا تنظيميًا ينبغي إدارته بكفاءة وعدالة.

فالقيمة الحقيقية للوقت لا تُقاس بعدد الساعات التي يقضيها الموظف في مقر العمل فحسب، وإنما بمدى توظيفها في تحقيق أهداف المؤسسة وخدمة المستفيدين. ومن ثم، فإن التحدي الإداري لا يتمثل في مراقبة الوقت وحدها، بل في تنظيمه واستثماره بما يحقق التوازن بين الانضباط المؤسسي واحتياجات العاملين. وفي جميع الأحوال، تظل ملاءمة أي نظام مرتبطة بوجود ضوابط واضحة تحافظ على حقوق العاملين، وانتظام العمل، وجودة الخدمة المقدمة.

ولا يتوقف نجاح ساعات العمل المرنة على شعور الموظفين بالرضا عنها فحسب، بل يتوقف أيضًا على نتائج تطبيقها. ويمكن للمؤسسة تقييم هذه النتائج من خلال متابعة جودة العمل، ومدى إنجاز المهام في مواعيدها، ومعدلات الأخطاء، ومستوى الخدمة المقدمة. كما يمكنها تطبيق النظام على نطاق محدود، ثم مقارنة النتائج بما كانت عليه قبل التطبيق لتحديد مدى تحقيقه للأهداف المرجوة. فنجاح أي نظام لا يُقاس بصرامته أو مرونته في حد ذاتهما، بل بقدرته على تحقيق الانضباط والعدالة وجودة الأداء.

ولا يعني ذلك أن كل مؤسسة مطالبة بتطبيق ساعات العمل المرنة، أو أن جميع الموظفين بحاجة إليها؛ فالاختيار بين المرونة وتوحيد مواعيد الحضور يجب أن يستند إلى طبيعة الوظائف، ومدى الحاجة إلى وجود الموظف في توقيت محدد، وقدرة المؤسسة على تنظيم العمل دون الإضرار بحقوق العاملين أو انتظام الخدمة.

ولا يتعارض الانضباط مع مراعاة الظروف الإنسانية للعاملين؛ فقد يواجه أحد الموظفين ظروفًا صحية أو أسرية تؤثر في قدرته على الالتزام بمواعيد محددة، وقد تسمح طبيعة وظيفته بتعديل مواعيد عمله. وفي هذه الحالة، يمكن للإدارة دراسة وضعه وفق القواعد المعمول بها ومتطلبات الوظيفة، بما يراعي ظروفه دون الإخلال بمسئوليات العمل أو تحميل الزملاء أعباء إضافية. فمراعاة الظروف لا تعني إعفاء الموظف من المسئولية، كما أن الالتزام لا يعني تجاهل الظروف التي يمكن مراعاتها دون الإضرار بسير العمل أو حقوق الآخرين.

فالمطلوب ليس الاستجابة لكل رغبة فردية، ولا تجاهل اختلاف ظروف العاملين، بل اختيار نظام واضح وعادل يناسب طبيعة العمل ويحفظ حقوق الموظفين والمستفيدين من الخدمة. ولا يقتصر تنظيم وقت العمل على تحديد مواعيد الحضور والانصراف، بل يمتد إلى كيفية إدارة الوقت بما يحقق أهداف المؤسسة ويراعي احتياجات العاملين؛ فالتحدي الحقيقي هو الوصول إلى نظام يوازن بين الانضباط والمرونة، ويضمن العدالة بين الموظفين، ويحافظ على جودة الخدمة المقدمة للمواطنين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة