بين أجنحة ابن فرناس وموائد الإنسان.. أين دور العلم؟!
قد يختلف الناس حول فكرة، ويتصارعون بشأنها سنوات، ثم يأتي العلم ليكشف أن بعضهم كان محقًا، وأن بعضهم قد جانبه الصواب، وأن الحقيقة ربما كانت في جانب ثالث لم ينتبه إليه المتجادلون.
هكذا تتقدم المعرفة الإنسانية؛ لا بمجرد طرح الأفكار، ولا بمجرد رفضها، بل باختبارها وتمحيصها، حتى لا تبقى الحقيقة أسيرة الانطباعات أو رهينة الأصوات الأعلى.
▪️︎ ▪️︎ حين حاول عباس بن فرناس الطيران، لم يكن العالم يعرف الطائرات التي نعبر بها القارات اليوم. كانت هناك محاولة وتجربة وطموح، ثم جاءت أجيال متعاقبة من العلماء والمهندسين لتطور المعرفة وتختبرها، حتى أصبح الطيران صناعة عالمية متكاملة.
وليس معنى ذلك أن كل فكرة جديدة ستقود إلى اكتشاف عظيم، أو أن كل تجربة تستحق التصديق؛ بل إن الدرس الأهم هو أن الفكرة تُختبر، والتجربة تُقيّم، وما يثبته الدليل وحده هو الذي يستحق أن يتحول إلى معرفة نعتمد عليها.
ومن هنا أعود إلى الجدل الدائر حول ما يُعرف بنظام «الطيبات» الغذائي.
أقول بوضوح : أختلف مع عدد كبير من الأفكار التي تُنسب لهذا النظام ، ولا أتبنى دعواته الغذائية على إطلاقها. لكنني لا أرى أن الاختلاف معه ينبغي أن يكون مبررًا لإغلاق باب البحث في كل ما يطرحه، كما لا أرى أن شهادات من يقولون إن صحتهم قد تحسنت باتباع بعض أفكاره تكفي وحدها لإثبات صحتها.
فقد تكون لدى أي باحث ملاحظات تستحق الدراسة، وقد تصح بعض استنتاجاته ويخطئ بعضها الآخر، وقد تكشف الأبحاث أن بعض ما يطرحه صحيح في حالات محددة، أو أن بعضه لا تدعمه الأدلة الكافية.
وهنا ينبغي أن يبدأ دور العلم، لا أن ينتهي النقاش.
هل أصبح ما تربينا عليه موضع شك؟
لقد تربينا على موائد تضم اللبن والبيض والدجاج والخبز والحبوب ومختلف المحاصيل الزراعية. وكانت هذه الأطعمة جزءًا أصيلًا من ثقافتنا الغذائية عبر أجيال.
ثم نسمع اليوم دعوات تحذر من بعض هذه الأطعمة، بل تدعو إلى الامتناع عن مجموعات واسعة مما اعتاد الناس تناوله.
وهنا يجد المواطن نفسه أمام أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تمس حياته كل يوم:
هل اللبن الذي اعتدنا اعتباره غذاءً مهمًا ضار؟ وهل البيض الذي عرفته موائدنا عبر الأجيال ينبغي تجنبه؟ وماذا عن الدجاج والخبز والحبوب؟ وهل ما اعتدنا تناوله يحتاج إلى مراجعة، أم أن بعض الدعوات الجديدة تتجاوز ما تسمح به الأدلة العلمية؟
لا أطرح هذه الأسئلة دفاعًا عن كل ما ورثناه من عادات غذائية، فليس كل قديم صحيحًا، ولا كل جديد خطأ. إنما أطرحها لأن الحكم على الطعام لا ينبغي أن يخضع للانطباع أو الشهرة أو الحماس لفكرة جديدة.
فالتأثير الصحي للطعام قد يختلف باختلاف نوعه وكميته وطريقة إعداده، وباختلاف عمر الإنسان وحالته الصحية واحتياجاته الغذائية.
فلماذا نترك المواطن حائرًا بين نصائح متناقضة، بينما يفترض أن تكون المؤسسات العلمية هي المرجع الذي يستعين به لمعرفة ما تدعمه الأدلة وما لا تدعمه؟
لسنا بحاجة إلى معركة جديدة.. بل إلى مرجعية تحسم ما يمكن حسمه
》إن القضية، في تقديري، أكبر من شخص أو نظام غذائي بعينه. فاليوم يدور الجدل حول الدكتور ضياء العوضي، وغدًا قد يظهر باحث آخر بأفكار جديدة، أو تنتشر نظرية غذائية تقلب ما اعتاد الناس معرفته.
▪️︎▪️︎ فهل نظل في كل مرة أسرى معركة بين التصديق والتكذيب، أم نمتلك آلية علمية مستقلة تتولى فحص كل ادعاء، وتعلن للناس ما انتهت إليه الأدلة؟
إن المجتمعات لا تتقدم بكثرة الآراء المتصارعة، بل بقدرتها على اختبار هذه الآراء والوصول إلى نتائج موثوقة.
ولا ينبغي أن نغفل أن وراء الغذاء والدواء مصالح اقتصادية كبيرة، لكن وجود هذه المصالح لا يبرر اتهام جهة دون دليل؛ بل يجعل استقلال البحث العلمي وشفافيته ومراجعة نتائجه أمورًا لا غنى عنها.
●● ومن هنا، أقترح أن تتبنى جهة علمية وطنية مستقلة، بالتعاون مع الجامعات وكليات الطب والتغذية ومراكز البحوث والهيئات الصحية المختصة، مشروعًا واضحًا لتقييم الادعاءات الغذائية المثخارة في المجتمع.
مشروعًا لا ينحاز إلى شخص، ولا يبدأ بحكم مسبق، بل يضع الادعاءات المحددة تحت مجهر البحث العلمي، ويستعين بالدراسات المحكمة والأدلة المتاحة، ويستمع إلى التخصصات المعنية، ويعلن النتائج بمنتهى الشفافية.
●● وأقترح أن يقوم هذا المشروع على ثلاثة محاور:
أولًا: مرصد علمي للادعاءات الغذائية. يتابع ما ينتشر من أفكار ونظريات تتعلق بالطعام والصحة، ويحدد ما يستحق منها الفحص العلمي.
ثانيًا: مرجعية وطنية موثوقة للتغذية. تصدر إرشادات واضحة ومحدثة تساعد الناس على اختيار غذائهم، وتبين ما يناسب عامة الناس وما يتطلب احتياطات خاصة أو استشارة طبية.
ثالثًا: منصة عامة للمعرفة الغذائية. تتيح للمواطن أن يعرف ما ثبتت فائدته، وما ثبت ضرره، وما لا تزال الأدلة بشأنه غير كافية، مع توضيح قوة الأدلة وأسباب تغيير التوصيات متى تغيرت.
▪️︎ ▪️︎ ولا أقصد بذلك أن نصدر دستورًا جامدًا يضع كل طعام في خانة النفع أو الضرر إلى الأبد؛ فالعلم يتطور، والاحتياجات الغذائية تختلف، والتوصيات الرشيدة يجب أن تتغير عندما تظهر أدلة أقوى.
إنما نحتاج إلى مرجعية حية، موثوقة، واضحة، تتحدث بلغة يفهمها الناس، وتساعدهم على اتخاذ قرارات صحيحة بدلًا من تركهم فريسة للحيرة والتجارب غير المأمونة.
فإذا ثبتت فائدة فكرة طرحها الدكتور العوضي أو غيره، وجب الاستفادة منها في حدود ما أثبته العلم. وإذا ثبت خطؤها أو خطرها، وجب توضيح ذلك للناس بالأدلة والأسباب.
ليس المطلوب الانتصار لنظام الطيبات هذا .. أو عليه؛ بل المطلوب هو الوصول إلى الحقيقة، أيًّا كان صاحبها.
أليس غذاء الإنسان جديرًا باهتمام العالم؟
لقد سخّرت البشرية عقولًا وموارد هائلة لتطوير الطائرات والصواريخ والتكنولوجيا، وأنشأت مؤسسات متخصصة لاختبارها وتقييمها، لأن الخطأ فيها قد تكون له عواقب خطيرة.
وقد استطاع الإنسان أن يصل إلى الفضاء، ويغوص إلى أعماق البحار، ويفك كثيرًا من أسرار الطبيعة.
□ لكن يبقى سؤال يستحق أن نطرحه :
إذا كانت البشرية قد بلغت هذا القدر من التقدم، فلماذا لا نمنح غذاء الإنسان الاهتمام العلمي والمؤسسي الذي يستحقه؟؟!
▪️︎▪️︎ إن الغذاء ليس مجرد وجبة نتناولها ثم ننساها؛ إنه جزء أساسي من صحتنا، وقد يؤثر في جودة حياتنا على المدى الطويل. والإنسان الذي لا يعرف كيف يختار غذاءه على أساس علمي قد يقع ضحية نصيحة مضللة، حتى لو كان صاحبها حسن النية.
ولهذا لا ينبغي أن نكتفي بمشاهدة الجدل يتكرر، ولا أن نترك المواطن يختار بين آراء متعارضة دون أن يجد مرجعًا موثوقًا يستند إليه.
●● إننا لا نطالب بتصديق كل جديد، ولا بالتمسك بكل قديم؛ بل نطالب بألا يسبق الجدلُ العلمَ، وألا تحل الشهرة محل الدليل، وألا تتحول صحة الإنسان إلى ساحة للتخمين.
فليس المطلوب أن ننتصر لفكرة، بل أن نصل إلى الحقيقة. وليس المطلوب أن نمنح الثقة لشخص، بل أن نؤسس الثقة في منهج علمي مستقل، يراجع نفسه ويصحح أخطاءه ويضع مصلحة الإنسان فوق كل اعتبار.
▪️︎▪️︎ حان الوقت لأن ننتقل من سؤال: مَن على حق؟ إلى سؤال أهم: أين الدليل، ومَن يفحصه، وكيف تصل نتيجته إلى الناس؟
إن صحة الإنسان تستحق هذا الجهد، وغذاؤه يستحق هذه العناية، والعلم يستحق أن يؤدي رسالته كاملة.
"حفظ الله الإنسان، وحفظ مصر، ووفق علماءها إلى ما فيه الخير لصحة أبنائها.." اللهم آمين ،،
.
صلاح الجنيدى
- رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الأسبق
- مدير عام المشروعات والتصميمات بوزارة الأوقاف المصرية سابقًا