تحل في 24 أكتوبر ذكرى مقتل السلطان المملوكي سيف الدين قطز عام 1260، بعد نحو 50 يومًا من انتصاره على المغول في معركة عين جالوت، في واقعة انتهت بتولي الظاهر بيبرس عرش السلطنة، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع على السلطة داخل الدولة المملوكية.
وقُتل قطز خلال عودته من بلاد الشام إلى مصر، في منطقة الجعافرة بالقرب من الصالحية، بحسب الروايات التاريخية المتداولة. ورغم ارتباط اسمه بالانتصار الذي أوقف التقدم المغولي نحو مصر، فإن نهايته جاءت نتيجة صراعات داخلية لم تتوقف عند التنافس على الحكم، بل امتدت جذورها إلى خلافات قديمة بين فرق المماليك وأمرائهم.
ابن أيبك الدواداري يربط مقتل قطز بهروب بعض الأمراء في عين جالوت
اختلف المؤرخون في تفسير الدوافع التي دفعت الظاهر بيبرس إلى المشاركة في قتل قطز، ولم تستقر الروايات على سبب واحد يمكن اعتباره تفسيرًا نهائيًا للواقعة.
ويرى ابن أيبك الدواداري أن التوتر بين السلطان وبعض الأمراء بدأ خلال معركة عين جالوت، بعدما فرّ عدد من المماليك المرتبطين بالأمير ركن الدين بيبرس من أرض المعركة أمام المغول. وعقب انتصار الجيش المملوكي، وبّخ قطز الأمراء الذين فروا، ووجّه إليهم اللوم والتهديد، وهو ما أسهم، وفق رواية المؤرخ، في تعميق العداء بينهم وبين السلطان.
ويصف ابن أيبك الدواداري أجواء التوتر التي أعقبت الواقعة بقوله إن السلطان «وبّخهم، وشتمهم، وتوعّدهم»، مضيفًا أن الأحقاد والضغائن ظلت تتراكم بين الطرفين، وأن كلًا منهما أخذ يترقب الفرصة المناسبة لمواجهة الآخر.
وبحسب هذه الرواية، لم يكن الانتصار في عين جالوت نهاية للخلافات داخل المعسكر المملوكي، بل تحول إلى نقطة تصاعد فيها التوتر بين السلطان وبعض الأمراء الذين شاركوا في المعركة.
بيبرس الدواداري يكشف جذور الصراع بين البحرية والمعزية
يقدم المؤرخ بيبرس الدواداري المنصوري تفسيرًا أعمق لمقتل قطز، إذ يربط الواقعة بالصراع القديم بين المماليك البحرية الصالحية والمماليك المعزية، وبما تعرض له البحرية من إقصاء وتشريد في عهد السلطان عز الدين أيبك.
ويشير بيبرس الدواداري إلى أن قطز كان مرتبطًا بالصراع الذي انتهى بمقتل الأمير فارس الدين أقطاي، أحد أبرز قادة المماليك البحرية، خلال التنافس على السلطة في عهد أيبك. وبعد مقتل أقطاي، تعرض عدد من المماليك البحرية للإبعاد، واضطر بعضهم إلى مغادرة مصر والتنقل بين بلاد الشام ومناطق أخرى.
وفي روايته، لم يكن انضمام المماليك البحرية إلى قطز دليلًا على ولائهم الكامل له، بل ارتبط أيضًا بظروف سياسية وعسكرية دفعتهم إلى التعاون معه رغم استمرار الخلافات القديمة.
وتكشف هذه القراءة عن أن مقتل السلطان لم يكن بالضرورة نتيجة خلاف طارئ نشأ بعد عين جالوت، بل امتدادًا لصراع على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية المملوكية، حيث تداخلت الثارات القديمة مع التنافس على السلطنة.
المقريزي يرجّح أن رفض ولاية حلب فجّر الخلاف بين قطز وبيبرس
أما المؤرخ تقي الدين المقريزي، فيربط مقتل قطز بخلاف مباشر بين السلطان والأمير بيبرس بشأن ولاية حلب.
ووفقًا لروايته، طلب بيبرس من قطز أن يوليه نيابة حلب، لكن السلطان لم يستجب لطلبه، وهو ما دفع الأمير إلى إضمار العداء له. وتُنقل عن المقريزي عبارة «فأضمرها في نفسه»، في إشارة إلى ما ترتب على رفض الطلب من توتر بين الرجلين.
وتقدم هذه الرواية تفسيرًا مباشرًا لتوقيت الاغتيال، لكنها لا تفسر وحدها خلفية الصراع بين المماليك البحرية والمعزية، ولا المصالح السياسية والعسكرية التي كانت تحكم علاقة الأمراء بالسلطان.
لذلك، لا يمكن اختزال مقتل قطز في مسألة رفض ولاية حلب، خصوصًا في ظل وجود روايات أخرى تربط الواقعة بالتنافس على العرش وبالعداء المتراكم بين القوى المملوكية.
صراع قديم على السلطة انتهى بمقتل قطز وصعود بيبرس
تساعد المقارنة بين روايات المؤرخين على فهم تعدد العوامل التي أحاطت بمقتل قطز. فبينما يركز ابن أيبك الدواداري على التوتر الذي أعقب معركة عين جالوت، يضع بيبرس الدواداري الواقعة في سياق الثأر القديم لمقتل أقطاي وإقصاء المماليك البحرية، فيما يربط المقريزي الأزمة برفض منح بيبرس ولاية حلب.
ولا تتعارض هذه التفسيرات بالضرورة في جميع جوانبها؛ إذ يمكن أن تكون الخلافات القديمة، والتنافس على النفوذ، والخشية من إقصاء بعض الأمراء، إلى جانب الخلاف المباشر حول ولاية حلب، قد تضافرت في الوصول إلى قرار التخلص من السلطان.
وبعد مقتل قطز، تولى الظاهر بيبرس السلطنة، وبدأت مرحلة جديدة من حكم الدولة المملوكية، شهدت استمرار المواجهة مع المغول والصليبيين، وتعزيز مكانة المماليك في مصر وبلاد الشام.
ابن إياس يرصد عودة المماليك البحرية بعد تولي بيبرس السلطنة
وتشير روايات المؤرخين إلى أن التغييرات السياسية التي أعقبت مقتل قطز لم تقتصر على انتقال الحكم إلى بيبرس، بل شملت أيضًا إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة المملوكية.
وينقل المؤرخ ابن إياس أن بيبرس، بعد استقرار أمره في السلطنة، أصدر أمرًا بإحضار المماليك البحرية الذين كانوا منفيين في البلاد. وتكتسب هذه الإشارة أهمية في ضوء الخلفية التاريخية للصراع بين البحرية والمعزية، وما تعرض له أنصار أقطاي من إقصاء في مراحل سابقة.
كما تذكر روايات تاريخية وقوع توترات ومحاولات لاستهداف بيبرس من جانب بعض المماليك المعزية، أعقبها قتل بعضهم وسجن آخرين ونفيهم. وتكشف هذه التطورات عن أن انتقال السلطة لم ينهِ الخلافات داخل النخبة العسكرية، بل أعاد تشكيل التحالفات وموازين النفوذ بين أطرافها.
من بطل عين جالوت إلى ضحية الصراع على السلطنة
تكشف نهاية سيف الدين قطز عن مفارقة تاريخية لافتة؛ فالسلطان الذي ارتبط اسمه بانتصار عين جالوت على المغول، لم يمضِ وقت طويل على انتصاره قبل أن يسقط ضحية صراع داخلي على السلطة.
وبعد نحو خمسين يومًا من المعركة، انتهى حكمه باغتياله خلال رحلة العودة إلى مصر، ليخلفه الظاهر بيبرس على العرش. وبينما تختلف الروايات في تحديد الدافع المباشر للقتل، فإنها تلتقي عند حقيقة أساسية، هي أن الصراع على السلطنة لم يكن منفصلًا عن الانقسامات القديمة داخل طبقة المماليك، ولا عن المنافسة على المناصب والنفوذ.